كلمة جيرون

نظام الأزمات

أزمة المحروقات الأخيرة التي تمرّ بها سورية، تعيدنا إلى مئات الأزمات المشابهة التي عاناها السوريون، منذ استلام الأسد الأب السلطة حتى اليوم، حيث قضى كل السوريين -ممن هم أصغر من خمسين عامًا- حياتهم في أزمات تُناطح أزمات، يخرجون من واحدة ويدخلون في أخرى، حتى باتت الأزمات صفة مرافقة للحياة في سورية.

منذ استلام الأسد الأب السلطة، عاش السوريون أزمة “الدولة البعثية” التي تنعدم فيها الحياة السياسية خارج إطار هذا الحزب الذي فُرض عليهم قائدًا للدولة والمجتمع، ولتسربلهم أزمات طلائع البعث وشبيبة الثورة والحزب الواحد والهتاف الواحد والقائد الواحد، أزمات جعلت السوريين لا يعرفون معنى الديمقراطية، ولا يعرفون أن من حقهم محاسبة نظام احترف خلق الأزمات.

قضى السوريون سنوات طويلة في أزمة “تهمة الانتماء للإخوان المسلمين”، حيث كانت عقوبة الإعدام تُطبّق على كل من “يُشتبه” مجرد اشتباه بانتمائه إلى هذه الجماعة، وليعيش السوريون أزمة خوف ورعب، أنستهم كليًا أن لهم حقوقًا يمكن أن يرفعوا رؤوسهم ويطالبوا بها.

عاش السوريون أزمات اقتصادية و”تجويعية” من الصعب استذكارها كلها، وكانت سورية واحدة من بلدان العالم القليلة جدًا في العالم التي مرّت بأزمة فقدان الرز والقمح والمناديل الورقية والزيت والموز والشاي والقهوة وغيرها الكثير، وعاش شعبها تقشّفًا متكررًا لا يرحم، ونشأ جيل سوري محروم من أساسيات الحياة، ولا يعرف سوى سياسة التجويع المتعمد والتقشّف الإلزامي، مقابل سوق سوداء يُديرها رجال النظام ولا يجد المواطن بديلًا عنها، مع إدراكه أن فيها سرقة علنية له.

عاش السوريون أزمة تقنين ماء، وكهرباء، وغاز، وخطوط هاتفية وإنترنيت، وارتفاعات متسارعة ومفاجئة في أسعارها، وعدم توفر المحروقات في الكثير من السنوات، وأيضًا مقابل سوق سوداء علنية وفاضحة، وأنهر لا تنقطع منها تهدرها آليات المؤسسات الأمنية والعسكرية والوزارات ورجالات النظام.

عاش السوريون أزمة “الصمود والتصدي”، فحُرموا من أي نوع من أنواع الرفاهية، بذريعة توفير الأموال للمجهود الحربي، وشراء السلاح والعتاد للانتصار على “إسرائيل” وطردها، ولسوء حظهم لم يُستخدم ذلك السلاح إلا ضدهم، واحتملوا انخفاضًا في الدخل لا يضاهيه في الانخفاض دخل أي مواطن عربي آخر، وعانوا فقرًا نسبيًا ومُطلقًا، في بلدٍ لا تنقصه الثروات الطبيعية والزراعية والبشرية.

واجه السوريون أزمات سياسية عدّة مع دول الجوار، ولم ينجُ جار سوري من شطط النظام وسياساته المتهورة، فعانت سورية مرارًا من علاقات عداء مع الأردن، وأكثر من عداء مع العراق، وأوشكت الحرب أن تنشب مع تركيا، وسُحِق لبنان ونُهب، وانقطعت العلاقات الاقتصادية مع هذه الدول، وشوّه النظام العلاقات مع دول الجوار، وخلق أزمات ونزاعات وخلافات حتى على الصعيد الاجتماعي والإنساني معها.

عانى السوريون أزمات كبرى مع المجتمع الدولي، وفاحت رائحة نظامهم كنظام مارق، بل ومجرم في بعض الأحيان، ففُرضت عليه عقوبات دولية، اقتصادية وغير اقتصادية، عاناها السوري ودفع ثمنها الكثير، فيما استمر رجال النظام وزبانيته يسبحون في بحيرات من المال، ويعيشون حياة بذخ كانت مادة  فضائحية لوسائل إعلام دولية.

عاش السوريون أزمة حرب مجنونة شنّها النظام ضد طلّاب الحرية، دمّر خلالها البنية التحتية السورية، طرقًا ومشافي ومدارس وأسواق، انهار خلالها الجيش، وانعكست على السوريين وحدهم، من دون أن تنعكس على شخوص النظام الذين عاشوا حياة منفصلة عن الواقع، وأكّدوا في كل لحظة أن الدولة مرتع لهم، يقتلون فيها وينهبون دون حسبان، حربٌ دمّر النظام من خلالها ما لم يُدمّره خلال أزماته السابقة.

عاش السوريون أزمة نظام شمولي أمني قمعي لا يرحم، همّه ملء السجون وقمع المختلف، نظام تعامل مع سورية كمزرعة له ولأزلامه، وما يزال، يتحكم في ثروة سورية وحاضرها ومستقبلها، ينهب الدولة وثرواتها بشكل مُنظّم، ولا يضع إنسانًا واحدًا في مكانه المناسب، وعمم ثقافة الانتهازية والوصولية، وثقافة النهب والفساد والإفساد، وثقافة الربح السريع والوحشي، على حساب كرامات البشر وحقوقهم.

من شبّ على شيء شاب عليه، ومن قام أساسًا على ظهر الأزمات سيستمر في افتعالها، ومن لم يُصلح خلال خمسة عقود لن يُصلح أبدًا، ومن أدمن الفساد والسرقة والنهب وإذلال البشر لن يُرجى منه خير، ومن أذلّ السوريين وسحق كرامتهم بأزماته، حتى الموالين منهم، لا رجاء فيه، ومن يعتقد من هؤلاء الذين دعموه خمسين عامًا أنه يمكن أن يعيشوا يومًا من دون أزمات، ما عليهم إلا تذكّر المثل القائل “فالج لا تُعالج”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق