هموم ثقافية

السينما بنت المدنية

السينما والرواية والنقد، هم أبناء العقل المدني، أقول العقل المدني وليس المدينة المشوهة، التي هي تجمع رعوي بعلي كما في بلداننا! تخيل لو صنعتَ فيلمًا أو رواية، وكان بطلك يشبه أحد أفراد محيطك، الذي يعرف بعضُه تفاصيل بعضه الآخر، ستكون كارثة! بؤس الأمكنة الضيقة، والمجتمعات اللامدنية، تنتج كيمياء مريضة بين الخاص على الصعيد الشخصي، وماهية المُنتَج الفني، الذي هو عصارة تجربة كونية، فيضع الاشتباك مع الواقع المعاش والمتخيل، على شكل عمل إبداعي.

نحن الذين خفنا يومًا من الاشتراكية، كوننا لا نريد من أحد مشاركتنا بزوجاتنا، فالعقل البعلي الرعوي، يقدس الهوامش ويجعلها تسود على أي المتن.

ربما هو خلل السوسيولوجي الخرافي، الذي يعاند الحداثة، ويغرق في نتاجها بذات الوقت، فيصاب بالانفصام التاريخي.

المدينة تكونت من حلقات متداخلة في الإنتاج الصناعي، فتحولت التجمعات البشرية، من الشراكة القبلية إلى الشراكة المهنية، ومن ثم الشراكة الفكرية، من أحزاب وتجمعات طبقية، وفي خضم هذا التزاحم المجتمعي الجديد، والتطور الصناعي ونشوء البنى الفوقية من الأفكار، ظهرت السينما، كتعبير حرّ منفلت من تلاصق المجتمعات القبلية الزراعية والرعوية، فكانت السينما منهج تفكير من جهة، ونتاج تطور صناعي حرفي من جهة أخرى. فالإبداع السينمائي قد حصد إرث التخيّل وكافة صنوفه، وانخرط في عنصر الرواية التي كانت نتيجة ذهنية، لتعقيد المركبات الاجتماعية الجديدة، فالسينما بنت الضوء أي الكهرباء، وبنت الآلة، وبنت السرد الروائي الجديد، الذي أصبح أكثر تعقيدًا، وأكثر تنوعًا، وأكثر تداخلًا بين الأفكار والمهن.. وبالتالي أكثر حرية، في التعبير عن المواضيع التي كانت محرمة أو مقدسة كالجنس والسياسة، على سبيل المثال.. ثم ساهمت السينما في بناء المدينة، وجعلتها أكثر ترابطًا وأقلّ إبهامًا، فالمجتمعات الرعوية والزراعية كانت تعرف بعضها بعضًا، لكن المدينة أكثر اتساعًا وتقوم على تكتلات ودوائر متداخلة منفصلة، وكان لا بد من عملية فنية مرئية، ليتم من خلالها التشابك المعرفي البسيط والمعقد، ولا بد من سرد الحكايات الغريبة، والمعقدة، التي تحتاج إلى الدراما أولًا، وإلى طريقة سرد جديدة، وعدم الاكتفاء بالخيال أو التصور المسبق.. صار من المستحيل، التعامل مع سرد قديم لمجتمعات مكشوفة لبعضها، كما كان في السابق، فلقد ظهرت في المجتمعات الجديدة (المدنية) إشكالات جديدة، وقضايا لم تكن من قبل، وأيضًا أصبحت العلاقات أكثر غموضًا على الصعيد العام.

أما على الصعيد الجمالي الشكلاني، فقد ساهمت السينما في اقتراحات فنية من بناء وملابس ومكياج واحتفالات، والتعامل الجديد مع الاختراعات مثل القطار والسيارة والطيران، ومن ثم الاتصالات من تلفونات وغيرها، تبناها المجتمع المدني، ودخلت حيز الواقع، حتى أصبحت السينما في بداياتها أهم وسيلة تواصل وتناقل للأفكار والمنجزات معًا.

كما احتلت السينما هامشًا أوسع من جميع الفنون والإبداعات التي سبقتها في التعبير، وفي الجرأة والانفلات من القيود والأعراف والتقاليد الاجتماعية الضيقة. انتقلت بالمشاهدين إلى سحر الجغرافيا والبحر والموضات الصارخة، وفرضت مشاهد الحب والعري، بطريقة كأنها مبررة وغير قابلة للمقاومة، ثم عممت فنونًا جميلة أخرى كالرقص والموسيقى، وساهمت في انطلاق فن الاستعراض، وجعلت الفن يستوعب الخدع والخيال العلمي وكافة صنوف الفنتازيا، وعقدت اتفاقات جديدة مع المشاهد، وأخرجته من الواقعية بشكل سريع، وزاوجت بين المدارس الفنية، بعرض فني واحد.

كما أدخلت السينما طرائق جديدة للبناءات الفنية الأخرى في السرد، واللعب، والخروج من التعبير الصارم للمسرح، ومن (أتيكيت) مشاهدة العروض المسرحية والموسيقية.. فأصبحت فنًا شعبيًا بامتياز، رافقتها الدهشة، والتنافس الشديد في الخيال والجنون الفني… كل ذلك كان يتطلب مجتمعًا مدنيًا، أكثر انفتاحًا وأكثر صناعة، وتداخلًا بين الطبقات الاجتماعية المختلفة.

جميع الإبداعات والفنون الأخرى، أصبح النظر إليها على مرحلتين، مرحلة ما قبل السينما ومرحلة ما بعدها، من ناحية التأثرات والتأثيرات المتبادلة. وأصبح من اليسير القول: إن السينما لم تطوّل مرحلتها الطفولية، لكنها أطول مرحلة شباب فني، ما زالت تنمو وتتطور، وكأنها ولدت بالأمس. وكأنها شباب لا يشيخ.

كل ذلك كان من الصعب أن يتحقق، أو أن يكون؛ لولا نشوء المدينة الجديدة المنفجرة صناعيًا ومجتمعيًا. لذلك، تعتبر السينما رديف المدينة والديمقراطيات الجديدة الليبرالية، والصناعات العابرة للجغرافيا، ساعدها في ذلك أنها لا تحتاج إلى جهود جبارة لنقلها من مكان إلى مكان، فهي على شريط خفيف الوزن، ومن ثم على أقراص مدمجة، ومن ثم بثها عبر الأثير. السينما انعكاس مدني على الصعيد المادي والذهني في التطور والنشوء. وليس غريبًا أن الدول المتخلفة، التي لم تنشئ مدنها وديمقراطياتها، قد أصبحت أيضًا متخلفة في السينما فكريًا وصناعيًا، وكذلك فعل الاستبداد، فهو عدو رئيس للفن السينمائي وقد احتواها وشوهها، ونقلها لعالمه الضيق، وحوّلها إلى بروباغندا تخدمه، فسيطر عليها وجعلها من حواضنه، كمؤسساته الأمنية والعسكرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق