سلايدرقضايا المجتمع

جيل سوري ضائع

طرقَ على زجاج نافذة السيارة، عند إشارة المرور، بعينين ذابلتين وجسد نحيل، لا يخفى على الناظر أنه بالكاد يأخذ ما يحتاج إليه من القوت اليومي. فُتحت نافذة السيارة، وكان ركابها على يقين أنه سيتكلم العربية، ويقول إنه سوري. مدّ يدَه حاملًا المناديل الورقة راجيًا أن يشتروا منه، فما وجدوا من قطع نقدية في جيوبهم، وانصرفوا والأسف يملؤهم.

هذا المشهد يتكرر كل يوم، ويمكن رؤيته في معظم شوارع المدن الكبرى، في دول اللجوء التي تحتضن اللاجئين السوريين الذين فروا بأرواحهم من الحرب والموت، حاملين معهم كل البؤس الذي سيرافقهم، وبعض اللوازم في حقيبة السفر.

عشرات الأطفال السوريين بات الشارع هو المكان الذي يقضون فيه يومهم، لا مقاعد الدراسة، ولا الحدائق. مشاهد مؤسفة تُرى كل يوم وليس باليد حيلة، وتسأل هذا الطفل المشرد الذي يستجدي دريهمات لا تنفع لشيء، في محطات المترو وعند الإشارات، فيجيبك أن والده توفي ولا تستطيع أمه العمل، وله عدد من الإخوة والأخوات، وآخر يُخبرك أن أمه تزوجت وتركته مع إخوته بعد أن اعتُقل والده، وغيرها من تفاصيل القصص التي تتشابه بأن نتيجتها كانت رمي طفل لم يبلغ العقد الأول من عمره إلى الشارع.

هذه أمثلة لحالات قليلة من عدد هائل من الحالات التي تحكي واقع جيل من الأطفال السوريين الذين أنجبتهم الحرب، والحديث يطول عن البقية من الأُسر المشرّدة المفككة، بسبب غياب الأب أو الأم، وهؤلاء الذين جاؤوا إلى الحياة في المخيمات، فاستقبلهم برد الشتاء والوحل والخيمة المهلهلة، وبات أفضل ما يمكن أن يحلموا به هو غطاء يقيهم البرد أو دواء يُسكِّن الآلام.

تؤكد هذه الفرضيةَ معلومات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) التي قالت آسفة: “إن حرب النظام خلّفت منذ عام 2011 حتى اليوم مليون طفل يتيم، بعضهم فقد كلا والديه”. وتقول مصادر حقوقية إن الرقم أكثر من ذلك بكثير، وبغض النظر عن دقّة الرقم، فإن الأمر كارثة استثنائية، خاصة إن عرفنا أن هذا العدد يعني أن نحو 12.5 بالمئة من أطفال سورية باتوا أيتامًا.

عشرات الآلاف من الأطفال في الداخل مشردون، من دون مدارس ولا تعليم، ولا مستقبل ينتظرهم، تمر السنوات عليهم، وهم يكبرون مع الجهل والجوع والحرمان، مع القصف والتشرد والضياع، من دون أم أو أب أو من دونهما كليهما، يتعرضون كل يوم لألوان القهر والظلم والبؤس، وينتظرون مستقبلًا لا يبدو أنه سيكون مشرقًا.

تقول (يونيسف) إن ثلث أطفال الحرب في سورية باتوا يواجهون خطر التحوّل إلى جيل أمّي، أو في أحسن الأحوال، بالكاد يعرف القراءة والكتابة، وتُعلن أن نحو 3 ملايين طفل سوري يعيشون خارج مقاعد الدراسة، منهم 2.1 مليون طفل في سورية، ونحو 700 ألف في دول اللجوء، من أصل نحو 8 ملايين طفل، أي أن نحو 37 بالمئة من أطفال سورية بلا تعليم.

في مناطق قوات (قسد) جُنّد الأطفال إجباريًا، ودرسوا مناهج كردية موجّهة، فرضها “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي قسرًا على المدارس، ولا تزال، أما في المناطق التي سيطر عليها تنظيم (داعش)، فلم تكن الحال أفضل، فما كان يُسرّب من المناهج التي يدرسها الأطفال شيء مؤسفٌ، في تحريضه على العنف وتخريبه لعقول الأطفال، فضلًا عما يرونه كل يوم من الممارسات المتطرفة والإرهابية، أما في مناطق سيطرة النظام، فالتعليم بات شيئًا شكليًا، وازداد سوءًا بشكل درامي عما كان قبل الثورة.

وإن انتقلنا إلى المقلب الآخر، إلى مناطق سيطرة المعارضة، فبعض البرامج الدولية حاولت أن تدعم شيئًا من احتياجات التعليم، لكنها لا تسدّ إلا جزءًا صغيرًا جدًا من الحاجة، فالأطفال خارج التعليم أكثر بكثير ممن حالفهم الحظ بأن يذهبوا إلى مدرسة مدعومة، أو أهلية تطوع فيها بعض الشباب والشابات لتقديم شيء من مبادئ القراءة والكتابة لأطفال يحلمون بالقلم والدفتر، هذا إن لم نتحدث عن المدارس التي تُسيطر عليها الجهات المتطرفة والمعبأة بالأيديولوجيات الفكرية التي تزرعها عنوة في عقول الأطفال.

وبالانتقال أبعد، إلى دول اللجوء الإقليمية، كتركيا ولبنان والأردن، فقد باتت سمة التسول والتشرد في الشوارع، من أبرز الظواهر المنتشرة بين الأطفال السوريين وبكثرة، أما الأطفال في دول اللجوء الأوروبية، فبدؤوا يفقدون لغتهم، وباتوا بالكاد يتكلمون لغتهم الأم، على الرغم من محاولة الأهل الحفاظ على لغتهم، فضلًا عن أن فكرهم وعاداتهم بدأت تتطبع بطباع بلد الهجرة، مبتعدين من انتمائهم السوري.

بالمجمل، نحن أمام جيل من الأطفال التائهين، الذين يُفترض أنهم من سيبني سورية، وسيبني مستقبلها، ولا تعليم ولا مدارس طبيعية أو مناهج علمية ترقى بالجيل، ولا حتى تمحو أميته الفكرية، ولا جوّ أسريًا طبيعيًا يحتاج إليه كل طفل لينشأ بنفسية سوية، فضلًا عن الأمراض الاجتماعية والنفسية التي تعرّض لها مئات آلاف الأطفال السوريين نتيجة الحرب، ولا استقرار بل تشرّدٌ بين مخيمات النزوح واللجوء، واستغلال ومهانة وتسوّل، وعمل مبكّر وحياة بؤس وشقاء، وانسلاخ عن البيئة والثقافة واللغة، فأي مستقبل ذاك الذي ينتظر سورية، وأي جيل يكبر الآن ليكون عماد مستقبلها! وتمرّ السنون والمشكلة تكبر وتتفاقم، والخوف أن يرى السوريون أنفسهم أمام أمر جلل بعد فوات الأوان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق