سلايدرقضايا المجتمع

سيدة باريس التي احترقت تُشعل ذاكرة المشرق في حريق الأموي والأقصى

نوتردام كما عرفناها، أو “سيّدتنا” إن عربناها، أبكت العالم، وهي تستغيث من حريقها، وكأن شخصية كوازيمودو أحدب هوغو، قد انبعثت من جديد، فالصدمة التي خلفها حريق كاتدرائية نوتردام التاريخية، وقد لفّ الحزن الأرض، كما صدمة تدمر، ودمار حلب التاريخية التي لم يوفرها العدوان الهمجي الروسي عام 2016. وهي رمز استمرار الحضارة الإنسانية، ففيها تزوج نابليون، وفيها تم تأبين الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتيران، لثقلها الحضاري، على مستوى فرنسا وتاريخها.

تعدّ نوتردام أيضًا رمز التمرد الثقافي، عبر رائعة أسطورة العصور الكاتب العملاق فيكتور هوغو، وبسبب روايته، تحوّلت نوتردام إلى ذاكرة جماعية إنسانية، لتصبح شعلة حية تطالب بالتمرد الإنساني على السلطتين الدينية والدنيوية، على الرغم من أنها رمز ديني متسامح، هي رمز الحرية والمعرفة، فالأحدب كوازيمودو، تمكن من قراءة الكتب المعرفية الممنوعة المخبأة داخل الكاتدرائية، وكشف حقيقة وقيمة المعرفة، وتحمل الظلم والجَلد، وهو يواجه “دواعش” العصور الوسطى في باريس, ليحمي أزميرالدا الغجرية الراقصة الجميلة التي تتمتع بإنسانية وبراءة تتجاوز رئيس كنيسة باريس، أو شخصية الدوم كلود فلورو، التي جسدت السلطة الدينية العمياء، وقد تحدث الأديب الفرنسي نيرفال عن كنيسة نوتردام وقال إنها لا تموت وستبقى حية، وقد خلدها هوغو الذي كان على الدوام، في روايته، يعبّر عن غضبه من طريقة ترميم عروس باريس وسيدتها، وأميرة العصر القوطي، نوتردام التي عاشت 859 عام حتى احتراقها يوم 15 نيسان 2019، وتجاوزت حربين عالميتين بسلام، بقيت تنعش ذاكرة البشرية، في مواجهة الظلم وطيور الظلام السلطوية، مثل رواية ستاندال (أحمر وأسود) التي فضحت السلطة السوداء رمز الداعشية الدينية الكنسية، والسلطة الحمراء رمز الملكية المطلقة والاستبداد.

كان كوازيمودو -على الرغم من قبحه وتورم عينه وحدبته- هو الجميل فعليًا في الرواية، وداخله مليء بالمحبة للبشر، فيما جسّد القس الدوم كلود فلورو القبحَ من الداخل، ورغبته الشهوانية بأزميرالدا دفعته إلى ارتكاب جريمة، متهمًا إياها بها، ليبتزّ براءتها مقابل شهواته الغريزية، كل ذلك تجسد في رمزية نوتردام التي تعد رمز الكنيسة الكاثوليكية النقية، والسيدة العذراء في الغرب.

جسد الفنان العملاق أنتوني كوين تلك الرواية، بدور الأحدب كوازيمودو، بعمل سينمائي من الروائع عام 1956، وعادت سلمى الحايك لتخلد الرواية عام 1997، حين جسدت دور أزميرالدا، لتترسخ نوتردام أكثر فأكثر في الذاكرة الجماعية لشعوب الأرض، كما كانت نوتردام مصدر إلهام الشعراء والفن التشكيلي على اختلاف مدارسه، فهي الأيقونة الأبدية لباريس، وهي تنافس برج إيفل في رمزيتها الدينية والمعمارية والثقافية، وتعد نوافذها الأجمل في العالم، بألوانها المتعددة ومساقط الضوء، وتماثيلها الماورائية، وأجراس كوازيمودو التي لم يعد ليقرعها بعد هذا اليوم الحزين. وهي تُعدّ تحفة معمارية لا تضاهى في تعقيدها وأبراجها، وأشهرها “برج الجرس” الذي تمّ صبّه في عصر لويس الرابع عشر ملك الشمس، ويُعدّ صوته عند قرعه الأجملَ بالعالم، كل ذلك جعل العالم يعيش دراما حزينة وهي تحترق ساعات طويلة، في الوقت الذي تقف فيه البشرية عاجزة عن إيقاف المأساة المشتعلة، وانهيار سقفها، وكأنها فاجعة تهز البشرية، لحظة انهيار برجها العملاق.

تذكر المشرق العربي بهذه المناسبة المأسوية حريقَ المسجد الأقصى، عام 1969، الذي افتعله متطرف صهيوني، وقد اهتز العالم وقتذاك، وتأسست “منظمة المؤتمر الإسلامي” على إثر تلك الحادثة، وكانت ردات الفعل العالمية وقتذاك غاضبة، كما تذكر المشرق العربي حريق الجامع الأموي رمز دمشق والعالم الإسلامي، عام 1893، نتيجة خطأ عامل كان يصلح سقف الأموي، فقرر إشعال النرجيلة لتحدث الفاجعة، فهبّ أبناء دمشق لإطفاء الحريق، وتبرّع أبناء الشام لإعادة ترميمه: التاجر بماله والحرفي بمهنته والفقير بجهده، وقد شكل أبناء دمشق لجنة لإعادة إعماره، وقد صلّوا في اليوم ذاته في الجامع الأموي بعد انتهاء الحريق، ورددوا: “الله أكبر، الله أكبر من الجامع، فإن ذهب الجامع فالصلاة باقية”، وقاموا بإعادة بناء سقفه الخشبي وفسيفسائه، واستمر ترميمه سبع سنوات.  

ومن أشهر مقولات أحدب نوتردام: “الثابت أن النفس تتشوه، حين تكون في جسد ناقص”، وبالفعل ظهر العالم جسدًا واحدًا، وهو يتألم لرؤية حريق السيدة الباريسية، فكانت لحظة تضامن إنساني، وصدمة تعادل تدمير معبد (بل) في تدمر، وآثار الموصل، والتطهير الثقافي الذي ارتكبه النظام السوري و(داعش) البائدة في سورية، والفرق هنا أن الجسد الناقص والمشوه هو وجود نظام الأسد الذي يُعدّ إهانة للإنسانية.

وهنا اقتباس من رائعة فيكتور هوغو، وكأنه يخاطب كاتدرائية نوتردام ذاتها وهي تحترق، وليس أزميرالدا، بلسان الأحدب كوازيمودو : “أنا أعلم أنك تتألمين، وأعلم أن الظلام هنا يعمي عينيك، ولكني لا أشك في أن بصيصًا من النور ما يزال يضيء أعماق نفسك. أما أنا فإنني أحمل بين جنبي سجنًا أشد من هذا السجن ظلامًا وبرودة”.

والاقتباس الذي يعبّر عن ظلام هذا العالم وعجزه عن إنقاذ الإرث الإنساني، وأن الدين يمكن أن يكون أيضًا رمزًا للجمال والإبداع الإنساني والتسامح، على الرغم من قسوة المشهد الإنساني في سورية خاصة هذه الأيام، فيقول هوغو، بلسان بطله: “وعلى الرغم من هذه البشاعة الصارخة، والدمامة المنقطعة النظير، فقد كانت تبدو على هذا المخلوق العجيب علامات القوة والخفة والشجاعة، وهو شذوذ على النظرية المألوفة التي تقول بأن القوة كالجمال، لا تنتج إلا عن تناسب الأعضاء”.

ستنهض نوتردام مجددًا، وستعود مئذنة جامع الحدباء في الموصل، وسيعاد ترميم معبد (بل) في تدمر، والجامع الأموي في حلب، وكنيسة أم الزنار في حمص، وسيبقى الاعتزاز البشري بتلك الصروح، وبتلك الذاكرة الغنية المنعشة للروح الإنسانية، رغم أي فعل همجي، أو كارثة غير مقصودة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق