مقالات الرأي

لا دهاء ولا عبقرية في ارتكاب الجرائم

حمل مطلع الألفية الثالثة كلًا من جورج بوش الابن وفلاديمير بوتين، إلى رئاسة بلادهما: الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية، وقام الرجلان بشن عدة حروب مدمرة، ومع ذلك تختلف النظرة إليهما وتوصيف ما قاموا به، ففي الوقت الذي توصف فيه رئاسة بوش الابن بالكارثة، ويتم تحميله مسؤولية الكثير من الخراب، يذهب كثيرون إلى مدح بوتين، الذي ما زال مستمرًا في الحكم، وإطلاق صفات الدهاء والمكر والحنكة السياسية عليه.

لا خلاف مع القول بكارثية بوش ومسؤوليته عن تدمير دولتين على الأقل: العراق وأفغانستان، ولكن يبقى الاستهجان في الأحكام الغرائبية على بوتين، ومحاولة تبرئته من الدماء التي لم تتوقف عن النزيف، منذ وصوله إلى الكرملين إلى الآن.

وعلى الرغم من وضوح سياسة بوتين، وظهور اسمه إلى جانب الطغاة، من بشار الأسد إلى عمر البشير ونيكولاس مادورو، وتلخيص سياسته الخارجية بحماية الطغاة والوقوف بوجه الدعوات الديمقراطية للشعوب، وتأييده لقمع حقوق الإنسان، بحجج مختلفة مثل عدم التدخل ومحاربة التطرف الإسلامي والإرهاب، وتشكيله حلفًا مع أقرانه في الصين؛ فإن الكثيرين باتوا يعدّونه داهية سياسية ويسبغون عليه صفات العبقرية، مع أن كل ما يفعله هو الاستفادة من تعثر الأنظمة الدكتاتورية وفشلها، لوضعها تحت وصايته.

اللحظة الفارقة

عقب إعلان جورج بوش الابن حربه على الإرهاب، كما سمّاها، وبدء الاستعدادات لغزو أفغانستان، توجهت الأنظار إلى روسيا محاولة استشعار موقف رئيسها فلاديمير بوتين، وما بين الرجلين كانت ثمة قواعد جديدة تتشكل وملامح حرب كونية يتم رسمها، هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

أعلن بوتين تأييده للحرب الأميركية على أفغانستان، وفتح مطارات بلاده للطائرات الأميركية والبريطانية، وأشار إلى دول الاتحاد السوفيتي السابق بفعل الشيء نفسه. موقف بوتين جاء بعد تردده في البداية، ومطالبته بالتروي وإظهار الأدلة على تورط (طالبان) ولكنه ما لبث أن غيّر موقفه بالكامل، دون الإصرار على الأدلة، ولكن ما المقابل الذي شجع بوتين على تغيير موقفه؟ فلا شيء بالمجان هنا.

معادلة أن لا شيء يأتي بالمجان في عالم السياسة والعلاقات الدولية ليست اكتشافًا جديدًا أو سمة خاصة بأحد، فهي المعادلة الأبسط التي تحكم وتسيطر على العلاقات والصفقات، سواء أكانت سرية أم علنية، ولكن هذه المعادلة مع بوتين ستتحول إلى أسلوب حكم وتحكم، مستفيدًا من كل أزمة تظهر في أي مكان، من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، إلى سورية وليبيا والسودان وإيران إلى أميركا اللاتينية وأوروبا، حيث نجد آثارًا وامتدادًا لروسيا، حتى في الولايات المتحدة الأميركية.

كانت جمهورية الشيشان الحامل الرئيس لبوتين إلى الكرملين، وهو الذي وعد بإنهاء الحكم الذاتي والقضاء على الثورة الشيشانية، بأشد العبارات وأكثرها عنفًا، وبالمقابل كانت الشيشان هي جائزته من الولايات المتحدة الأميركية، على موقفه من غزوها لأفغانستان وبعد ذلك العراق، وبينما كانت طائرات بوش تدكّ المدن والقرى الأفغانية، كان بوتين يُعدّ العدة لتدمير الشيشان فوق رؤوس أهاليها، بعد أن ضمن الصمت الدولي وتجاهل أفعاله، وهذا ما كان.

هذه اللحظة الفارقة أظهرت بوضوح كيف يمكن لرئيس مغامر أن يستغل لحظة ضعف في المعسكر الآخر، ليبني عليها نهجًا من الوحشية والتدمير، والتسلسل الروسي في حربه على الشيشان أصبح نهجًا بوتينيًا معتمدًا، ظهور أمراء حرب يرفعون راية “الجهاد” يزاحمون الرئيس الشيشاني آنذاك “أصلان مسخادوف”، وتفجيرات وهجمات في موسكو ألقى الكرملين المسؤولية فيها على عاتق الشيشانيين، كل ذلك تمهيدًا لحرب بوتين التدميرية التي لم تبق ولم تذر.

وإذا كان البعض يلقي اللوم على بوش، في صعود بوتين والتغاضي عن حروبه المتعددة ضد جيرانه من جورجيا إلى أوستيا، فالواقع يقول إن سلوك الرئيسين الأميركيين: أوباما وترامب، لم يختلف كثيرًا، بل إن ما حققه بوتين في عصرهما فاق ما ناله في عصر بوش، وتمكن بوتين في النهاية من بناء إمبراطوريته الخاصة وهي، كما وصفها سيمون شوستر، في مقاله بصحيفة التايمز (إمبراطورية عشوائية تم بناؤها من الطغاة والدول الفاشلة).

ويلاحق شوستر في مقاله طريقة بناء بوتين لإمبراطوريته المزعومة، حيث وجّه بوتين سياسته إلى الدول والأنظمة التي تعاني رفضًا شعبيًا لها وضغطًا غربيًا عليها، وقدّم لهم الحماية، كما في سورية والسودان وأجزاء أخرى من العالم العربي، وكذلك في أفريقيا وعدة دول في أميركا اللاتينية، حيث أصبح يُنظر إلى بوتين على أنه الحصن المنيع للطغاة في العالم، وأصبح معروفًا بالرجل الذي سيدافع عن حلفائه، بغض النظر عن الضغط الذي يفرضه الغرب.

أوراق اعتماد بوتين حاميًا للدكتاتوريات وصلت إلى المشاركة الرسمية في حرب نظام الأسد على الشعب السوري وثورته، وقام باستقبال عمر البشير، الرئيس السوداني المعزول، في موسكو، على الرغم من أنه مطلوب للإنتربول في جرائم حرب.

وهذا يفسر، بحسب شوستر، أن “روسيا صنعت لنفسها إمبراطورية من الأنظمة الاستبدادية المنبوذة والدول الفاشلة، وهذا السبب في اصطفاف الدكتاتوريين في العالم لعقد اتفاقيات دفاع مع موسكو”، وهكذا وجد طغاة القرن الحادي والعشرين سندًا ودعمًا في بوتين الذي وفر لهم كل شيء بسخاء، من الفيتو في مجلس الأمن إلى تزويدهم بالجنود والعتاد العسكري، مقابل النفوذ ومصادرة سيادة هذه الدول، حيث أصبح من المعتاد، مع كل دولة مأزومة، أن نلمح ظلال الكرملين في القصر الرئاسي ومعسكرات مرتزقة (فاغنر) في أنحاء البلاد.

ما فعله بوتين فاق ما فعله غيره، من جهة تسخير قدرات بلاده الهائلة في تنفيذ سياسة التصدي لإرادة الشعوب وتأييد القمع والطغاة، وذلك لم يكن من دون مقابل، فجهوده وموقفه الثابت دفع الكثير من الأنظمة الاستبدادية إلى الارتماء في حضنه، وشهدت مبيعات الأسلحة الروسية، على سبيل المثال، تقدمًا هائلًا في السنوات الأخيرة، حتى بات المشترون يقفون في الطوابير، على الرغم من سوء سمعة هذه الأسلحة التي لم يتم اختبارها إلا في معارك ضد المدنيين، ولم تدمّر إلا المدن والقرى.

منطق التبرير أو إطلاق الأحكام المعلّبة من صفات وتحليلات تهدف إلى تلمس “العبقرية” السياسية لبوتين، يبدو محاولات جوفاء ومثيرة للاشمئزاز، فالقتل هو أسهل الحلول دومًا، واللجوء إلى الجريمة لا يعدّ عادة دهاءً أو عبقرية، إلا عند من يشارك المجرم في جريمته، فالجريمة تبقى جريمة، والقاتل يظل قاتلًا، وليس كما يسعى هذا المبدأ الغريب والوحشي، في التبرير للقتلة وتحسين صورتهم أو بالأحرى تزييفها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق