تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“أعدقاء” سورية

يمكننا تطبيق مقولة السياسي الفرنسي الشهير برتران بادي، أستاذ العلاقات الدولية في باريس، على سورية، حول مفهوم “الأعدقاء”، فليس بالضرورة أن يكون عدو عدوك صديقَك، ولا صديق عدوك عدوَّك، ولا عدو عدوك هو عدوك، ولا صديق صديقك هو صديقك.

فعندما استنكرت فرنسا، في ذروة الحرب الباردة عام 1968، مواجهة القوى العظمى، وكانت قد ظهرت دول عدم الانحياز عام 1961، طالبت فرنسا بعالم متعدد الأقطاب، وانتشرت تلك النظريات وبدأ التنظير لها، ووقفت ضد تفتيت أوروبا وتقسيمها إلى معسكرين شرقي وغربي، وتوجهت إلى الاتحاد السوفيتي، وأشارت إلى هيمنة الولايات المتحدة، ورفضت الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

في سورية، تهرّب باراك أوباما من معاقبة الأسد، لاستخدامه السلاح الكيمياوي في الغوطتين الغربية والشرقية، وكان من المفترض أن تؤدي الضربة المجهولة إلى زعزعة استقرار الطاغية، مما يتيح للمعارضة المسلحة فرصة الإطاحة به، ورأينا آثار تلك التدخلات لدى وصول ترامب إلى السلطة، وقد قام بنفسه بتنفيذ ضربة ردًا على مجزرة خان شيخون الكيمياوية، ثم بعد ذلك بعام، نفذ مع فرنسا ماكرون وبريطانيا تيريزا ماي، إطلاق مئات الصواريخ ردًا على مجزرة الكيمياوي في دوما، لكنها لم تؤذ الأسد وكانت أشبه بالجراحة التجميلية لبشاعة عالم اليوم، وبحسب وزير الخارجية الفرنسي، فإن هذه الصواريخ دمّرت جزءًا مهمًا من ترسانة الأسد الكيمياوية، وهي أشبه بضربات كلينتون لصدام حسين عام 1998، التي لم تحدث أثرًا يذكر على نظام صدام حسين آنذاك.

رفع ترامب شعار “أميركا أولًا”، ولم يكن يمثل استراتيجية فعليًا، وإنما بقي مجرد شعار، لكنه تخلى عن الجنوب السوري، لمصلحة النظام عام 2018، ثم سلّم الجولان السوري المحتل لـ “إسرائيل” نهاية آذار/ مارس 2019، ضاربًا عرض الحائط بسياسة الولايات المتحدة على مدى أكثر من نصف قرن، ومعترفًا رسميًا بـ “سيادة إسرائيل” على أرضٍ تعتبرها الولايات المتحدة ذاتها أرضًا محتلة، بحسب القرار 242 لعام 1967، الذي يطالب “إسرائيل” بالانسحاب من كافة الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وهو من قرر الانسحاب من سورية، في كانون الثاني/ يناير 2019، ثم تراجع عن قراره، وقرر استمرار وجود قوات أميركية شمال شرق سورية بشكل جزئي، بعد القضاء على (داعش)، والسماح لنوع من الحكم الذاتي للأكراد، ومواجهة المشروع الإيراني بالمنطقة ووقف طريقِها من طهران إلى بيروت، مع الاحتفاظ بوجود حوالي أربعين ألف جندي أميركي في الخليج العربي.

عانت سورية من “أعدقائها” منذ انطلاقة ثورتها عام 2011، فتحولت الكثير من السياسات والتوجهات، ومن سوء حظها وجود صراع إقليمي وعالمي حولها، فضلًا عن وجود الكيان الصهيوني في جوارها، وهو الأقرب إلى النقمة على ثورة الشعب السوري ضد دكتاتور دمشق.

فالروس ينسقون مع “إسرائيل” ويرتكبون المجازر وينفذون عدوانًا وحشيًا غير منته على المدن والقرى والبلدات السورية، وقد سلّموا مؤخرًا جثة جندي إسرائيلي سقط في معركة السلطان يعقوب في لبنان عام 1982، بعد أن نبشوا قبره في مخيم اليرموك بدمشق.

فيما تُنفّذ “إسرائيل” الغارات بلا توقف في عمق الأراضي السورية، بذريعة قصف القواعد الإيرانية والشيعية داخل سورية، وإيران المحاصرة عالميًا، بعد إلغاء الاتفاق النووي مع الغرب، تصرّ على استمرار وجودها في سورية، في تحالفها غير المؤكد مع الروس، لكنها تتقاسم الأدوار معهم في معارك البر والجو التي تستهدف الشعب السوري المناوئ للأسد.

أما العرب فهم منشغلون بخلافاتهم، فتارة أزمة بالخليج، وتارة افتعال أزمات مع تركية. في ظل هذا التشرذم والاصطفاف، يبدو النفق السوري بلا نهاية، فالأعدقاء لسورية لم يتفقوا على الحل السوري، كما لم يتوصلوا إلى صياغة حقيقية للحل الذي يغيب عنه الشعب السوري في تقرير مصيره، فلا سيادة تمثله، ولا حدود ثابتة ولا استقرار، في ظل صراع دولي وعربي وإقليمي، وثورة مسلحة وانقسامات الداخل السوري، التي ساهم النظام السوري ذاته فيها، وحوّل سورية إلى ريشة تذروها الرياح في كافة الاتجاهات.

فهل تجد سورية ذاتها، وتحدد مصيرها بيدها، أمام حزمة “أعدقاء” استخدموها لغاياتهم الجيواستراتيجية بلا رحمة، واحتلالات تتنازع فيما بينها؟

السؤال الذي يطرح نفسه: هل الوجود الأميركي مُطمئن للسوريين؟ وهل الوجود الروسي مثير لقلق السوريين؟ وهل جلب الوجود الإيراني غير الخراب والدمار للشعب السوري، وأطال مدة معاناته وانتصاره على طاغية دمشق؟ وأين مجموعة أصدقاء سورية من الحل السوري؟ وهل على الاتحاد الأوروبي الاكتفاء باستقبال ودعم اللاجئين السوريين؟ أم عليه البحث عن حل سياسي يستند إلى القرار 2254 الذي اعتمد بيان جنيف، وضرورة انتقال سياسي للسلطة بهدف وضع حد للنزاع السوري. وأن يحدد الشعب السوري وحده شكل مستقبل بلاده؟ وهل يجب أن تبقى الأمم المتحدة بمظهر العاجز أمام الفيتو الروسي المعطل لأي دور إيجابي للأمم المتحدة؟

أسئلة بلا أجوبة في المستقبل القريب، نتيجة استمرار وجود نظام مدعوم من إيران وروسيا، لا يمتلك قرارًا أو سيادة، وإنما يؤدي دورًا وظيفيًا رخيصًا لمصلحة الآخرين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق