تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لماذا سقط بوتفليقة والبشير.. ولم يسقط الأسد؟

سقط بوتفليقة على أيدي ثورة الشعب الجزائري السلمية، ثم لحق به عمر البشير في السودان على وقع إصرار شعب السودان، بينما ينظر شعب سورية إلى كل ذلك مشدوهًا، وهو الذي خرج، منذ آذار/ مارس 2011، ينادي بالحرية والكرامة، وفاقت تضحياته مليون شهيد وأكثر من 400 ألف معتقل، وتهجير ما ينوف عن 14 مليونًا منه، ومع ذلك ما زالت ثورته متعثرة، وما برح يعاني الأمرَّين على يد جلَّاد العصر ونظامه القمعي، من دون أن تكون هناك بوادر لنهاية مأساته.

يقول الباحث السوري زكريا ملاحفجي، لـ (جيرون): “إن الحالة الطائفية في المؤسسة الأمنية والعسكرية التي رسخها الأسد الأب، إذ بنى مؤسسةً رسَّخ فيها الطائفة، وعمل على تخويف طائفته من الثورة، ومن العرب السنّة، كانت أحد العوامل في التعثر الدموي في سورية، على الرغم من أن الثورة السورية لم تكن طائفية، في أيّ حال من الأحوال”.

وأضاف ملاحفجي: “هناك أسباب إقليمية ودولية تتعلق بالجوار مع (إسرائيل)، وقسم منها يتعلق بممرات الطاقة، وأسباب دولية تتمثل بالدور الوظيفي الكبير الذي قدّمه الأسد الأب والابن في المنطقة”، مشيرًا إلى أن “هذا لم يكن متوفرًا في المؤسسات العسكرية الجزائرية والسودانية، ولا في موقع تلك البلاد الحساس مثل سورية”، وعدّ أن “الظروف الداخلية والخارجية كانت تساعد الشعبين الشقيقين، لكن أعتقد أن كلا الشعبين بحاجة إلى التنبه والوعي الاستراتيجي، كي لا تتغير صورة الحاكم ويبقى نظام الحكم الاستبدادي القمعي العسكري”.

أما الكاتبة السورية جيهان سيد عيسى، فقالت لـ (جيرون): إن “من المبكر الحكم على ثورتَي السودان والجزائر بالنجاح، فحكمُنا بنجاحها هو كحُكم من حَكم سابقًا بنجاح ثورة مصر بمجرد تنحّي مبارك”، موضحةً أن “النظام كما يبدو لي لم يسقط في الجزائر، والدليل على ذلك الاستقالة التي كتبها بوتفليقة الميت سريريًا، وكذلك في السودان، من انتصر حاليًا فيها هو حُكم العسكر، لكن قد يكون الوضع في المشهد السوداني مختلفًا بسبب مسائل عدة، منها القبَلية واعتباراتها”.

وترى عيسى أن “الفَرق في سورية هو في بقاء رأس النظام طوال تلك السنوات، وذلك بسبب خصوصية سورية الجغرافية والسكانية، وموقعها القريب من (إسرائيل)، والحكم الطائفي، والتعدد العرقي والديني في سورية، والضمانات التي قدمها الأسد الأب سابقًا، والتجاذبات الإقليمية حولها”، وتابعت: “إيران وتركيا والأطماع الدولية في المنطقة، ولا سيّما روسيا، وغيرها كثير من الأسباب، جعلت الثورة السورية تختلف عن كل ثورات الربيع العربي، وبالتالي فإن من الصعب مقارنتها بأي منها”.

وقال الأكاديمي السوري سعد وفائي لـ (جيرون): إن “استعداد النظام السوري وحليفه الرئيسي، نظام الملالي الإيراني، للقيام بكل ما يلزم لإيقاف ربيع سورية، بكل ما يملكون من إجرام، مدعومين بالصلافة الروسية، قد نال إعجاب الكثير من الدكتاتوريات، وراقت لهم فكرة الخوض في سورية بقضّهم وقضيضهم، بل في جميع التفاصيل، راغبين في جعل سورية كابوسًا لأيّ شعبٍ عربي تراوده نفسه بالحرية أو الكرامة أو ما شابهها من مفردات غابت عن الساحات العربية منذ ولادة هذه البلدان”.

وعلى الرغم ممّا ظهر، وكأن الشعوب العربية صمتت على حالها، فإن وفائي يرى أن “صمتهم لم يكن يبدو عن رضًى، وإنما كان في تعلم الدروس، ومنها (كيف يجب أن يكون حراكهم منضبطًا؟)، لا تسليح فيه، لا تفرقة، بل مثابرةٌ وصبر، وعملٌ على تحييد الجيش”، وتابع: “لم تكن الشعوب فقط هي من تتعلم، بل الدول العميقة، أو العصابات الحاكمة هي أيضًا كانت تستفيد من دروس سورية ومصر على وجه التحديد.”

وأضاف وفائي: “مع تحرك الشعوب في السودان والجزائر؛ رأينا الدولة العميقة تتحرك بحذر، وتلعب مع الشعوب لعبة المساومات، فتقدم أثمانًا بخسة لمطالب مُحقّة”، وعقّب: “إن الشعبين كانا واعيين بما يكفي لاستمرار الحراك، والتركيز على المطالب، وسحب أي ذريعة لتدخلات الجيش السلبية، ولاحظنا ما يشبه الإجماع، من الأحزاب والتيارات، على مطالب إسقاط البشير وبوتفليقة، فاضطرت المجموعات الحاكمة إلى الوصول نحو ثمن غير مرغوب فيه، لكنه مقدّر بشكل كاف، فتنازل بوتفليقة، وقِيل، إن البشير قد أُوقف بإشارة من الدولة العميقة، استجابةً للحراكات الشعبية”.

ورأى أنه “لا يمكن لأي مراقب أن يحكم على التجربتين إلا بالنضج، لكن يصعب البت بالنصر”، وقال: “إلى الآن، تمسك بزمام الأمور في السودان والجزائر الطغمةُ الحاكمة، من الذين كانوا خلف بوتفليقة والبشير، أي لم تحصل حتى الآن انطلاقةٌ حقيقية لعجلة التغيير، وإنما أصبحت هذه العجلة قابلةً للدوران بعد زوال العقَبتين الرئيستين: البشير وبوتفليقة”، وأضاف: “في سورية، تدّخلَ كثير من جماعات الضغط العربية والدولية، ليمنعوا انتقال حركات الربيع العربي إلى بقية بلدان العرب، لكن السودان والجزائر تحركتا بنضج وخبرة آذنت بعلامات النصر، وتنتظران تحقق هذه العلامات، أو تحقق النصر”.

أما عمر شحرور رئيس حزب “العدالة والتنمية” السوري المعارض، فقد قال لـ (جيرون): إن “ثورتَي شعبينا العظيمين في الجزائر والسودان لم تنجحا بعد، بل نجحتا في الإطاحة برأسي الطغاة هناك، لكن يجب عليهم أن يُرحِّلوا حكم العسكر، وأن يستعيضوا عنه بحكم مدني يأتي به الشعب عبر انتخابات حرةٍ نزيهة، بإشراف دولي، يتم برعاية دستور وطني يحمي المواطنين وحقوقهم، ويصون الحريات العامة والخاصة، في تشكيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ويسمح لمنظمات حقوق الإنسان بالعمل بحريةٍ كاملة، ويتيح لها إحالة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، إلى القضاء ليلاقوا جزاءهم العادل”.

وعدّ أن “الحكم المدني يتطلب حماية وتعزيز سلطة القضاء واستقلاله، لكي يضمن له النزاهة في جوانب عمله المتعددة”، وتابع: “كي تنجح ثورتَا الجزائر والسودان، في تحقيق أهدافها المعلنة في الحرية والديمقراطية وتفكيك منظومة الاستبداد، فإنهما تحتاجان إلى وَحدة القوى والشخصيات والفئات الوطنية الشريفة حول برنامج وطني واحد واسع، وتحتاجان إلى تحالفات إقليمية ودولية، تتيح للعمل الثوري أن يتقدم في مساره، كما تتطلبان اختيار قيادات ثورية حقيقية متعلمة مخلصة وأمينة، تدفع الثورة باتجاه الحفاظ على حركتها السلمية، لتلقى التعاطف العالمي، ثم تفكك مؤسسة الجيش والأمن لتكون في خدمة الوطن والشعب”.

وأضاف أن “هذه العوامل الثلاثة التي تحتاج إليها كل ثورة لم تتوفر في الثورة السورية، التي بدأت شعبية وعفوية، ولم تستطع قياداتها جميعها دون استثناء الارتقاء والتطور، لتأخذ بيد الشعب إلى النصر، وذلك لأسباب عديدة، أهمها أن القيادات في الداخل والخارج كانت نصف أمية، ومعظمها فاسد، وغير أمين وغير ثوري، كما نرى في صفوف الائتلاف والمعارضة”.

أما الكاتب والمعارض السوري أحمد أراجة، فرأى في حديث إلى (جيرون) أن من أسباب تعثر الثورة السورية أن “حافظ الأسد أسس جيشًا طائفيًا، ثم دعمته قوى إقليمية ودولية”، إضافةً إلى “غياب قيادة وطنية للثورة، وركوب موجة الثورة من المنظمات الإسلاموية، والتربية السياسية السورية العامة، التي تتعارض مع التشاركية وتنطلق من الروح الفردية”.

وقال: إن “انتصار الشعب الجزائري والسوداني يعود لأكثر من أمر، أولها التجانس الشعبي، الثاني هو البعد عن (إسرائيل)، أما الثالث فهو استفادة الجيش من تجارب الثورات العربية، وبخاصة الثورة السورية”، وأضاف: “قد ينحو الجيش في كلا البلدين إلى الاستفادة من تكتيك المجلس العسكري المصري أي (امتصاص الثورة الشعبية) وإجراء بعض الإصلاحات البسيطة”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق