هموم ثقافية

نحوَ وراء أعمى

لو قُيّض إنشاء موسوعة تشمل جميع المقالات والخواطر والزوايا الصحافية والنصوص العربية -على تنوّعها- مما كُتب لمناسبة انتهاء عام وبداية عام جديد؛ لهالنا على نحو مُذهل احتشادُ الآمال وتزاحم الأحلام وتراكم التطلّعات إلى مستقبل عربي باهر، أو أقلّ بؤسًا -من جهة- وتقاطر الهزائم وتراكب الخيبات وتوالي الاندحارات على أرض الواقع، من جهة أخرى. فكلُّ الأحلام التي راودت الإنسان العربي في العصر الحديث، حول نهضة عربية، تُواكب الدول الناهضة في العالم، أو حتى تُقاربها في ما خطت في حقوله وميادينه؛ وكلُّ الآمال التي انعقدت حول القُدرات والمُؤهّلات والطاقات البشريّة -فضلًا عن الثروات الأرضية- التي تُفيد بإمكانيّة النهوض وواقعيَّته؛ آلت إلى ما يُعاكسها تمامًا. وكلُّ المشكلات والأزمات والاستعصاءات التي كانت حالَّةً بنا، والأخرى التي كانت تطلُّ برأسها قبل نصف قرن أو يزيد، والتي كنا نرى أنها طارئة عابرة بإمكان المستقبل -الذي هو يومنا الحاضر- اجتثاثها وكشطها؛ استفحل القديم منها، واكتمل منها الحديث، حتى غطّت حيواتنا العربية عن آخرها.

لو قُيّض لموسوعة كهذه أن تُجمع وتظهر، لكانت بمثابة “جردة حساب” لمئات الملايين من الحيوات البشريّة، ولتبدَّى حجم الهزائم والاندحارات والتراجعات والخسائر في مختلف الميادين والحقول، مما يمكن تعداده في حياة الدول، ولظهر جليًّا أننا لا نراوح في المكان فقط (رغم أن مُراوحة البلدان تراجع) وإنَّما نحن نتراجع ونتخلَّف ونتقهقر ونتمزَّق ونتناحر… ماضين قُدمًا أو مندحرين -وبهمَّة عالية لا تفتر- نحو وراء أعمى الملامح والمعالم والسمات.

وسيَّان -بعد ذلك- أكانت العوامل والأسباب فينا، أو في ولاة أمرنا، أو في حكَّامنا، أو في “أزمة العقل العربي” أم في الطبيعة الجيولوجية لبلداننا، أم في التكوينات المذهبيّة لمعتقداتنا… أم في أيّ مما يراه أيٌّ من الرائين الجاهدين المجتهدين، علَّة أو عاملًا أو سببًا لمُضيّنا قُدمًا نحو وراء أعمى.

وسيَّان، لأنّ وضع الإصبع على الجرح، والكشف عن العلّة، وبيان المسبّب، والإشارة إلى الطريق، وتوضيح الطريقة، والتدليل على المُكوّنات، لم يفِ بالغرض، ولم يشفِ من المرض، ولم يُنقذ من الضلال، ولم يحدّ من الأعراض؛ بل راح ما كان قائمًا يتهدَّم، وما كان مشعًّا يخبو، وما كان متماسكًا يبلى، حتى خال الأشدّ تفاؤلًا أنَّا وُجِدنا لنُمحى كالهنود الحمر وسكان أستراليا الأصليين وأمثالهم.

سينبري مَنْ يقول: ولكنَّنا محكومون بالأمل. بالطبع، نحن كذلك. تمامًا كما كان عليه أسلافنا، وكما نحن عليه، وكما سيكون عليه أحفادُ أحفادنا -فإذ نحيا نأمل- إذ نقطع المسافة من الميلاد إلى الموت، لا بدَّ من أن نلهو بالأمل. من دون لهوٍ به، سنملُّ، ونضجر من المسافة، ومن الفراغ. نحن نقطع المسافة لنأمل، أو نحن نأمل لنقطع المسافة.

أمّا أن يتحقَّق الأمل أم لا، فهذا يُحيلنا إلى الموسوعة التي لو قُيّض لها أنْ تُجمع وتنشر. يُحيلنا إليها لتكون جوابًا، أو لتكون مقياسًا نقيس عليه، أو نُقارن به، أو نستنتج منه، أو نطمئن إليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق