أدب وفنون

استحضار الأرواح

نحن “شعب واحد” والدليل أن صديقي المسلم يذهب كل يوم جمعة إلى الجامع لحضور صلاة الجماعة، والقيام بواجبه الديني وضمان آخرته، وأنا “محروم” من نعمة الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد، لكنني أذهب كل يوم جمعة، بالصدفة وليس تأثرًا بالمسلمين، إلى أحد المراكز التجارية في المدينة، تلبية لأوامر زوجتي، ولضمان آخرتي في البيت في آخر النهار، فأنا لا يقلقني حرماني من الجنة.

بعد نهاية عملها، تأتي زوجتي إلى هذا المركز، مرة في الأسبوع، كي تدفع فواتير البيت، وترّوح عن نفسها برؤية الجديد في عالم الأزياء المعروضة بسخاء في المحلات، وأحدث موديلات تسريحات الشعر والأصباغ، فكما تعلمون، لكل فصل وموسم لون شعر ينسجم مع درجة حرارة الطقس، و”حرارة” موديلات الأزياء، يتبع ذلك لون الأحذية النسائية، ومحافظ اليد، وخواتم الأصابع.

هذا الأسبوع كانت المناسبة مختلفة، فعيد الفصح على الأبواب، وهناك واجبات لا بد من القيام بها، على الرغم من أننا لا نمارس أي شعائر دينية في بيتنا، فشراء الشوكولا والهدايا لا علاقة لها بالطقوس الدينية، فأنا لا دينيّ، وزوجتي هجرت الكنسية بعد أن طردتني من البيت، وابني الكبير يتبع تقاليد زوجته الإيطالية، الكاثوليكية اسمًا، وابني الثاني عليه مراعاة شعور صديقته المسلمة، التي لا مانع عندها من الاحتفال بالعيد، وهكذا كما ترون، فنحن جميعًا نراعي شعور بعضنا، ولكن لا جامع يجمعنا “إيمانيًا” إلا غداء العيد، الذي استحضرنا فيه أرواح طقوس وشعائر “الفصح”؛ من موت وقيامة وفرح الخلاص من الخطيئة الأصلية، ونجحنا في  تحويل جوهر “الفصح” الذي هو تضحية “ابن الله” بنفسه من أجل مغفرة خطايا البشر، إلى وليمة غداء وهدايا وثياب جديدة وعلب الشوكولا، والبيض الملون.

هناك عادة سنوية تمارسها المراكز التجارية في مونتريال، منذ سنوات، في عيد الفصح، للترفيه عن الزبائن، وتقديم عناصر إثارة جديدة للكبار والصغار، وذلك بتخصيص ساحة من ساحات المركز التجاري، لاستقبال بعض حيوانات المزرعة، ومنها الدواجن بأنواعها؛ خاصة الصيصان حديثة التفقيس، والأغنام والماعز والأحصنة الصغيرة (القزمة)، والناس تحيط بها، وهي تشبه حلقة من حلقات “استحضار أرواح” هذه الحيوانات، التي تبخرت من المدن الغربية، بعد أن كانت تعيش بين الناس، كي يراها الأطفال والكبار، وأصبح وجودها محصورًا في المزارع المتخصصة ولأغراض تجارية، خارج المدينة، ولولا الأفلام لنسي أغلب سكان المدن شكلها.

يذكرني سلوك المراكز التجارية في مونتريال بسلوك صديق حمصي. في إحدى سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، كان الأسد الأب يعاقب المجتمع الذي تعاطف مع الهبّة الشعبية، فقرر تجويع هذا المجتمع وإذلاله، وأصبح كل شيء مفقودًا وبعضه نادرًا جدًا، وكانت طوابير البشر أمام الأفران إحدى صور إذلال السوري، ومن ذلك اختفاء الفواكه أو أغلبها. في ذلك الزمن كان لصديقنا الحمصي ذاك ابنة قد بلغت من العمر عامين، كنا مجموعة “الحكوجية” المثقفين نتخذ من مقهى (التوليدو) الحمصي مركزًا لعملياتنا الميدانية؛ من نميمة وتثاقف، وادعاء الرجولة، والتباهي بالغزوات النسائية، وتبادل المعلومات عن آخر الإشاعات التي تتحدث عن انضمام “مثقفين” إلى جمهرة المخبرين، والأحاديث السياسية، كان المقهى هو الحلقة المنعقدة  دومًا “لاستحضار روح” عجزنا وفشلنا واستسلامنا أمام الدكتاتور، وكان معنا صديقنا الذي لم يكن يختلف عنا في شيء، إلا في أنه رُزق بابنة جميلة قبل سنتين، أصبحت تحرجه ببعض الاسئلة التي كان يعجز عن العثور على أجوبة لها، على الرغم من شهادة الفلسفة التي يحملها، من تلك الأسئلة: “شو هوّ الموز بابا؟” فتفتق ذهنه عن طريقة للرد على أسئلة طفلته، وصار يحملها كل يوم بين ذراعيه ويذهب بها إلى سوق الفواكه كي يعرفها على الموز وغير الموز، فبحكم عمله في التعليم لم يكن راتبه يكفي لشراء الأساسيات من مستلزمات الحياة، وهكذا لم يكن قادرًا على شراء الكثير من أنواع الفواكه، وكان التعويض الوحيد المتاح أمامه هو حمل طفلته والمرور من أمام بسطات الفواكه، وكان يقف كل يوم أمام نوعين أو ثلاثة شارحًا لابنته عنها.

عندما سألنا صديقنا، الذي كان يعبر من أمامنا، عن الحكمة من وراء زيارة سوق الفواكه، قال بنبرة الفيلسوف: إنني أقوم بواجبي كأب، فالفتاة ستذهب إلى المدرسة في السنوات القادمة، ولا أريدها أن تشعر بالحرج والإرباك إذا سألت المعلمة ما هو الموز، من يستطيع تعريفه أو وصفه؟ هل سمعت به إحداكن؟ فيكون عند ابنتي فرصة التفوق على زميلاتها، عندما تقف للتحدث عن شكل الموز، صحيح أن معلوماتها ستبقى ناقصة قليلًا، لأنها لا تستطيع الحديث عن طعم الموز، ولكن مهارة الوصف، هي نوع من استحضار طعم الموز المتخيل…

كانت فكرة مالكي المركز التجاري هي الترويج لبضائع “الفصح”، فكان لا بدّ من استحضار حيوانات المزرعة، ليس من أجل رفع منسوب الإيمان في صدور الناس، وإنما من أجل دفعهم للتسوق وشراء دجاجات الشوكولا والبيض الملون المصنوع من الشوكولا، وصرف مدخراتهم على حاجات آنية يمكن الاستغناء عنها، لولا ارتفاع منسوب الإيمان والتنافس بين البشر والتفاخر بمشتريات العيد أمام الأصدقاء.

التجويع هنا نفسي، الهدف منه جني المال، وليس كما كان عند حافظ الأسد الذي يهدف إلى تركيع المجتمع والمناداة به إلهًا جديدًا للسوريين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق