سلايدرقضايا المجتمع

إدلب.. الرسوم القضائية في “حكومة الإنقاذ” تُثقل كاهل المدنيين

فرضت (حكومة الإنقاذ)، الذراع المدني لـ (هيئة تحرير الشام)، رسومًا جديدة على المواطنين، في دور المحاكم والقضاء التابعة لها، وهو ما زاد الخناق على المدنيين، وذلك بعد أن باتت محافظة إدلب تحت سيطرة “الإنقاذ/ الهيئة”، ووفق ما ذكر عدد من المدنيين في المنطقة لـ (جيرون) فإن الغاية من تلك الرسوم هي “نهب جيوب” المدنيين الذين يعانون الضيق في الأصل.

حصلت (جيرون) على قائمة “الرسوم القضائية” التي تتقاضاها إحدى دور المحاكم التابعة لوزارة العدل في (حكومة الإنقاذ) في المحافظة، وتضمنت القائمة تحديد رسوم حصر الإرث بقيمة 5 آلاف دولار أميركي، وبلغت رسوم تثبيت ملكية عقار لشخص خارج البلاد، 200 دولار أميركي، ورسوم الوكالة الخارجية 200 دولار أميركي، والداخلية 100 دولار أميركي، في حين بلغ رسم بيع عقار لشخص مقيم خارج البلاد 100 دولار أميركي، يُضاف إليها 50 دولارًا لكل عقار إضافي، أما استئناف دعوى قضائية، فأصبح بكلفة 10 آلاف ليرة سورية، وطلب تصوير إضبارة بقيمة ألفي ليرة سورية.

رصد مصدر خاص لـ (جيرون) عملية دفع إحدى الضرائب، في “محكمة الإنقاذ” في مدينة إدلب، التي سدد قيمتها أحد المدنيين كنفقة لولده بعد طلاقه زوجته، حيث قدّرت قيمة النفقة المدفوعة للطفل بمبلغ 15 ألف ليرة سورية، واقتطعت المحكمة من المبلغ 5 بالمئة كرسوم تحصيل، ما يعني انخفاض قيمة نفقة الطفل التي هي في الأساس غير كافية، في ظل ارتفاع مستوى المعيشة الذي يسود المنطقة.

قال المحامي غزوان قرنفل، رئيس تجمع المحامين الأحرار، لـ (جيرون): “لا يمكن أن نعتبر محاكم الإنقاذ مؤسسات قانونية رسمية، بالمعنى الحقيقي، فهي مجرد سلطة أمر واقع فُرضت على المجتمع بقوة السلاح، وأنيط بها تسيير بعض الأمور القضائية، للفصل في منازعات بين الخصوم”، وأضاف: “بالتالي؛ لا يوجد قانون فعلي ينظم ويضبط عملها، ويشكل مرجعية واضحة للمتخاصمين”.

وتابع: “عندما تغيب سلطة القانون، يصبح السلاح وحملته هم القانون، وبالتالي يفرضون قانونهم ورؤيتهم على المجتمع”، وتابع: “أمام هذا الوضع، لا نملك أي إجابة منطقية على مجمل السلوكيات التي تصدر عن هذه المحاكم، سواء لدى قيامها بفرض رسوم باهظة، أو إصدار أي أحكام قضائية أو قرارات تنفيذية جائرة. ودليل ذلك أن جميع الرسوم القضائية التي تفرضها تلك المحاكم، لا يمكن أن نعتبرها إلا أداة لسلب أموال المواطنين، بقوة ما يزعمون أنه قانون”.

أوضح قرنفل أن “جميع الأحكام القضائية التي تصدر عن محاكم الإنقاذ، لا قيمة قانونية لها، لأنها تفتقد المشروعية، كما أنها لا تراعي معايير المحاكمات العادلة”، ووصفها بأنها “الأسوأ” إذا ما تمت مقارنتها “بمحاكم النظام”، وقال: “كنا نأمل أن نقدم بديلًا أفضل من مؤسسات النظام، لكن مع الأسف، حالت سيطرة الفصائل المسلحة على الأمور القضائية، دون تحقيق تلك الآمال، وأصبح المجتمع وحقوق الناس وحرياتهم، مرة أخرى، رهن أمزجة حملة السلاح وأمراء الحرب”.

من جهة ثانية، قال محمد السيد، وهو قاض منشق عن النظام السوري، في حديث إلى (جيرون): “لا يوجد مقاربة حقيقية بين قضاء النظام وحكومة الإنقاذ، على الرغم من فساد مؤسسات النظام القضائية بسبب الرشوة والمحسوبيات”. وتابع موضحًا: “رسوم المعاملات القانونية لدى محاكم النظام، كانت شبه مجّانية، فمثلًا كلفة تسجيل الدعوة أو التقدم بالطعن لم تكن تتجاوز 1000 ليرة سورية، فضلًا عن أن جميع العاملين في سلك القضاء لدى النظام، هم من الأكاديميين الحائزين دراسات عليا، بعكس ما نشاهده في دائرة قضاء (حكومة الإنقاذ) حاليًا، التي لا تجد فيها قاضيًا مختصًا”.

وأشار السيد إلى أن “محاكم الإنقاذ لا تستند إلى قانون واحد، وإنما يتعاملون بخليط من القوانين، فتارة يتعاملون وفق أحكام القانون السوري، وتارة أخرى تبعًا للشريعة الإسلامية، وأحيانًا أخرى وفق العرف المجتمعي الشعبي”، وعدّ أن “هذا يخالف المنطق الذي يقول بضرورة الاحتكام إلى قانون واحد فقط، لكي يستطيع المواطن أن يعرف ما له وما عليه”.

من جانب آخر، رأى سامر الضيعي، مدير المكتب التنفيذي في (رابطة المحامين الأحرار) أن “فرض الإتاوات، التي تسميها حكومة الإنقاذ (رسومًا قضائية)، جاء نتيجة تفاقم الفساد دون وجود رقابة أو ضوابط قانونية أو أخلاقية على المفسدين. فهم يسلبون الناس أموالهم لصالح أشخاص معينين، ولتأمين دعم مادي لـ (هيئة تحرير الشام) التي قامت بتشكيل هذه الحكومة (المدنية) لتحقيق هذه الغايات”.

وقال لـ (جيرون) إن “القرارات الارتجالية المرافقة لبعض الأحكام، وفرض الغرامات التي تذهب إلى من يُسمّون بقضاة وزارة العدل، ليس له أي أساس قانوي، ولا سيّما في زمن الصراعات والحرب.. وأصدق مثال على ذلك، إذا أقام أحد الأشخاص دعوة جزائية على آخر، ومن ثم تم الصلح بينهما، يفرض القاضي على المُدعي غرامة مالية بقيمة 2000 دولار أميركي، تذهب لبيت مال المسلمين، بحجة إزعاج السلطات العامة، وإذا رفض المُدعي دفع المبلغ، فإنه يُحال إلى سجونهم، فضلًا عن قضايا حصر الإرث التي تبلغ تكلفة رسومها 5000 دولار أميركي، فيما لا يملك المدنيون سوى تنفيذ أوامر تلك المحاكم، لأنها تفرض نفسها بقوة السلاح عليهم”.

يتقدّم كثيرٌ من المواطنين في إدلب إلى محاكم (حكومة الإنقاذ) بقصد رفع شكاوى أو تسيير معاملات قانونية، وغالبًا ما يكون معظمهم ضحايا الرسوم القضائية، نتيجة مماطلة القضاء لأشهر عدّة، للنظر في قضيتهم أو تسيير معاملاتهم. وحينها يقوم المُدعي بسحب الدعوى المقدمة دون حصوله على الرسوم التي دفعها تحت اسم (الرسوم القضائية).

عبد الغفور إسماعيل، أحد المواطنين الذين لجؤوا إلى محاكم (حكومة الإنقاذ)، ودفع كافة الرسوم القضائية دون الوصول لنتيجة، يشرح تجربته لـ (جيرون) قائلًا: “تقدمت بشكوى (تجاوز عقار) في محكمة الإنقاذ بمدينة إدلب، ودفعت رسومًا بقيمة 15 ألف ليرة سورية، إلا أن قضاة محكمة الإنقاذ في إدلب طالبوني، بعد فتح الدعوة، بجلب أوراق عقارية تثبت ملكيتي للأراضي الزراعية التي تقدمت بشكوى بخصوصها، وأرغموني على دفع 6000 آلاف ليرة سورية، لدائرة المصالح العقارية التابعة لـ (الإنقاذ)، ومن ثم أبلغني القاضي أن الجلسة الأولى تبدأ بعد شهر ونصف من تاريخ تقديمها”.

وتابع: “عند ذهابي إلى موعد الجلسة الأولى، طلب مني القاضي إحضار بيان عقاري آخر مُشابه للأول، عن الأرض الزراعية التي تقدمت بدعوى من أجلها، وطلبوا مني دفع 2000 ليرة سورية للمصالح العقارية”، وأضاف: “بعد تنفيذ المطلوب واستكمال الأوراق، أبلغني القاضي أن الجلسة الأولى أُلغيت لعدم استكمال الأوراق المطلوبة، وقام بتحديد جلسة ثانية لي وللمُدَّعى عليه بعد شهرين، وحضرت المحكمة حينها، وطلب القاضي إحضار أخي الوريث معي في الأرض، وعندما أخبرته أن أخي مغترب خارج البلاد، طلب مني إحضار تسجيل فيديو لأخي من مكان إقامته لإثبات ذلك”، وأضاف: “دفعت مبلغ 100 دولار أميركي لقاء تصديق الفيديو من قبل القاضي”.

وبحسب عبد الغفور، فإن معظم الأمور التي طلبها القضاة منه، ليس لها صِلة بالدعوى التي تقدّم بها، وهي بخصوص (تجاوز عقار) من قبل أحد جيرانه في الأرض، وختم قائلًا: “لقد جعلتني هذه التجربة أدرك أن القضاء لدينا ليس لتحقيق العدالة وتسيير أمور المواطنين، وإنما لنهب جيوبهم، إذ يتعمدون المماطلة في القضية بعد دفع كافة الرسوم، حتى يصل الأمر بصاحب الدعوى إلى الانسحاب، دون أن يصل إلى نتيجة، وهذا ما حصل معي، تمامًا”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق