أدب وفنون

الشخصية الفلسطينية في المسرح الصهيوني

ماذا يفعل رجالُ/ نساءُ المسرح العربي بالعقل، عقلهم، أو بإرادة القوَّة التي تسكنهم؟ وكيف سيتخلُّون عن الدفاع عن الهوية الثقافية لأمَّتهم التي تهددها جبهات الاستبداد المعسكِرة والمستعمِرة التي تسكن الأراضي العربية المحتلَّة، سواء في فلسطين أو في العراق، أو تلك التي تسكن الكتب والعقول والنفوس، والأسواق والمصانع؟

أمام ما فعلته وتفعله “إسرائيل” بحروبها علينا، انكشفت عورتنا، فبدَوْنا أمَّة عاجزة، أمَّة غير مهابة، وها هوَ الاستبداد يتراكمُ فوق رؤوسنا جيلًا بعد جيل.. ثمَّ لماذا لم نصنع مسرحنا/ ديمقراطيتنا إلى الآن؟ “إسرائيل” على الرغم من انشغالها بحروب معنا ومع غيرنا، نراها تصنع مسرحها، ومثقَّفها المسرحي لا يخشاها، وأوَّل ما انتزع منها حتى يصير عقله عقلًا متفوِّقًا، إلغاء الرقابة على ما ينتجه عقله من فكرٍ ونصٍ وعرضٍ مسرحي، في حين أنَّ دولتنا العربية القمعية تخشى الثقافة والمثقَّف المسرحي.

أنا أعرف أنَّ المثقَّف يؤسِّس إيمانه بالمعتقد، حين يدفع عقله ليقرأ ويدرس النصَّ -أيَّ نصٍ- بحريَّة وجرأة. الدولة تقهر المثقَّف وتختصر كل تأويل، بل تلغيه حين تقرِّرُ اعتقال المثقَّف، أو هي تكفِّره فيصير تأويلًا موجبًا للتكفير.

وهنا أسأل: لماذا لا تستطيع الحكومات العربية أن تحكم الشعب العربي بالثقافة وسحرها، بدلًا من أن تحكمه بالقمع؟ ثمَّ لماذا لا تكون علاقتها بالعلم والمعرفة أكثر من علاقتها بالجهل والتخلف الذي تعمل على إنتاجه وتدويره من يومٍ ليوم في سجلاتها، فيُستهلك بعناية ودقَّةٍ بالغتين. بل لماذا تصادر الدولة العربية مشروع المثقَّف؟ ألأنَّه صاحب مشروع مستقبلي؟ أين مشاريعها؟ هل هي بيد مثقَّفها الموظَّف المتعصِّب للاستبداد ليحكمَ ويحكم؟ قد يكونُ من حقِّ الدولة العربية أن يكون لها تأويلاتها للنصِّ/ الرأيِ بحسب ما تراه مخابرها الأمنية، بينما المثقَّف في تأويله لنصِّ الدولة الاستبدادية، يُعمل عقله فيه ولا يعتدي على الدولة كما تفهم هي، لأنَّه لا يعتدي ولا يمكن أن يعتدي على الحريَّة الأخلاقية التي هي فوق الحريَّة التاريخية، أي لا يعتدي على صوت الله في داخله الذي هو (العقل).

ستون، سبعون عامًا وعام، هو عمرُ النكبة ولم ننكبَّ على قراءة عقل عدوِّنا الذي افترس أرضنا ويفترس ذاكرتنا، سبعون عامًا وعام و”إسرائيل” تخرجُ من حربٍ لتدخل في حرب. خمسة حروب: 1948- 1956- 1967- 1973- 1982، وكأنَّ “إسرائيل” في كلِّ حربٍ تقوم بنزهة، كأنَّها حربٌ رحلةٌ سياحية، حربٌ نزهة. حتى تلك التي فاجأناها بها “حرب 1973″ وخسرت فيها ما خسرت. و”إسرائيل” لا تتردَّد في القيام بحروبٍ وحروبٍ جانبية، ولا نفعل شيئًا، بنادقنا صامتة، أراضينا تستباح.

سبعون عامًا وعام عمرُ الاحتلال العملي لفلسطين، فيما كان الاحتلال النظري قد بدأ منذ ذاك العام 1799 الذي وقفت فيه جيوش نابليون بونابرت على أسوار عكا، واستعصى عليه احتلالها، فوجَّه نداءه إلى يهود العالم قائلًا: “أيُّها الإسرائيليون انهضوا، فهذه هي اللحظة المناسبة، إنَّ فرنسا تقدِّم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، سارعوا إلى المطالبة باستعادة مكانتكم بين شعوب العالم”. وسرعان ما تحوَّل نداؤه إلى خبرٍ رئيس في الصحافة الفرنسية. هُزم نابليون لكن فكرته بإنشاء وطن لليهود في فلسطين لم تُهزم. صار اليهود الإسرائيليون يحرثون الذاكرة بعمق، صاروا يعملون على بناء المسرح القومي العنصري باسم التاريخ، وباسم الدين الذي تحوَّل إلى سلطة حوَّلت يهود العالم إلى آلة، إلى جيش، إلى معسكر ليُنجز مشروعه الاستيطاني في فلسطين.

بدءًا من عام 1948 حتى عام 1967، عُرِضَ على خشبات المسارح في “إسرائيل” ما يزيد على مئةٍ وثلاثين مسرحيةً، كانت الشخصية العربية الفلسطينية موجودة/ موضوعًا في عشر منها. ففي مسرحية (ملكة الحمام) لحانوح ليفين، وهي من المسرحيات التي تعيد الاعتبار للشخصية العربية الفلسطينية (وكانت أثارت جدلًا واسعًا ومثيرًا في الحياة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية، وتمَّ إيقاف عرضها بعد تسعة عشر يومًا من انطلاقها). يفضح حانوخ ليفين عقلية المؤسَّسة العسكرية الإسرائيلية في امتهانها لكرامة العربي الفلسطيني. المسرحية من جزأين وهما عن عودةٍ للأخوة في ظلِّ المدافع، تتمُّ معهم -مع الشباب الإسرائيلي- مقابلة صحفية يجيبون فيها عن موقفهم من العرب، وتكون إجاباتهم بلا مضمون، إذ يتفوَّهون بحروف عطفٍ وأدوات شرطٍ وتراكيب لغوية لا معنى لها، بينما في الجزء الثاني وهو “سمتوخا” (سمتوخا العامل العربي الذي يعمل نادلًا ويتمُّ تحقيره في مقهى لليهود) يكشف فيها حانوخ ليفين الاستغلال الاقتصادي لليد العاملة الفلسطينية. وكان (موشيه دايان) وزير الدفاع الإسرائيلي قد شاهدَ العرض وقال عنه: “إنَّ هذه المسرحية تعكسُ انفصالَ المؤلِّف عن الواقع، لأنَّه عرضٌ يشجِّع توجهات سلبية، كما إنَّه يصوِّر إسرائيل على أنَّها بالوعة صرفٍ صحي كبيرة، تنبعث منها رائحة كريهة يتمُّ فيها قمع العرب”. في حين قالت (غولدا مائير) عن هذه المسرحية ومؤلِّفها: “71 سنة وأنا أفحصُ نفسي فأجدُ فيها عدلًا وحقًا، لهذا اللهُ يحفظُني، وكل يومٍ يفاجئني من جديد، أجدني محقَّة، محقَّة، محقَّة، ومرةً أخرى محقَّة. ذات مرةٍ غفوتُ قليلًا في الظهيرة وقلت لنفسي: أأرتكبُ حماقةً في غفوتي؟ هل ارتكبت حماقة في غفوتي؟ أَوَجدتُم من يرتكب حماقةً في غفوته؟!- إنَّه حانوخ ليفين”. هذا الكاتب الذي منذ مسرحيته الأولى (أنتَ وأنا والحربُ المُقبلة) وقفَ ضدَّ عملية الاحتلال والاستيطان والقمع الذي يتعرَّض له الشعب الفلسطيني، والذي عاد وأكدَّ ذلك في مسرحيته التالية (الغرض) التي تقوم فيها بطلة المسرحية بتعذيب شخصيات متخيَّلة تمثِّل طوائف وطبقات إسرائيلية، ويقوم الصراع فيها على قتل المستأجر الفلسطيني.

في عام 1985 تمَّ إيقاف عرض مسرحية (أفرايم يعود إلى الجيش) للكاتب (يتسحاق لأور) بحجَّة أنَّها تشوِّه الحقيقة! أيُّ حقيقةٍ تشوِّهها إذا كان يتسحاق لأور يفرجي جنود الجيش الإسرائيلي في المسرحية، وهم يقومون بإطلاق النار على تظاهرة شباب ونساء وأطفال، ويقتلون فتًى يسير في مقدِّمة التظاهرة، ويقومون بضرب وتعذيب الفلسطينيين أثناء التحقيق معهم.. هذه الوقائع ألا نشاهدها والكثير منها في الفضائيات العربية، بصفتها وقائع/ أحداث يُسفك فيها الدم الفلسطيني من دون استخدام لغة التراجيديا المسرحية. غير أنَّ المسرحية سُمح بعرضها عام 1989 بحكم قضائي (لاحظوا أنَّ القضاء الإسرائيلي يتدخَّل ويجيز عرض مسرحية تكشف عورة المؤسَّسة العسكرية الإسرائيلية الحاكمة) ما دعى الشاعر الإسرائيلي “دان الماجور” وهو يرى كيف يُقتل الأطفالُ/ الطفلُ الفلسطيني برصاص الجيش الإسرائيلي في المسرحية لأن يقول: “مِنَ الأَجدى لنا البدءُ في أن نعدَّ لأنفسنا الأقفاصَ المكشوفةَ التي سنجلسُ فيها عندما يحاكموننا على ما فعلناه بالشعب الفلسطيني”.

الإسرائيليون يعدُّونَ أنفسهم في المسرح للمحاكمة، لما فعلوه بالشعب العربي الفلسطيني، لكن، نحنُ من سيعدُّ لنا المُستبد العربي؛ والذي يمنعنا كأمَّة حتى من إطلاق رصاصة على من يحتلُّ فلسطين.. لنُحاكِمَه؟!

المصادر والمراجع:

– الدراما والأيديولوجيا في إسرائيل. تأليف غلاندا أبرامسون. ترجمة إيمان حجازي.

– شخصية العربي في المسرح الإسرائيلي. تأليف دان أوريان. ترجمة وتعليق محمد أحمد صالح. المجلس الأعلى للثقافة مصر 2000.

– العربي في الأدب الإسرائيلي. تأليف جيلار رامراز- رايوخ ترجمة ناديا سليمان حافظ وإيهاب صلاح محمد فايق. المجلس الأعلى للثقافة مصر 2000.

– الصهيونية وفلسطين د- لطف الله حيدر وزارة الثقافة السورية دمشق 2002.

– الأنا والآخر ومتاهة الواقع. تأليف شمعون ليفي. ترجمة سلمان ناطور / نت.

– خداع الذات. تأليف أنطوان شلحت / نت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق