سلايدرقضايا المجتمع

المحروقات في سورية.. تفاوت في الوفرة وفروق في الأسعار

خلقت أزمة المحروقات التي تعيشها سورية حاليًا، خاصة في مناطق سيطرة النظام، مشكلة جديدة لدى السوريين المثقلين بالهموم والأزمات المعيشية منذ سنوات، أدت إلى حدوث شلل في الحياة اليومية للمواطنين بشكل يفوق قدرتهم على الاحتمال.

بدأت هذه الأزمة تتكشف، منذ قرابة ستة أشهر، عندما توقف تدفق مليوني برميل نفط شهريًا إلى سورية، بسبب “منع القوات الأميركية مرور أي ناقلة نفط إيرانية، في مياه البحر المتوسط عبر قناة السويس في مصر”، بحسب ما يدعي النظام، في الوقت الذي نفت فيه الحكومة المصرية وجود هذا الإجراء، فيما ذهب مراقبون إلى أن “الجانب الإيراني لم يعد قادرًا على تزويد النظام بالمحروقات”، في ظل الأزمة التي يُعانيها من جراء العقوبات الأميركية عليه.

محطات الوقود في العاصمة دمشق شهدت ازدحامًا جنونيًا، منذ أسبوعين حتى الآن، ولا يملك سائقو التكسي سوى الانتظار في طوابير طويلة أمام محطات البنزين، ساعات طويلة، من أجل الحصول على كمية قليلة من البنزين، وقد ينتظر بعضهم من دون أن يحصل على شيء، لأن “الكمية محدودة جدًا”.

تقول (سمر)، وهي ربة منزل في دمشق: “يعمل زوجي سائق تكسي، ويُمضي يومًا كاملًا أمام محطة الوقود، وربما يعود دون أن يستطيع شراء البنزين”. وتتابع في حديث إلى (جيرون): “منذ ثلاثة أيام، خرج زوجي من المنزل عند الساعة السابعة صباحًا، متجهًا إلى محطة الوقود، وعاد عند الساعة السادسة والنصف مساء، بكمية من البنزين لا تكاد تكفيه نصف يوم من العمل. وإذا أردنا شراء البنزين من السوق السوداء، وجدنا أن سعر الليتر الواحد يراوح بين 1000 و1500 ليرة سورية، إضافة إلى أن الحصول عليه يحتاج إلى معارف”.

وعن حركة المرور والمواطنين، قالت (سمر): “معظم الشوارع خالية من الناس، ومن السيارات الخاصة منها والعامة. ابنتي تذهب إلى الجامعة سيرًا على الأقدام، وتحتاج إلى نحو 30 دقيقة كي تصل إلى هناك. ولم أتمكن من زيارة الطبيب منذ ثلاثة أيام، بسبب عدم وجود المواصلات العامة، وإن توفر السرفيس، فإنه يكون مزدحمًا جدًا، ولا أستطيع الركوب”.

أما (عبد الله) وهو صاحب محل لتوزيع الأغذية بالجملة، في إحدى بلدات ريف دمشق، فيقول إنه لا يستطيع نقل بضاعته من دمشق إلى محله منذ 5 أيام، بسبب عدم توفر سيارات نقل. وتابع موضحًا لـ (جيرون): “حتى هنا لا يوجد وقود، وإذا أردت أن أشتري من السوق السوداء، فإن سعر الليتر الواحد يصل إلى 1000 ليرة سورية، وهذا يعني أن بضاعتي ستكون خاسرة، وسأدفع من جيبي في حال اعتماد هذه الطريقة. وهذا الأمر ينطبق على غالبية الناس، كأصحاب المهن والطلاب والموظفين”.

في مدينة حلب، الوضع لا يختلف كثيرًا عما هو في العاصمة؛ فطوابير سائقي السيارات أمام محطات الوقود، تمتد إلى عشرات الأمتار وتنتظر ساعات طويلة، بغية الحصول على القليل من البنزين. وبحسب السيدة (وصال) وهي ربة منزل من مدينة حلب، وصل سعر المحروقات النظامية 185 ليرة سورية لكل ليتر مازوت، و250 ليرة سورية للبنزين، و2600 ليرة سورية لأسطوانة الغاز. وتابعت في حديث إلى (جيرون): “أما في السوق السوداء، فقد وصل سعر ليتر المازوت إلى 450 ليرة سورية، والبنزين 600 ليرة سورية، بينما تباع أسطوانة الغاز بسعر 4500 ليرة سورية”.

ازدحام أمام محطة بنزين في حلب

يتساءل (أبو جمال) من سكان مدينة حلب، عن سبب شح البنزين في محطات الوقود، بينما يكون متوفرًا إلى حد ما في السوق السوداء. ويتحدث قائلًا إلى (جيرون): “منذ أسبوعين، بدأ عدد باعة المحروقات، والبنزين على وجه الخصوص، بالازدياد في السوق السوداء، وهم يجنون أرباحًا كبيرة من الأسعار الباهظة للمحروقات، حتى إنني صرت أظن أن هذه الأزمة مفتعلة، لكي يستفيد تجار الأزمات منها”.

وتابع: “أصبح ركوب التكسي رفاهية بالنسبة إلينا، هذا إن وُجدت، فغالبية سائقي التكاسي أصبحوا يقفون على ناصية الشارع، والزبائن الذين يرغبون في ركوب التكسي يذهبون إليهم، كي يوفروا البنزين الذي يصرفونه وهم يتجولون في الطرقات، كما درجت العادة سابقًا”.

أما في محافظة إدلب الخارجة عن سيطرة النظام، فقد شهدت أسعار المحروقات، منذ عدّة أسابيع، ارتفاعًا ملحوظًا وصل إلى نسبة 15 بالمئة، بسبب احتكار شركة (وتد) المدعومة من (هيئة تحرير الشام)، لمواد المحروقات القادمة من مناطق سيطرة (قسد)، والمستوردة من تركيا، وتحكّمها في الأسعار، مع إجبار التجّار والمستهلكين، على الشراء بأسعار باهظة، بذريعة هبوط الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، وعدم توفر البديل.

يقول عبد الرؤوف السالم، تاجر محروقات من إدلب، لـ (جيرون): “كنّا نستورد المازوت نوع أول (رميلان)، من مناطق سيطرة (قسد) في دير الزور، مرورًا بمناطق (درع الفرات) في ريف حلب الشمالي، وصولًا إلى محافظة إدلب، ليتم بيعه في الأسواق بسعر 48 ألف ليرة سورية للبرميل. وفي بداية نيسان/ أبريل الجاري، احتكرت (هيئة تحرير الشام) توزيع جميع أنواع المحروقات، وذلك من خلال قيام شركة (وتد) بتوريد المحروقات من مناطق سيطرة (قسد)، ومن ثم تقوم بتوزيعها على محطات الوقود وتجار المحروقات”.

ناقلات المحروقات التابعة لشركة (وتد)

ورصد مراسل (جيرون) في إدلب أسعار المحروقات، حتى تاريخ إعداد التقرير، حيث بلغ سعر ليتر البنزين الأوكراني المستورد 450 ليرة سورية، وليتر مازوت رميلان مكرر 250 ليرة سورية، وليتر المازوت الأوروبي المستورد 375 ليرة سورية، أما أسطوانة الغاز، فبلغ سعرها 5200 ليرة سورية.

وذكر مراسل (جيرون) أن جميع أنواع المحروقات متوفرة في إدلب، لكن ثمنها ارتفع، بعد سيطرة شركة (وتد) على استيرادها وتوزيعها. إذ وصل سعر برميل المازوت نوع جيد سعة 220 ليتر إلى 55 ألف ليرة سورية، بعد أن كان منذ أسابيع قليلة بـ 48 ألف ليرة سورية، فيما وصل سعر برميل المازوت الأوكراني المستورد إلى 90 ألف ليرة سورية، وبرميل البنزين الأوكراني المستورد أيضًا بـ 90 ألف ليرة سورية. وتدّعي شركة (وتد) أن ارتفاع أسعار المحروقات بسبب ارتفاع الدولار الأميركي، وارتفاع أسعار المحروقات الأوروبية التي يتم استيرادها من تركيا، عبر (معبر باب الهوى) الحدودي.

على صعيد آخر، شهدت مناطق (درع الفرات) ارتفاعًا طفيفًا في أسعار النفط، على وقع الأزمة عمومًا، وأفاد مصدر من مدينة جرابلس لـ (جيرون) بأن “جميع مواد المحروقات متوفرة في المدينة، في محطات بيع الوقود، وفي المحال التجارية، وبلغ سعر ليتر البنزين النظامي 400 ليرة سورية، والبنزين المفلتر 300 ليرة، وسعر المازوت المفلتر 250 ليرة”.

في الشمال الشرقي لسورية، حيث تقع مدينة القامشلي، تتوفر المحروقات في أسواق المدينة بكثرة. وذكر (محمد) من أهالي مدينة القامشلي، لـ (جيرون)، أن “المحروقات التي كانت تأتي من مناطق النظام لم تعد متوفرة حاليًا، وإن توفرت فهي بأسعار مرتفعة جدًا. لكن في المقابل فإن مواد المازوت والبنزين التي يتم إنتاجها من الحراقات التي تشرف عليها (قوات سوريا الديمقراطية/ قسد)، متوفرة بكثرة في الأسواق. ويراوح سعر ليتر البنزين بين 150 و200 ليرة سورية، فيما يُباع المازوت في الشوارع بـ 100 ليرة سورية، أما في الكازيات، فيباع بـ 50 ليرة سورية لليتر الواحد”.

في محافظة درعا، كان الوضع مشابهًا لبقية المدن السورية الواقعة تحت سيطرة النظام، باختلاف واحد فقط، وهو أن الضغط السكاني أخفّ، ولكن هذا الأمر لم يجنب المحافظة آثار أزمة الوقود الخانقة التي تعيشها منذ نحو أسبوع.

الناشطة سيرين الحوراني، في منطقة الصنمين، قالت لـ (جيرون): “يتم توزيع مادة البنزين، وفق نظام البطاقة الذكية، على شكل مخصصات تصل إلى نحو 20 ليترًا كل 48 ساعة. ويبلغ سعر الليتر حسب البطاقة 250 ليرة سورية، بينما يتم بيعه بشكل حر بـ 1000 ليرة سورية، وبكميات قليلة جدًا”.

أشارت الحوراني إلى أن “العديد من الناس اتخذوا من هذه الأزمة فرصة للتجارة، حيث يقومون ببيع مخصصات البنزين التي يحصلون عليها وفق البطاقة، بشكل حر، ما بات يشكل مصدر دخل مهم. إضافة إلى وجود تجار وقود يحتكرون كميات مخزنة من مدة سابقة، بدؤوا بيعها بحسب الأسعار الجديدة، ويحدث كل ذلك دون وجود أي رقابة من أي جهة”.

وتضيف الحوراني أن “أكثر الأشخاص الذين يعانون بسبب أزمة البنزين، هم أصحاب الدراجات النارية، فهي تنتشر بكثرة في أرياف درعا، ومعظمها غير مسجل في دوائر المرور، وبالتالي لا يتم إعطاء أصحابها بطاقات ذكية، وذلك ما يدفعهم إلى شراء البنزين بالسعر الحر المرتفع جدًا”.

أما بالنسبة إلى مادة المازوت، فذكرت الحوراني، أن “أكثر المحتاجين إليه هم أصحاب السيارات والآليات الزراعية، إضافة إلى المزارعين الذين يقومون بضخ المياه للري، وهو قليل جدًا في محافظة درعا، ويتم بيعه عادة وفق البطاقة الذكية، بمبلغ 200 ليرة لليتر الواحد، وهو غير متوفر حاليًا، ولكن يتم توفيره بشكل حر، ويصل سعر الليتر إلى 800 ليرة سورية”.

من جهة ثانية، قال أحمد يامن، ناشط حقوقي لـ (جيرون): إن “هناك عدة مناطق تعاني من أزمة الوقود في المحافظة، ففي بلدة (محجة) لا يوجد أي نوع من أنواع الوقود على الإطلاق، حيث يضطر الأهالي إلى الذهاب إلى البلدات أو المدن المجاورة. أما في مدينة (إنخل) فهو قليل، وفق البطاقة الذكية، ويتم بيعه بشكل حر بسعر 1000 ليرة لليتر الواحد، فيما وصل سعر الليتر الواحد من البنزين في مدينة (نوى) أكبر مدن محافظة درعا، إلى 1200 ليرة سورية”.

وبالنسبة إلى مدينة درعا مركز المحافظة، قال أحمد المسالمة، لـ (جيرون): “إن الأزمة أخف من الريف، لأن مجلس المحافظة يحاول توفير احتياجات الناس بكل السبل، للظهور بمظهر القادر على إدارة هذه الأزمة، وعلى الرغم من ذلك المخصصات غير كافية، ويلجأ الناس إلى شراء الوقود بشكل حر وبالأسعار نفسها التي تشهدها بقية المناطق”.

وكانت صحيفة (الوطن) التابعة المقربة من النظام السوري، قد ذكرت في وقت سابق أن “سورية تحتاج بوضعها الحالي يوميًا إلى ما لا يقل عن (4.5) ملايين ليتر من البنزين، وإلى (6) ملايين ليتر من المازوت، و(7000) طن من الفيول و(1200) طن من الغاز، أي إن النظام يحتاج إلى فاتورة مالية يومية تُقَدّر بـ 4 مليارات ليرة سورية، ما يعادل 8 ملايين دولار أميركي، لتصبح الفاتورة الشهرية التي يحتاج إليها النظام (200) مليون دولار أميركي”.

وأوردت الصحيفة أيضًا أن “الإنتاج النفطي من المناطق المحررة يعادل بالكامل 24 ألف برميل، في حين تحتاج البلد يوميًا إلى 136 ألف برميل، أي أن ما تستطيع وزارة النفط تأمينه لا يتعدى نسبة 24 بالمئة فقط من الاحتياجات الفعلية، وبالتالي فإن النظام بحاجة إلى توريدات، وهنا تحديدًا، جاءت أزمة توقّف الخط الائتماني الإيراني الذي كان الرافد الأساس في هذا الإطار”.

وقام النظام، في الخامس عشر من الشهر الجاري، بإجراء تقشفي، إذ أعلنت وزارة النفط في حكومة النظام، تخفيض كمية البنزين المخصصة للسيارات الخاصة، لتصبح 20 ليترًا للسيارات الخاصة كل خمسة أيام، و20 ليترًا كل يومين لسيارات الأجرة العمومية، فضلًا عن ثلاثة ليترات كل خمسة أيام للدراجات النارية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق