كلمة جيرون

بانتظار الاستقلال

يحتفل السوريون بذكرى جلاء الفرنسيين عن سورية، بعد 26 عامًا من انتدابهم لها، شكّلوا خلالها النظام الأعلى للسياسة والمجتمع في سورية، ثم انشغلوا، أحزابًا وقوى سياسية، بموضوع الحياة السياسية والانتخابات والوحدة العربية، وسرعان ما رزحت سورية من جديد تحت احتلال داخلي.

مرّ على السوريين 73 عامًا منذ انتهاء الانتداب، قضوا خلالها خمسين عامًا تحت حكم نظام شمولي طائفي لا يرحم، أسوأ ألف مرة من أي مستعمر تقليدي، وعاد السوريون الآن ليبحثوا عن “استقلالاتهم” المتعددة، الداخلية والخارجية، وقد دمّر الاستبداد كل ما بنوه، لا خلال القرن العشرين، بل خلال قرون طويلة.

ترزح سورية الآن تحت نير احتلال داخلي، يقوده نظام أمني تمييزي فاسد، مُحاط بمجموعة من الانتهازيين، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ومحمي من مجموعات شعبوية غرائزية. نظام أسقط خلال السنوات الثماني الأخيرة السيادة الوطنية، التي تُعتبر أولى شروط قيام الدول المستقلة، وأشرك احتلالات خارجية في استباحة البلد، وجعلها (ملطشة) لكل شذاذ الآفاق، مستعمرين ومحتلين.

ترزح سورية الآن تحت نير احتلال إيراني، استباح حرمات السوريين وانتهك سلام المجتمع، وأرسل آلاف المرتزقة الطائفيين مسربلين بأحقاد ومدججين بأسلحة ومحمّلين برغبة في تدمير الماضي والحاضر. احتلال سيطر على مناطق من سورية وملأها عفنًا، وتغلغل في مراكز القرار السياسي والعسكري لدرجة أن النظام لم يعد قادرًا على اتخاذ قرار لا يعجبهم، وصار عبدًا خاضعًا لمشيئتهم.

كذلك، ترزح سورية الآن تحت نير احتلال روسي، ساهم في تدمير البلد، وانتهك قوانين الحروب، الوسخة أساسًا، ودمّر وقتل عشوائيًا، وأعلن بوقاحة أن جيشه يتدرب بسورية وبالسوريين، وتباهى بأنه يُجرّب أسلحته الجديدة، ويستهلك القديمة التالفة، وأنشأ قواعد جوية وبحرية، ووافق النظام له على وضع مبادئ سياسية – عسكرية تحتقر سيادة سورية، وترك لهم الساحة غير آبه بما ستخطه كتب التاريخ.

ترزح سورية الآن تحت نير احتلال إسرائيلي، استولى على جزء من أرضها، واستباح سماءها و(تمخترت) طائراته تقصف حيث تشاء، دون أن يتحرك الاحتلال الداخلي ليردعها، ولم يرد عليها إلا بجملته الممجوجة “سنرد في الوقت المناسب”، ويعرف جميع السوريين أن هذا “الوقت المناسب” لن يأتي أبدًا.

أيضًا، ترزح تحت نير احتلال أميركي، عبر تحالف دولي، احتلال أقام قواعد عسكرية، وألقت طائراته الحمم والصواريخ على أهداف لا يعرف السوريون عنها شيئًا، ولم يقل النظام لهم لا تنتهكوا سيادة بلدي، فتلك ليست مشكلة بالنسبة إليه، المهم أن تبقى تلك الطائرات بعيدة عن محمياته.

ترزح سورية الآن تحت نير احتلال (حزب الله) لجزء من الأرض السورية، حزب مرتزق دمّر وقتل وهَجَّرَ وارتكب موبقات، ونشر الإرهاب والطائفية والأحقاد، واعتبر سورية غنيمة مُستباخة، وقتل باسم الدين والصحابة وغير الصحابة، واستولى على المقامات بحجة حمايتها، وأراد الذهاب إلى القدس من فوق جثث السوريين.

وترزح سورية كذلك تحت نير احتلال كردي أجنبي، ميليشيات ومقاتلين من خارج سورية، زادوا في طنبور الاحتلالات نغمًا، قوات من البيشمركة وجبال قنديل وأوجلانيي تركيا، غيّروا ديموغرافيًا وقتلوا ودمّروا وأحرقوا كـ “نيرون”، وانتقموا من السوريين، وكأنهم سبب كل مآسيهم.

إضافة إلى كل تلك الاحتلالات، هناك احتلال (داعش) و(النصرة) التي سهّل لها النظام التسلل والتحكم والفُجور، وتغاضى عن أفعالها وانتهاكها ليس للسيادة السورية، بل للحياة السورية كلها، للأعراف والقيم والمبادئ والإنسانية.

دلالات الاحتلالات العديدة لسورية لا تنتهي، ودلالات تآمر النظام السوري مع هذه الاحتلالات لا تنتهي أيضًا، ولا بد للسوريين من الخلاص من جميع الاحتلالات، وعلى رأسها الاحتلال الداخلي، ودون ذلك لن تكون سورية مستقلة، ولن يكون هناك احتفال بالاستقلال، لا اليوم، ولا في أي يوم آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق