مقالات الرأي

لغة الحوار

يتعاظم النقاش، في الأوقات الصعبة التي تمرّ بها عدد من الدول العربية، على هامش مواجهة شعوبها للطغاة المهيمنين على رقابها منذ عقود، عن ضرورة العمل على ممارسة أشد أنواع الضغط الأخلاقي على الداعمين الخارجيين لهؤلاء الطغاة، سرًا وعلانية. وثنائية السريّة والعلنية هنا هي ليست في عملية الضغط، كما يبدو للوهلة الأولى عند قراءة ما سبق، ولكنها في عملية الدعم التي يمارسها سرًا عديدون، وخصوصًا من دول العالم “الحر”، مقابل إقناعهم الشعوب والمعارضات التي تمثّلها (أو تدّعي تمثيلها) بأنهم إما حياديون أو مؤيدون لقضاياهم “العادلة” وسعيهم السلمي للوصول إلى نظام تعددي وديمقراطي، يحترم حقوق مواطنيه وينبثق عن تطلعاتهم. والعلانية في دعم الطغاة والثورات المضادة -وإن أدى ذلك إلى مئات بل آلاف الضحايا، كما في ليبيا وفي اليمن- صارت متفاقمة، وعلى مبدأ “لا حياء في المصالح”، فقد ارتبطت هذه المواقف السياسية لبعض الدول الغربية والداعمة للجنرالات -على مختلف مشاربهم- بصفقات دسمة لبيع السلاح، تدفع ثمنَها الدولة المعنية على حساب قوت شعوبها أو تدفعه عنها دول نفطية تسعى لتخريب التجربة الربيعية العربية بما أوتيت به من جلمود مؤامرات. ولا تقف المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي طالما تغنّت بها هذه الدول الغربية عائقًا أمام زيادة الدعم المقدم إلى الدكتاتوريات، بحجج متعددة منها الثقافي ومنها الاقتصادي ومنها الأمني.

الجانب “الثقافي” منها ينصّ -غالبًا- على أن دول الجنوب عمومًا، وذات الغالبية المسلمة خصوصًا، غير مستعدة لأخذ زمام أمورها بيدها، لافتقاد مجتمعاتها للثقافة الديمقراطية. وبالتالي، بناءً على قاعدة عصبة الأمم إثر سقوط إمبراطورية الرجل المريض العثماني في 1918، فهذه الشعوب إما أنها تحتاج إلى انتداب خارجي لتنظيم أمورها وإيصالها إلى مستوى تتمكن فيه من إدارة أمورها بنفسها، وإما -وهذا السائد اليوم- يجب على الدول الغربية دعم الطغاة فيها، لكي يسيطروا عليها ويقننوا من توجهاتها “الفوضوية” ويقوموا بحماية حدود الغرب الجنوبية من الإرهاب الإسلامي ومن الهجرة غير الشرعية. كما تنصّ هذه التطلعات على قدرة الدكتاتوريات على خلق الاستقرار الأمني والسياسي في البلدان التي يحكمونها. إنه استقرار أمني بقبضة الحديد والنار المعتمدة على القتل والقمع والترويع والتهجير. وهو استقرار سياسي يعتمد على مصادرة الحياة السياسية، وإلغاء مساحات التعبير وتأميم المجتمع المدني، وتأطير مختلف قطاعات المجتمع ضمن هيئات أمنية المحتوى “ديمقراطية وشعبية” الشكل.

تنحو المعارضات العربية التي تحمل راية التحرر والديمقراطية، عن قناعة أو اختيار ظرفي، في أثناء حواراتها مع الدول الغربية، إلى رفع عيار التظلّم المستند إلى معايير إنسانية وحقوقية دائمًا. فلا تنفّك تعرض أرقام الضحايا وظروف الاعتقال ونسب التهجير ومستويات الفقر والخروج من الحقل التعليمي للآلاف من البشر. من جهته، المحاور الغربي، يتأثر شخصيًا بما تقدم، وهو يُسجل بدقة ما يُقدَّم له من معطيات بنوع من الدبلوماسية. أغلب ما يورده المعارضون من تفصيلات وأرقام يمتلكها الغربيون، وليسوا بحاجة إلى تذكيرهم بها. في المقابل، من النادر فعلًا أن يتعرّض المعارضون لتأثير استمرار الطغيان على الدول الغربية ذاتها. فإن كانت قناعة الغربي بأن الدكتاتوريات تؤمن له الاستقرار والأمن وحماية أراضيه من تدفّق اللاجئين والمهاجرين، فعلى من يخاطبه أن يُفكّك له هذه القناعة، بالاعتماد على لغة المصالح والسياسة الانتفاعية بعيدًا كل البعد من المظلومية والإنسانيات. الغربي يعرف من هو المجرم ومن هو الضحية، وبالتالي، فهو ليس بحاجة إلى أن يتم تذكيره بذلك كل دقيقة. ولكنه، وإن اختار المجرم حليفًا ظرفيًا، اعتمد في هذا الاختيار على معطيات ترتبط بمصالحه الاقتصادية والأمنية. مواجهة هذا الاختيار والسعي لتغييره وحرفه عن مساره غير الأخلاقي يجب أن يعتمد لغةَ المصالح الاقتصادية والأمنية نفسها. فالاستمرار في دعم الدكتاتوريات العربية سيُفاقم الغضب الشعبي، وسيودي بالاستقرار، آجلًا أم عاجلًا. وهو سيبعث بالمئات من قوارب اللاجئين إلى شواطئ أوروبا سعيًا لحياة أفضل تحمل شيئًا من الكرامة ومن العدل. كما أن الاستمرار في تصديق المعادلة التي يطيب للطغاة تكرار سردها للغربيين: “إما أنا أو الإرهاب الإسلامي”، سيؤدي حتمًا إلى تفاقم هذا النوع من الإرهاب وسواه، ووصوله إلى عمق أوروبا الآمنة المستقرة. إنها اللغة التي يفهمها الغربيون. وأما لغة الإنسانية والحقوق والمظلومية، فهي تنفع في أثناء الحوار مع المجتمعات المدنية، ومع السياسيين أنفسهم، ولكن خارج القاعات الرسمية. سيدمعون، ويتأثرون، وربما أخذوا محاورهم بالأحضان، ودعوه إلى وجبة غداء، وودّعوه عائدين إلى مكاتبهم الباردة وملفاتهم العملية.

في لقاءٍ لمعارضين عرب، مع وزير خارجية دولة كبرى مهتمة بتقديم الدعم والإسناد للمشروع الديمقراطي، أو هكذا تدّعي، توجّه الوزير إلى أحد المشاركين سائلًا إياه عن رأيه، فانهمر المعارضُ بالبكاء، للتعبير عن حزنه ومرارته لما آلت اليه الحالة الإنسانية في بلده المنتهك من كل حدب وصوب. لم يفهم الوزير سرّ البكاء مبدئيًا، لكون مهمته لا تعتمد على هذا الشكل من الحوارات. وأمضى الوقت، بانتظار توقف دموع مخاطبه، وهو ينظر إلى ساعته وإلى نافذة الغرفة. وانتهى الاجتماع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق