هموم ثقافية

التكرار يعلّم الحمار

شدّ الدكتور سيجموند فرويد (Sigmund Freud (1856-1939 رحاله، ليحلّ زائرًا على عائلة من أصدقائه ذات يوم، وكان لدى تلك العائلة الكريمة طفلٌ لم يتجاوز عمره السنة والنصف، وبما أن زيارة فرويد كانت لعدة أسابيع، فقد منحه ذلك الفرصة لمراقبة سلوك الطفل، وقد لاحظ أنه يرمي ألعابه ثم يستعيدها، ويفرح بتلك الاستعادة، ثم يرمي اللعبة من جديد ويستعيدها، ويسعد بالاستعادة مرة أخرى، وهكذا، ما أثار سؤالًا أساسيًا عند الدكتور: لماذا يكرر الطفل ذلك؟ لماذا يشعر بالسعادة لاستعادة اللعبة كل مرة، مع أنه هو من رماها؟ ليقترح بعدها –وأنا هنا أبتسر وأختصر- أن الطفل في لعبه هذا يدرب نفسه على “الفقدان”، فقدان الأم بشكل أساسي، وخلص -بعد تفكير طويل في ذلك- إلى ما أسماه “مبدأ إجبار التكرار”، في الفصل الثاني من كتابه (ما فوق مبدأ اللذة).

قد يكون فرويد مصيبًا أو مخطئًا (وهو نفسه يشكك في كل ما وصل إليه، مؤكدًا أن تطور العلم والمعرفة سيكشف ما هو خاطئ في نظريته وما هو صحيح) ولكن من تجربة فرويد تلك، يمكننا توليد فكرة قد تكون أقل عرضة للخطأ، وهي أن التكرار وسيلة للتعلم والاكتشاف، بالتالي وسيلة للمعرفة، وبالتالي وسيلة للسيطرة، نكرر التجربة مرة بعد مرة كي نعرف كل جوانبها، نستطيع بعد ذلك أن نسيطر على تلك الجوانب كافة ونروضها، وبذلك تصبح آمنة، لا تشكل خطرًا.

المعرفة بشكل ما تساوي السيطرة، أو على الأقل لا يمكننا السيطرة على ما لا نعرفه، بالتالي المعرفة شرط أساس من شروط السيطرة، إذًا، كيف لنا أن نسيطر على حياتنا والمجاهيل فيها أكثر بكثير من المعاليم؟ سؤال كهذا جوابه الغالب هو: لن نسيطر على حياتنا بشكل تامٍ أبدًا، فكلما عرفنا أكثر؛ عرفنا أننا نعرف أقلّ، ولأن جوابًا كهذا يثير القلق –إن لم يكن الرعب- فلا بد من الإصرار على ما عرفناه واختبرناه، أي بمعنى آخر: تكرار تجاربنا وخبراتنا ذاتها، وبذلك نصبح أعداءً للتغيير من دون أن نقصد، وتصبح أيامنا لا معنى لها، فالتكرار يفرغ التجربة مع معناها، وهو ما يجعل كلَّ يوم يومًا رائعًا لنشرب الشاي أو لنشنق أنفسنا، كما قال أنطون تشيخوف لمكسيم غوركي ذات مرة (إن لم أكن مخطئًا).

اللغة هي إحدى أهم وسائل نقل المعرفة، وإحدى وسائل إفراغ المعرفة من معناها أيضًا، ولأن اللغة ناقلة للمعرفة، فالسيطرة عليها من أولويات السلطة مثلًا، وهو ما يوضحه جورج أورويل George Orwell (1903-1950) في روايته (1984)، ولأن اللغة من أكثر خبراتنا استخدامًا (نستخدمها كل يوم إن لم يكن كل دقيقة) فهي عرضة لتكرار مهول، وهو ما انتبه إليه مجموعة من نقاد الأدب واللغويين الروس الذين عرفوا بـ “الشكلانيين الروس” منذ عشرينيات القرن الماضي، فطالبوا بتغريب اللغة، أي استخدام المفردات في سياقات غير مألوفة، تنبّه المتلقي إلى المعنى الحقيقي لتلك المفردات، فنحن مثلًا نقول: صباح الخير، دون أن نعني حقًا كلمتي صباح وخير، فتصبح “صباح الخير” جملة ألفاظ للتحية لا تختلف عن مرحبًا أو السلام عليكم، وبذلك تفقد الجملة معناها الحقيقي.

هذا أيضًا من وسائل السلطات للسيطرة: إفقاد اللغة لمعانيها من خلال التكرار، وتستخدم كافة وسائل الدعاية لضخ تلك المكرورات، التلفاز يتحدث عن الحرية، والصحيفة تكتب عن الحرية، واللافتات والأهازيج واتحاد الكتاب العرب والهواء والماء والسيد الرئيس وبرطاشة مكتب الديوان في مؤسسة الحبوب يصدحون بالحرية، ولكن أي حرية؟ بعد التكرار الذي يفقد الحرية معناها، تضخ السلطة معنًى جديدًا في الكلمة، فتصبح الحرية كل شيء إلا الحرية نفسها، تصبح الحرية هي السيادة والاستقلال، هي الهدف والطموح، هي الخلاص من الإمبريالية والرأسمالية والشيوعية والاشتراكية وذبابة الفاكهة، وتصبح فجأة غير قابلة للتحقيق إلا بعد الوحدة (حسب شعار وحدة، حرية، اشتراكية)، وهكذا تصبح حرية التعبير عن الرأي، وحرية التنقل، وحرية الاعتقاد، وحرية الاختيار، تصبح هذه الحريات مبهمة وغير مفهومة، فتظهر أسئلة شهيرة مثل “هَي الحرية اللي بدكن ياها؟!” أو جمل شهيرة مثل “كانت إختي ترجع عالبيت الساعة تلاتة الصبح” لتعبّر فعلًا عن ضياع معنى “حرية”. وبذلك تسيطر السلطة على الحرية من الجوانب كافة وتروضها، وبذلك تصبح الحرية آمنة لا تشكل خطرًا، ونصبح نحن آمنين ولا نشكل خطرًا أيضًا.

التكرار إذن يعلم الحمار وصاحب الحمار، ولا بدّ منه للإتقان مثلًا، إتقان العزف أو الرقص أو تركيب الجبصين أو الحلاقة، كما أنه يساعدنا لنسيطر على مخاوفنا ونتجاوزها ربما، ولكن تكرار التكرار، أعتقد أن الحمار نفسه ينظر إليه بلا مبالاة، إن لم يكن بريبة أو ازدراء، أما صاحب الحمار، فلا أعرف كيف ينظر إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق