ترجماتسلايدر

لمّا يفت الأوان للحيلولة دون اصطفاف تركيا مع روسيا

تدفع التوترات في العلاقات الأميركية التركية أردوغان إلى أحضان بوتين. يمكن للدبلوماسية الذكية والمساعدات الدفاعية أن تستعيد حليف أميركا في الناتو من جديد.

بعد أشهر قليلة من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتركيا، بالانهيار الاقتصادي، بسبب قيامها بسجن قسّ أميركي، يتجه حلفاء الناتو إلى أزمة أكبر في تداعياتها على الأمن الأطلسي. هذه المرة يدور النزاع حول نية تركيا الحصول على إس 400، وهو نظام دفاع جوي وصاروخي من روسيا.

أثارت هذه الصفقة الوشيكة مخاوف كبيرة في واشنطن. ونتيجة لذلك، يمكن أن تُعاقب تركيا بموجب قانون “مواجهة أعداء أميركا من خلال العقوبات”. ويمكن للولايات المتحدة إلغاء تسليم طائرات مقاتلة من طراز إف 35 من الجيل القادم، إلى تركيا.

نظرًا إلى أنه يمكن أن يكون لصفقة إس 400 مع روسيا عواقب سلبية على العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وتركيا، فإن السؤال الحقيقي هو: كيف تم السماح لهذه الصفقة بالاقتراب من نهايتها؟ الجواب مُتضمّن بمدى ميل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى الاقتراب من حافة الهاوية، في ظل عدم مبالاة إدارة ترامب.

بالنسبة إلى الرئيس التركي، كان ينظر إلى خيار إس 400، منذ مدة طويلة، على أنه تكتيك للضغط على واشنطن، لتحسين شروط تسليم صواريخ باتريوت، وهو نظام دفاع صاروخي جوي وباليستي سيتم نقله إلى حليف محتاج. من بين جميع أعضاء الناتو، تواجه تركيا أكبر خطر من انتشار الصواريخ الباليستية في الشرق الأوسط. في عام 2011، قال قائد بارز في الحرس الثوري الإسلامي الإيراني: إن طهران ستستهدف رادار الناتو الراديوي فائق التردد (X-band) في تركيا، إذا قامت الولايات المتحدة أو إسرائيل بمهاجمة إيران.

كانت استجابة التحالف هي الدرع الدفاعي الصاروخي للتكيف المرحلي، وهو بنية متكاملة للرادارات والمعترضات لحماية دول الناتو من الصواريخ الباليستية، التي يُزعم أنها غير قادرة على توفير غطاء لكامل الأراضي التركية، بسبب قرب تركيا من إيران وسورية، ما يترك أنقرة تشعر بالضعف والعرضة للخطر.

كان الرد الأكثر ملاءمة، وفق روح وتوجه حلف الناتو، هو مساعدة الصناعة العسكرية المحلية في تركيا في تطوير قدراتها المحلية للدفاع ضد الصواريخ الباليستية، من خلال نقل التكنولوجيا وفرص الإنتاج المشترك.

أصبحت صفقة إس 400 أيضًا عنصرًا مهمًا من سياسة تركيا في سورية، حيث تحول موقف أنقرة، بمرور الوقت، من أجندة تغيير النظام إلى الدفاع عن مصالحها الأمنية عن طريق منع توسيع النفوذ الكردي في شمال سورية. ومن خلال التلميح إلى التقارب مع روسيا، أرادت تركيا إجبار الحكومة الأميركية على مراجعة سياستها في دعم قوات حماية الشعب الكردي (YPG) في سورية، التي تعدّها فرعًا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو جماعة تعترف واشنطن بأنها منظمة إرهابية.

لم يُلحق أي قرار سياسي آخر في التاريخ أضرارًا كبيرة بصورة الولايات المتحدة في تركيا، مثل ما ألحق الجهد المستمر لتسليح وحدات حماية الشعب. ربما تكون واشنطن قد نظرت بالفعل إلى هذا الكيان كجماعة مفيدة، في الكفاح من أجل هزيمة الدولة الإسلامية (داعش)، لكن التكلفة كانت هي الابتعاد الكامل عن أنقرة. كان تآكل الثقة المتبادلة الناجم عن استمرار الدعم الأميركي لهذا الكيان الكردي أحد الاعتبارات الرئيسة التي غيرت حسابات أنقرة بما يتعلق بشراء نظام الأسلحة الاستراتيجي هذا من روسيا.

ومما زاد الطين بلة، أن قوبلت خطوات تركيا المبكرة في اتجاه موسكو، بإشارات سيئة ومماطلة من واشنطن. عندما وقّعت أنقرة الاتفاق مع موسكو لأول مرة عام 2017، لم يوضح المسؤولون الأميركيون للسلطات التركية على الفور مدى خطورة العواقب، إذا استمروا في هذه الصفقة، ربما ظنوا أن هذا كان في الأساس تكتيكًا تفاوضيًا في الوقت المناسب، كحليف للناتو، يمكن إقناع تركيا بسهولة بالتخلي عن خيار روسيا. سبب آخر محتمل هو أن تشريع العقوبات لم يكن مُعتمدًا في ذلك الوقت.

الآن فقط، قبل بضعة أشهر من التسليم، تقوم الحكومة الأميركية بتصعيد الضغوط السياسية والدبلوماسية، لثني السلطات التركية عن الاستمرار في الصفقة. وقد كرر مايك بينس، نائب الرئيس الأميركي هذا الانتقاد الأسبوع الماضي، وحذر أنقرة بإعلانه: “يجب أن تختار تركيا: هل تريد أن تظل شريكًا مهمًا في أنجح تحالف عسكري في التاريخ، أم أنها تريد المخاطرة بأمن تلك الشراكة، من خلال اتخاذ مثل هذه القرارات المتهورة التي تقوض تحالفنا؟”

قام ترامب بنفسه بعمل سيئ إلى حد ما في إيصال الموقف الأميركي بشكل واضح إلى نظيره التركي. يبقى أردوغان تحت الوهم بأن ترامب سينتهي به الأمر إلى استخدام صلاحياته الرئاسية لتسوية هذا النزاع. إضافة إلى ذلك، استغرقت الإدارة الأميركية 17 شهرًا لتجديد عرضها لبيع نظام صواريخ باتريوت من صنع رايثيون إلى تركيا.

كل شهر من عدم استجابة الولايات المتحدة، كان يُقرّب تركيا خطوة من اتفاقها غير المدروس مع روسيا. حتى يومنا هذا، فإن صانعي السياسة الأتراك ليسوا مطمئنين إلى أن الإدارة الأميركية ستكون في الواقع قادرة على التغلب على مقاومة الكونغرس لتسليم نظام باتريوت إلى تركيا.

وقع حليفا الناتو حاليًا في مأزق من دون مجال كبير للمناورة. يبدو أن تركيا غير راغبة في تغيير المسار، على الرغم من الانتقادات العلنية من واشنطن، بينما تفكر الولايات المتحدة بالفعل في فرض عقوبات، وإلغاء عمليات التسليم المخططة لطائرات إف 35، التي تعهدت تركيا بشراء 100 طائرة منها لسلاحها الجوي و24 طائرة إضافية لأسطولها البحري، واستبعاد تركيا من برنامج الإنتاج المشترك الصناعي للطائرة إف 35، والذي تم تخصيص ما يقرب من 12 مليار دولار كاستثمارات للشركات التركية فيه.

ولكن حتى في ظل أفضل سيناريو لتركيا، حيث يواجه فيه ترامب الكونغرس لحماية أنقرة من العقوبات لأسباب أمنية وطنية، لا يمكن للحكومة التركية الهروب من الخيار الثنائي الذي لا مفرّ منه بين نظام الدفاع الجوي الروسي والمقاتلة الأميركية من الجيل الخامس. سيعني اختيار نظام إس 400 أن تركيا ستخسر داعمًا حقيقيًا لقوتها، ما يُضعف قدرتها على إبراز القوة وقابلية التشغيل البيني في حلف الناتو مستقبلًا. وسيكون لسيناريو العقوبات الأميركية على تركيا الأكثر ترجيحًا -والأكثر ضررًا- عواقب استراتيجية طويلة الأجل بالنسبة إلى حلف الناتو، وربّما يؤدي ذلك أيضًا إلى دفع أنقرة إلى التساؤل عن مبرر عضويتها فيه.

لتجنب حلف الأطلسي لهذه الصدمة، يتعيّن على الحكومة الأميركية أن تستفيد من الأشهر القليلة المقبلة، لإقناع أنقرة بالتخلي عن هذه الصفقة مع روسيا. وأوّل الأشياء، يتعين على الولايات المتحدة تحسين عرضها لصواريخ باتريوت. تقول السلطات التركية إن العرض الأخير للولايات المتحدة، والذي يتضمن 80 وحدة من صواريخ باتريوت الموجهة MIM-104E و60 وحدة من نسختها الأكثر تقدمًا من طرازPAC-3 MSE، لا تزال أغلى بكثير من النظام الروسي. ويجب على واشنطن أيضًا أن تضمن تسليمها، إذا قررت أنقرة إلغاء التزامها بشراء النظام الروسي.

في المقابل، يمكن أن تسعى تركيا لتخفيف الصدمة على روسيا. ويتمثل أحد الخيارات في إقناع روسيا بالبحث عن مشترٍ من بلد ثالث لنظام إس 400 المخصص لتركيا، وربما تعويض موسكو عن أي خسائر مالية في نهاية المطاف. هناك خيار آخر يتمثل في استخدام الأموال المخصصة لنظام إس 400 لشراء أنظمة أسلحة غير استراتيجية من روسيا، وتحديدًا الوحدات المستقلة مثل الأنظمة الدفاعية بانتسير المضادة للطائرات، والتي لا تشكل أي تهديد لسلامة معدات الناتو المتمركزة في تركيا.

سيوجب تجنب التهديد الذي يلوح في الأفق على حلف الناتو من واشنطن وأنقرة أن تعترفا بأخطائهما السابقة، وأن تبديا استعدادهما لتغيير مواقفهما. قد يكون هذا السؤال كبيرًا أمام ترامب وأردوغان، لكنه ضروري لقوة التحالف الأطلسي.

اسم المقالة الأصلية It’s Not Too Late to Stop Turkey from Realigning with Russia
الكاتب سنان أولجين،Sinan Ulgen
مكان النشر وتاريخه فورين بوليسي،FP، 11/4
رابط المقالة https://foreignpolicy.com/2019/04/11/its-not-too-late-to-stop-turkey-from-realigning-with-russia-s400-patriot-missile-putin-erdogan-trump/amp/?__twitter_impression=true
عدد الكلمات 8110
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في الكرملين في موسكو في 8 نيسان/ أبريل. (مكسيم شيبينكوف/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق