أدب وفنون

كونشيرتو اللقاء الأخير

الآن … أقرعُ صدري على فراغِ العمر

فلا تخفْ

الصوتُ يركضُ في الدُّروبِ

حضني عصافيرُ حُزن.. كتفي وشعري وخلخالي

فلا تخفْ..

تقول الحكاية: ماذا عن حربٍ تمشي على منعطفاتِ البلاد؟

الحزن يفرد أجنحته علينا … بشرًا وبلادًا.. وأمهاتٍ يُرقعن غيابَنا بمواويلَ عتيقةٍ..

لا تخفْ

قُلْ للحياةِ سنلعبُ على الوقت ….. نرمي للنهرِ مراكبَنا وللسماء

فراشاتنا

كمحطةٍ غريبةٍ تقفُ الحربُ

نموتُ هُنَا.. وهُنَاك نموتُ

كقيامةٍ تولولُ الحربُ..

القطاراتُ تصفرُ.. والسفنُ لا تصلْ

حتى الهواء يهربُ …. ولا سماءَ نقف تحتها

فلا تخفْ

أنا هُنا على طرفِ الصحراء… الحربُ في اليمنِ وفي الشَّامِ

وهناك تَكتبُ أنت عن “صمتِ الضحية”

وتهمس: “من الأوّل”

وأقولُ.. في محطتي اللائبة.. لتكُن حبيبي الأخير

الحربُ صورةٌ ودمار….. نحنُ نموتُ.. وأنتُم تتفرجون

وفي الحربِ كُلُنا غرقى وأسرى وهائمون

فلا تستعجلْ الطَّريق

غصنُ روحي مكسور.. والريحُ لا تهدأ

لا تخفْ

المركبُ سكران ….. والموجُ يشيلُ.. وسهادُ مخدتي لن ينجوَ

دروب لا تأتي.. وأنا لا أمضي.. أقفُ كمطرِ الذهول…

على بابِ الغيابِ أسندُ رأسي والأشرعةُ تختفي

المدنُ خرابٌ

تقول: إنَّها الحربُ … فلنخرجْ من قيامةٍ مؤبدة… أدخلُ جنَّتك … على طرفِ غيمةٍ … أنت أرضي حتى آخرِ غابةٍ …. فلنَخرُجْ حبيبتي نحوَ مطرٍ وغناء.

قل لي: وهل ينفع الفجر إذا لم نصحُ؟

لا تخفْ

أمضي إليكَ …هناكَ …أطلُّ على قمرِ الشَّام

أقطعُ ألفَ خيالٍ … إنَّهُ الطريق….

والطقسُ كما أولِّ المطر

السفرجل وتين الغواية … وخوابي الزمن العتيقة

من أنا… خلف أبوابِ مدينتي المغلقة؟

أقول مدينتي سقطت سهوًا من الجنة…

لم تقلْ … ضحكتَ حتى البكاء … ضحكتَ حتى الصراخ… عضضتَ على قميصِك… لِكْ آآآآآآآآآخ

وكنتُ خريفًا غامضًا أنتظر أولَ الحبِّ

….المطرُ عشقٌ تقول ….

والقبلةُ فصلُ نبيذ

وكانت دمشقُ ترتدي معطفَها تتوارى.. تعصبُ رأسَها بمنديلِ جدتي وتبكي علينا

تتفقدُ قطَطَها وأحفادَها ….. وجيرانَها … ومن أرضعتْهُم … كي تكبرَ شجرةُ أمومتِها ….

فمن أكونُ غدًا؟

هل ستلدني أمِّي مرةً أخرى …؟ أم سأخرجُ من ضِلعك … أم كلّ شيء يمضي سدى؟

العيونُ تبحث عن أساورَ النساءِ في لوحاتِ نذير نبعة….. عن بيتهِ المجنون

فمن يرسم كلَّ هذا الرماد…؟

النهرُ بلا أيِّ رغبةٍ يمضي

ظلٌ يجرُّ ظلًا …وعتمةٌ تلوَ أخرى.. والنهرُ دمٌ يشيل ويشيل

دروبٌ.. وأزقةٌ وحاراتٌ تُفْضِي إلى شارعٍ وقرى

وعلى بابي تتدلى عناقيدُ حزنٍ

في محطتي الأخيرة.. أحبُك …أحبُك …. أتسمع صدى الأيام؟

أتسمعْ حفيفَ العُمْرِ؟

زقزقةَ العصافيرِ

موسيقى فرجارد

ناياتِ أورفيوس

أتسمعْ رجع الصدى؟

أحبُكَ

أُحنّي لك أناملَ القصيدة

وأزيُّن قدمهَا بخلخالٍ.. أتسمعْ رنينَ أحصنتي

إنها تركضُ هناك

لا تخفْ

بلَلَنِي المطرُ وامتلأتُ برائحةِ تُرابك

الحياةُ تهدرُ وتغلي

كيفَ تمشي الحرائقُ

أدورُ حولَ حيرتي

أُسَكِّنْ عُزلتي بالغناء

أذهبُ وأعودُ من حيثِ لا أعرف

للوطنِ الذي باتَ غريبًا ومُستباحًا

كغربالِ القمح تنسربُ أعمارُنا

من يفرُك عيونَ الزَّمن.. عيونٌ مرمدةٌ حمراءُ بلونِ الدَّمِ والمجازرِ

أسكّن وجعي بالغناء

لا تخفْ

في محطتي الأخيرة

أنتظرُكَ

ربما تصمتُ ريحُ الحرب

أتسمعْ التشيلو وعازفي الإيقاع؟

أتسمعْ مزمارَ موتِ شعوبِ المايا؟

في الحرب يهيمُ الناسُ في البراري

وأهيم فيكَ

لا تخفْ

ستسقطُ الحربُ على الرصيف الأخير

فهل مرّ عمرنا سدى؟

من أنا في غيابك …. تقول الحكاية

هل مرّ عمرنا سدًى؟

سينتهي الكابوس وأنا في المحطة الأخيرة أنتظر

وأقول

أحبّك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق