أدب وفنون

(دير الجسور).. نفق مظلم تحت الرمال المتحركة

رأيتُ بعين خيالي الكرباجَ وهو يشق الهواء نحو جسدي العاري، بينما انطلق صوت يشبه عواء ذئبٍ مسعور: “أين -يا ابن العاهرة- أضعتَ ملامحك التي كانت واضحةً عند وصولك إلى الفرع؟”.. كان الصوت يتعالى حانقًا، والسوط ينهال على جسدي، وأنا أفقد الإحساس بنفسي وبالأشياء! هكذا ينتهي المطاف بالعقيد “عاصي الخالد” في المسلخ الذي كان يسوق إليه الآخرين، بعد أن اتُهم بالعمالة والتآمر على الدولة، في ختام رواية (دير الجسور) للمعارض السوري ميشيل كيلو.

(دير الجسور) رواية قصيرة صدرت حديثًا عن دار ميسلون، كتبها ميشيل كيلو منذ ثلاثة عقود في باريس، بعد أن خبر السجون السورية للمرة الأولى في عهد الأسد الأب، غير أنها لا تتناول تجربة المؤلف في المعتقل، بقدر ما تبني عالمًا موازيًا في حبكةٍ روائية متسلسلة ومتماسكة، تتحرك وتنمو وتتشعب انطلاقًا من التقارير والتحقيقات والاستنتاجات التي تشغل رجال السلطة والأمن، في كل مكان حول ما باتوا يسمونه “الحالة العرباوية” الخطيرة التي تستهدف الوطن وقيادته الحكيمة.

تستهل الرواية أحداثها بتقرير “حامد أبو الشوارب” إلى رئيسه، حول مجندَيّن كانا يجلسان أمامه في الباص، وهو متجه إلى بلدة “القساطل الشرقية”، وكانا يتحدثان بصوت خفيضٍ ومتقطع، عن الحصاد وضيق الحال وقلة الراتب وتشدد الضباط. يعتقد المخبر أن أحدهما يُدعى “عرباوي” أو “عسراوي”، كما قِيل له، وأن كليهما ضالع في مؤامرة ضد البلد، ومع هذا التقرير تدخل الرواية دوائر الأمن وغرف التعذيب، وتضع ذهنيّة الطغاة تحت المجهر، لتعاين آليّات عملها وأثرها المدمّر، بعينين ثاقبتين.

ينقسم المبنى الروائي إلى قسمين: الأول تمهيدي، قصير، قوامه سلسلةٌ من التقارير الأمنية، تُرفع من الفروع في القاعدة، حتى تصل إلى رأس الهرم في القصر الجمهوري، يجري في تلك الأفرع تضخيم وتصنيع هوية “المؤامرة العرباوية” بالتدريج، كما يجري تحديد حجم انتشارها، وشرح الإجراءات المتبعة لتطويقها والتحقيق مع المتورطين فيها، حيث تخلص اللجان المختصة في تقريرها النهائي إلى أن “عرباوي” تحدٍ خطير من نوعه، لا يمكن الكشف عن نيّاته، فهو متّهم بأنه ليس له ملامح أو مشاعر أو أفكار وحاجات، لا يفهم الأسئلة الموجهة إليه، ولا يستجيب لأساليب التعذيب الوحشي، إنه “يمثل حالة عامة تتلبس جسدًا فرديًا، زالت خصوصيته وتلاشت مداركه”.

المفارقة أن “مكتب الأمن القومي” بعد قراءته للتقارير، سيتهم كتَبتها بعدم إدراك المبادئ الأساسية للسياسة العامة، وسيأمر بإحالتهم إلى دورة تدريبية مكثّفةٍ، والكفّ عن التحقيقات، وإطلاق سراح “عرباوي”، واعتبار يوم اكتشافه عيدًا وطنيًا تعطل فيه الدوائر الرسمية، وتُقام الاحتفالات الشعبية، فهو “ليس كائنًا عجيبًا أو غريبًا، …، بل كيان واقعي أنجبه تخطيط محكم”، يجب تعميمه وجعله ركيزة النظام الوحيدة.

من التجريد والتعميم في معاينة الذهنية التي تبيح إدانة الآخر وتعقّبه والتنكيل به لمجرد وساوس لا أرضية واقعية لها، ينقلنا المؤلف إلى الملموس والمحدد في القسم الثاني من الرواية، الذي يبدأ بمهمة أوكلها مدير الفرع إلى العقيد في المخابرات العسكرية “عاصي الخالد” لدراسة الخلفيات الاجتماعية التي أنجبت واحدًا من عتاة المتآمرين، المدعو عربي الجسري، الملقب بـ “عرباوي”، في بلدة “دير الجسور”، وحين يستفسر العقيد عن المكان الذي لم يسمع به من قبل، يأتيه الجواب: إنها “ليست بلدة بمعنى الكلمة، بل هي أقرب إلى معزل يقع على الحدود مع البلد المعادي، يتطلب السفر إليها ساعات من السير الرتيب، في أرض صحراوية مكشوفة، تشبه منبسطًا إسفلتيًا تحرقه أشعه شمس وهّاجة”.

بعد عناءٍ، يصل العقيد إلى “دير الجسور”، ويكتشف أنها بلدةٌ حديثة العهد، خرافية الأوصاف، تتكون من بيوت الصفيح والطين والمسالك الترابية الضيقة، وتمتد بين فرع الأمن والجامع، يلفها العجاج والغبار، وتفتقر إلى الماء والمرافق العامة، كالمشفى والمطعم والساحة والسينما، وتعيش في عالم تنفرد به، صنعه من يرسلون محاصيل البلاد ومواشيها إلى الدولة المعادية، سكانها من بدو القفار الذين أُجبروا على القدوم إليها، ينامون في النهار ويصحون في الليل، ليكسبوا رزقهم من التهريب.

في هذه البيئة الغرائبية، المخالفة لكل القوانين والنواميس الاجتماعية، كان على موفد الأمن أن يتحرى حقيقة خصم الدولة، وليس في حوزته من معلومات سوى ملفٍّ يحمل صورةً بملامح غائمة، كُتب تحتها: “عسكري نشيط وشجاع، منضبط وقوي الملاحظة، ومبادر وحَسن التصرف، ويوضع تحت الرقابة”.

في هذا المناخ الكابوسي القائم على المفارقات، سوف ترتسم ملامح الشخصيتين المحوريتين المتناحرتين في الرواية: “عرباوي” الذي تدور حوله الشكوك والوشايات والتقارير، ابن البلد البسيط، المغلوب على أمره، الغائب في أقبية السجون، أو شهيد التعذيب، و”عاصي الخالد”، النتاج المركب والمعقد للصراعات التي تموج في داخله ومن حوله، رجل الأمن الحاضر في كل مكان بقوة السلاح والصلاحيات المطلقة الممنوحة له، وسوف تتماهى الشخصيتان الرمزيتان في دور الضحية، بمجرد أن تتسلل الشكوك والأسئلة إلى ذهن “عاصي” حول أداء زملائه ومصداقية التقارير الأمنية.

اللحظة الانقلابية الحاسمة في مسار الحبكة الروائية التي نقلت “عاصي” من موقع اليقين المطلق، والولاء الأعمى، إلى حالة الشك، كانت لحظة بلوغه خبر وفاة ابن أخيه الصغير في الفرع، وهو من لفّق له تهمة بسيطة لتأديبه، بعد أن اعترض على قراره بانتزاع الأرض من أبيه، منذ تلك اللحظة ستستولي الظنون على العقيد “عاصي”، وتقوده نحو الاعتقاد بأن البلاء الأكبر ليس في “دير الجسور”، بل في “مزار الدب”، وهو المكان الذي ينحدر منه، والقرية البديلة لضيعة “مزار الوحش” التي هجرها أهلها، وانزلقوا إلى بطن الوادي السحيق هربًا من رجال الدرك وجباة الضرائب الأتراك في الماضي، قرية الشيخ “حمدان الأبرص”، شيخه وحاميه وولي نعمته الذي ارتقى إلى مرتبة الولي، واستطاع الوصول إلى العاصمة، ونشر أتباعه المخلصين في قطاعات الجيش والأمن.

تتصاعد الأحداث وصولًا إلى الذروة في مسار الرواية، حين يستهدي “عاصي” إلى عنوان البيت الذي يُفترض أنّ “عرباوي” وُلد فيه قبل ثلاثين سنة، يُداهم المكان مدجّجًا برجال الأمن المسلحين، ولا يجد فيه سوى امرأة مقعدة في الثمانين من عمرها، تتكئ على عصاها، يسألها عن زوجها وأولادها، فلا تجيبه، بل تصدر مجرد همهمات، تغضبه ويأمر بنقلها إلى الفرع لاستكمال التحقيق معها، وهناك ينهال عليها بالجلد والكي والصعق بالكهرباء لأنها لا تستجيب، من غير أن يلاحظ أنها عمياء، بكماء، أو يعي أنها فارقت الحياة.

بعد هذه الحادثة المخزية، تصل إلى العقيد رسالةٌ من “حسان الأشهب”، تخبره أن “عرباوي” ليس متآمرًا، بل هو شهيدٌ من شهداء الوطن، قضى في معركة الكرامة في الأردن، وأن الدولة أرسلت حينها وفدًا رسميًا لتقديم التعازي إلى والدته التي استشهدت على يديه، وأنّ قبره ما زال في مدافن الدير، وحين يذهب “عاصي” للتأكد من صحة المكتوب يعثر على القبر بالفعل، لكن المفاجأة تعقد لسانه، حين يرى على الشاهدة صورة ابن أخيه الصغير الذي مات بالتعذيب.

فشِلَ “عاصي” في إنجاز المهمة العجيبة الموكلة إليه، لكنه اطّلع على ملفّ خطير من ملفات فساد المسؤولين، يتعلق بزراعة أراضي البادية وتهريب المحاصيل والمواشي، كما شهِدَ على التلاعب بالحقائق وبالمعلومات الواردة في التقارير الأمنية، وكان لا بدّ من التخلص منه، بعد أن رصد الأمن جميع تحركاته وأنشطته في المنطقة الحدودية ذات الوضع الخاص، وحين استُدعي إلى التحقيق في العاصمة، لوحظ أنه كان آخر من وقع في هاوية الفرع من الذين نُقلوا معه من الجيش، وحين وصل إلى السجن قُيد في سجلات المكان الرهيب باسم “عرباوي الخالد” بدلًا من اسمه الحقيقي.

تنتهي الرواية باكتمال دائرة القمع الجهنمية التي أنتجتها ذهنية المؤامرة وعبادة الذات، على مستوى الفرد والجماعة، دائرةٍ مغلقة حاول ميشيل كيلو أن يرسم أبعادها بفنّية عالية، فبحنكة السياسي جمع تفاصيل روايته ووضع خلفياتها وأحداثها ورموزها، وبخبرة المثقف بنى ملامح المكان وعوالم الشخصيات، وأسس العلاقات فيما بينها، وبلمسة الأديب خلط الأسلوب الواقعي بالخرافات وقصص الجان، وسرد الحكاية تارة بصيغة الأنا الجمعية، وأخرى بضمير المتكلم، وكان سرده شيقًا، يتدفق بلغة رشيقة، تصوغ العلامات، وتعبر المنعطفات فوق رمال متحركة تبتلع الجميع، وتلقي بهم في نفق مظلم لا خروج منه سوى بتفكيك منظومة الطغيان والخراب.

………………………………………..

(دير الجسور) رواية قصيرة في 168 صفحة من القطع المتوسط، المؤلف ميشيل كيلو، الناشر دار ميسلون 2019.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق