سلايدرقضايا المجتمع

معادلات “الأخذ السياسي” في السويداء

تباينت المواقف المحذّرة من مجريات الحدث العام في محافظة السويداء، وبخاصة بعد انتشار جيش النظام في محيطها، وتعزيزه الحواجز بالدبابات والآليات الثقيلة، بدايات هذا العام، وقد أثار ذلك الأمر موجة تحذيرات من إمكانية القيام بعمل عسكري داخل المدينة، بذريعة الانفلات الأمني، وانتشار عصابات الخطف والسلب، ولكن هدف العملية العسكرية هو الهيمنة والسطوة السياسية، وإلحاق شباب السويداء عنوةً بالخدمة العسكرية.

بقيت السويداء، طوال الأعوام الثمانية الماضية، محيّدةً عن الصراع الدموي الذي اجتاح سورية، وعلى الرغم من اندفاع شبابها وحراكهم السياسي في التظاهر السلمي المتكرر بداية الثورة، فقد توقف ذلك الحراك نسبيًا، لأسبابٍ عدة، منها اعتكاف المجتمع الأهلي -ممثلًا بمرجعيته الدينية- عن الدخول في أتون الحرب الدموية في سورية، تحت عنوان حرب طائفية “لا ناقة ولا جمل لنا فيها”، ولا سيّما أن معظم سكانها من الأقلية (المعروفية) التي تشتد أواصر لحمتها الدفاعية، أيامَ الحروب، حفاظًا على وجودها وأرضها.

ومن تلك العوامل أيضًا، الخوف من زيادة التهميش الاقتصادي الذي كانت تعانيه المحافظة طَوال عقود ماضية، وزاد فيه اليومَ ارتباط معظم شبابها باقتصاد الوظيفة، مدنيّة كانت أم عسكرية، وهذا يعني بالضرورة ارتباطها المباشر بالسلطة المركزية، وبخاصة مع عدم وجود البديل الاقتصادي، وكان مرئيًا للمجتمع تكرار عمليات الفصل الجماعية والفردية لمعظم معارضي النظام السياسيين أو غير الملتحقين بخدمته العسكرية، وهو ما يشكل تهديدًا معاشيًا للمجتمع عامة.

يضاف إلى العاملَين السابقين عاملٌ آخر هو التشجيع على الانفلات الأمني في المحافظة، ولا سيّما بعد أن تم اغتيال قيادة حركة “رجال الكرامة” في 5 أيلول/ سبتمبر عام 2015 في تفجيرين متتاليين، وقد جعل ذلك المحافظةَ غير قابلة للاستقرار أو لتجميع جهودها العامة أمام التهديد بإمكانية الاقتتال الداخلي، حيث تكررت عمليات الخطف والاغتيال وكادت أن تشعل في كلّ مرة شرارة اقتتال عائلي، سعى المجتمع المحلي لاحتوائه وتبديد خطره بكل الطرق.

السويداء اليوم في موقعٍ يبدو الاستهداف فيه أقرب من أي وقت مضى، وبخاصة بعد عمليات (داعش) صيف العام الماضي، إذ إن منتجات تلك العمليات في التحريض على سَوق أبناء المحافظة إلى الخدمة الإجبارية لم تأتِ بنتائجها المتوقعة إلا بنسب ضئيلة، وذلك زاد من احتمال التحركات العسكرية أوائل هذا العام، سواء كان ذلك التحرك من قِبل جيش النظام أم من قِبل (داعش) مرة أخرى، فإلى أي مدى يمكن أن يكون هذا السيناريو قريبًا من الواقع؟

على الرغم من عدم إمكانية استبعاد أي سيناريو عسكري في أي مكان في سورية، ومنها السويداء، بحسب تصريحات ضباط عدة، فإن ثمة تغيرات في المشهد السياسي تجعل المعادلة السياسية تأخذ منحًى قد تختلف سيناريوهاته، فموقع السويداء -بأقليته المعروفية الدرزية- ليس ذا شهية اقتصادية، بسبب موارده القليلة والضعيفة وصغر حجمه، إضافة إلى عدم إمكانية تصنيف سكانه ضمن “الإرهاب”، وهي المعادلة التي فشل الروس في تمريرها صيف العام السابق، قبيل هجمة (داعش) في قراها الشرقية.

طورت روسيا في استراتيجياتها السياسية تطورًا ملحوظًا، فلم تعد القوة العسكرية وحدَها الفيصل في الكسب السياسي، وكان ذلك واضحًا في سلوكها متعدد الجهات خلال السنوات الماضية في سورية، والذي تباين بين القوة العسكرية المفرطة، كما وقع في حلب والغوطة الشرقية، وبين الاتفاقات السياسية متعددة الأطراف مثل اتفاق (أستانا)، الذي كان له الأثر الكبير في تحويل الساحة السورية إلى مناطق معزول بعضها عن البعض، يسهل الاستيلاء عليها، كما عملت (روسيا) على منطق المصالحات المحلية، في أكثر من ألف مدينة وحي وقرية سورية بشكل متوازي، وتأتي عقبة السويداء اليوم من كونها غير مؤهلة لأي طريقة جيوسياسية مشابهة تعاملت بها روسيا في المدن السورية الأخرى، وذلك جعل المشهد المحلي في المحافظة مرتبكًا وحذرًا وغير قادرٍ على توقع القادم.

ثمة موضوعة بين طيات العمل الجيوسياسي الروسي، مفادها إمكانية الأخذ السياسي لمنطقة ما، تحت التهديد بالقوة العسكرية، فلا تستخدم القوة العسكرية ذاتها، وتعمل بالمقابل على تجميد الوضع الداخلي لتلك المنطقة، وشلّه اقتصاديًا وسياسيًا، ومردُّ هذه الموضوعة الضغط بالقوة العسكرية أو الاقتصادية على الآماد الصغرى المفتتة والمذراة، ليغدو ذلك الوسيلة الوحيدة في السيطرة، وتنتفي ضرورات الرشوة السياسية من تلقاء نفسها، عند غياب المنافس الجيوبوليتيكي المعادي، بحسب نظريات (ألكسندر دوغين) في الجيوبوليتيك الشائن، التي أتت على تدمير وتهجير معظم الوطن السوري المنكوب، وأعادت عصر الأخذ السياسي بالقوة العسكرية المفرطة، والمترافقة مع جملة مفاهيم خادعة، أعادت البشرية لمرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى، في مسارٍ معاكسٍ ومعادٍ للتاريخ ولثورات الربيع العربي التحررية.

مدينة السويداء لم تشكل، إلى اليوم، حالة إغراء حقيقي لدول الجوار، مثل منطقة شرق الفرات وإدلب وحلب  والقنيطرة ومعبر التنف الشرقي، تلك المناطق التي تحدد آليات وشكل النفوذ الجيوسياسي للقوى المتصارعة على الكعكة السورية، وتركت المدينة، إلى اليوم، تحت عنوان عريض، مفاده بازار سياسي مستقبلي عند ترتيب البيت السوري كاملًا، وهذا ما يمهد إلى مستويات متعددة من التهميش في واقع المدينة المحلي، والمزيد من الانفلات الأمني والضغط الاقتصادي في المعاش اليومي، وتهديد السكان الآمنين، الذين حرَّموا على أنفسهم الاعتداء على السوريين، كما حرَّموا الاعتداء عليهم، ولم ينجوا من مكايد السياسة والتهديد بالقوة العسكرية.

إن معادلة الكسب أو الأخذ السياسي تبدو الأرجح، في قادم الأيام، في شكل واقعي لا يمتلك مقومات الاكتفاء الذاتي، كذلك المزيد من التباين الحاد بين قواه المحلية، أو البازار عليه في معادلة الجنوب العامة، مقابل الشمال السوري في منطقتي حلب وحماة، معادلة الوجود الإيراني في المنطقة الجنوبية مرفوضة من قِبل المحيط الحيوي في الأردن و”إسرائيل” ومن خلفهم أميركا، إضافة إلى ذلك عدم الوضوح في إمكانية إخراج إيران من سورية، وهذا يمهد إلى إمكانية استبدال التمدد الإيراني في سورية بتمدد روسي سياسي، أقلُّ مبرراته التخلص من الانفلات الأمني، وضمان عدم استقواء قوى أمن سلطة النظام على معارضيه والمتخلفين عن الخدمة العسكرية وما تخلفه من ويلات صدام عسكري يتجنبها الواقع المحلي.

على الرغم من أن السويداء تبدو متماسكةً، ظاهريًا، فإنها تعاني الكثير من المغالطات السياسية، وأشكال خداعها متعددة الأوجه، كذلك هي مهددة بإمكانية اللعب على تناقضاتها المحلية، وهذا يجب أن تعيه النخبة السياسية المعارضة والقوى المحلية في المحافظة، سواءٌ كانت في مرجعيتها الدينية أم في قوتها العسكرية ذاتية التسليح، ويجب العمل على تعميق الصلة بالعمق السوري والمعادلة الوطنية العامة، في ضرورة التغيير والانتقال السياسي الممكن، الذي يضمن للمعادلة الوطنية عمقها وجذريتها السياسية في التخلص من الاستبداد السياسي، والعسف الديني المتطرف دائم التهديد للمحافظة، وإن لم يتمّ العمل على ذلك؛ فقد يجد الواقع المحلي نفسه إزاء معادلات يصعب حلها مع مرور الزمن، أقلها معادلات العزلة الطائفية، وأصعبها المعادلات العسكرية الداخلية، التي تغذيها مراكز القوى العسكرية المتحكمة في الساحة السورية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق