ترجماتسلايدر

اليوم مررت ببيتكم في سورية لكن لم يكن فيه أحد

بعد ثماني سنوات من الحرب في سورية، قمتُ بزيارةٍ إلى المنزل الذي عاش فيه صديقي هاني الموليا. ولكن منزله، مثل أماكن كثيرة في مدينته، مسقط رأسه، كان في حالة خراب.

في تلك الليلة، كتبتُ رسالةً إلى هاني:

عزيزي هاني

مررتُ ببيتكم اليوم، لكنك لم تكن في البيت. ولم يكن فيه من أحد. لم يكن والداك هناك لأشرب معهما الشاي، ولم تكن هناك أي علامة تشير إلى وجود إخوتك أو أخواتك. وجيرانك أيضًا، يا هاني، لم يكونوا هناك.. لقد رحلوا كلهم.

كنتُ أتمنى أن أطرق الباب، ولكن لم يبقَ باب لبيتكم، إنه غير موجود.. بيتكم اليوم من دون باب. ليس الباب وحسب، بل المفصلات والإطار الذي ثبته ذات يوم على الحائط أيضًا ليس لها من وجود، كانت الأرضيات مغطاة بالركام.

أكره أن أقول ذلك، ولكن المكان، مع الأسف، كان حُطامًا.

أنت تعرف، بالتأكيد، أنني لا أتحدث عن منزل أسرتك الجديد في وسط كندا، على بعد آلاف الكيلومترات. وإنما أقصد منزلكم المكوّن من طابقين، حيث نشأت في سورية، المنزل الذي أُجبرت على الفرار منه، قبل ستة أعوام ونصف، يومَ أصبحتَ لاجئًا.

عزيزي هاني، أنا هنا في حمص، في مدينتك، مسقط رأسك. أتذكّر أنك أخبرتني عن هذا المكان، عندما التقيتُ بك أول مرة في لبنان، وخيّمنا مع آلاف السوريين الآخرين في أحد حقول المزارعين. كانت الحرب مستعرة هنا، يومها حدثتني عن والدتك قبل أن تهرب من البيت كيف كانت تتوسل إليك ألا تذهب إلى المدرسة. كانت يومذاك خائفة من أن تتعرض لإطلاق النار أو اقتلاع حنجرتك، تمامًا مثل عمك وعمتك وابن عمك. أخبرتَني عن الأصدقاء الذين فقدتهم، وعن موسيقى الراب التي عزفناها معًا، والقصائد التي اعتدتَ أن تكتبها. كنتَ يائسًا لأنك لم تتمكن من مواصلة تعليمك، وشعرتُ أنا وزملائي بأن علينا أن نروي قصتك.

أنا الآن هنا لإجراء مقابلة مع أشخاص يعودون ببطء من مناطق أخرى من البلاد، بعد أن ناضلوا سنوات للبقاء بعيدًا من الأذى والضرر. غالبًا ما يعودون إلى ما تبقى من بلادهم. يذكّرني مدى الدمار الملحمي بغرب الموصل، حيث واجهتُ حالة مشابهة في الصيف الماضي: أناس مرهقون من الحرب، تُعرب ندوبهم عن كل ما تحمّلوه، ويتوقون إلى البدء من جديد.

تحدثت إحدى العائلات التي قابلتها اليوم عن كفاحها لإيجاد عمل ومأوى، خلال السنوات القليلة الماضية. بعد عودتهم إلى شقتهم في حي القصور منذ عدة أشهر، صُعقوا حينما شاهدوا أن كل شيء تركوه قد تعرّض للنهب أو الحرق أو القصف. الحطام كان يملأ المكان من الأرض إلى السقف.

ببطء كانوا يجمعون أشياءهم من جديد. بمساعدة من زملائي، قام جهاد وأبناؤه بتثبيت النوافذ والأبواب لتأمين الدفء والأمان للأسرة. حداد وعامل مهني موهوب، يتوق إلى فعل المزيد. قال وهو يشير بيديه القاسية إلى الواجهات المنهارة لأعلى ولأسفل: “سأصلح كل منزل من هذه المنازل من أجلكم. فقط أعطوني الأدوات”.

بعد ذلك، أخذني هو وأولاده إلى السطح لرؤية طيور الحمام. قام عبد الملك، البالغ من العمر 12 عامًا، بفتح الأقفاص، وسرعان ما كان رفّ الحمام البالغ عدده 40 طيرًا تقريبًا يدور حوله، ويجتاح سماء المدينة المكسورة بسهولة.

بعد مشاهدة الطيور تعود إلى أمكنتها، إلى أقفاصها، ذهبتُ إلى حارتكم، ومشيتُ في شارع بيتكم. لم تكن هناك أي سيارة متوقفة. يبدو كما لو كان الجميع قد حزم أمتعته وذهب في عطلة في وقت واحد. لكنني أعرف أن هذا لم يكن عطلة لأي منكم.

بعد ثماني سنوات من الصراع، غادر الوطنَ نصفُ سكان بلدكم. أجبروكم على النزوح، مرات عديدة في كثير من الأحيان. اليوم، لا يزال 5,6 مليون سوري يعيشون كلاجئين في البلدان المجاورة. ولا يزال هناك ملايين آخرون مشردين داخل سورية. قلة صغيرة نسبيًا حصلوا، مثلك، على فرصة ثانية في مكان آخر من العالم.

في الشارع، لم تكن هناك قطط أو كلاب شاردة. ولا حتى أي طير. كان الصوت الوحيد هو صوت بعيد لمنشار تقطيع المعادن. حارتكم، يا هاني، أصبحت مدينة أشباح، خراب.

البيت الذي كان يعيش فيه هاني. مفوضية اللاجئين/ كريس ريردون

عندما وصلت إلى منزلكم، وقفتُ عند المدخل وحدقتُ في المكان، مثل بطل خارق يتمتع برؤية نفاذة. فكرت في كاسحة الجليد العتيقة المحطمة: إذا كان بإمكانك اختيار قدرة خارقة، فهل تفضل أن تكون لك القدرة لأن ترى من خلال الجدران أم أن تطير؟ بعد ما رأيته اليوم -القوس الجميل لحمّام عبد الملك، المنظر القاتم في غرفة معيشتك الفارغة- سأختار دائمًا الطيران.

لقد سُرقت الأبواب الداخلية أيضًا، حتى باب الحمام ذي البلاط الأزرق والأبيض، وهو مفتوح الآن بمواجهة مباشرةً للشارع. وانهار سقف المطبخ، لذلك تمكنت من رؤية إحدى غرف النوم في الطابق الثاني، ربما تلك التي كنت تجلس فيها تعزف موسيقاك وتكتب أشعارك. خارج نافذة غرفة معيشتك، بين كومة من الزجاج المحطم حول قدميّ، وقفتُ وصرت أحدّق في الفراغ.

هذا ما يحدث في منطقة الحرب. في أي وقت تنحسر فيه المعارك، يأتي المعفشون ويأخذون ما تبقى. ليس فقط الأجهزة والأثاث والأواني. إنهم يجردون أسلاك وأجهزة الإنارة، والمقابس الكهربائية، والأسلاك. يأخذون الأبواب والنوافذ، والإطارات الخشبية أو المعدنية التي تركتها في مكانها.

الخشب لربما يحرقونه طلبًا للدفء أو كوقود للطهي. الباقي يقايضونه أو يبيعونه لتاجر الخردة، الذي يبيعه لشخص آخر ليصهره. البعض منهم، بلا شك، يسعى للاستفادة من مصيبة الآخرين. لكن معظمهم، كما أتصور، يائسون مثل أولئك الذين يفرون، فقط يفعلون ما في وسعهم للبقاء على قيد الحياة.

حتى في حالته الراهنة، يا هاني، منزلكم في حمص أجمل بكثير من ذلك المكان الذي كنتَ تعيش فيه عندما التقينا للمرة الأولى، قبل خمسة شتاءات مضت. هل تتذكر ذلك المأوى المؤقت في لبنان، الملفح بأغطية بلاستيكية، مع موقد الحطب فقط للحفاظ على الدفء؟ أمّك صبّت لنا الشاي، وبعد ذلك وقفنا في الخارج ونظرنا صوب سورية، إلى تلك التلال المغطاة بالثلوج والقريبة جدًا لدرجة أننا كنا نصل إليها مشيًا في ساعة أو ساعتين.

فكرت في الذهاب إلى منزلكم القديم، معتقدًا أنني قد أجد شيئًا تركته وراءك: أي شيء كان عزيزًا عليك ذات يوم أو أي شيء كنت تستخدمه يوميًا يمكن أن أقدمه لك كتذكار. ثم تذكرت كيف أنك كنت متأكدًا من جلب الأشياء المهمة، قبل أن تهرب: جلاءات مدرستك، وشهاداتك التي أتاحت لك مواصلة تعليمك في المنفى.

في النهاية، لم أعبر العتبة. لقد أجريت تدريبات أمنية كافية لنعرف أنه قد يكون هناك أضرار هيكلية أو متفجرات في الداخل، مثل الهاون الذي صادفناه أنا وزملائي قبل عدة ساعات. أو ربما أخطو على مسمار صدئ. لكن في الغالب، كان شعورًا خاطئًا، مثل السقوط وسط الحطام بعد حادث مروع.

هاني وشقيقه أشرف يتجولان خارج خيمتهما في سهل البقاع اللبناني في آذار/ مارس 2014.

إنه الوقت نفسه من كل عام، حيث تذكرنا وسائل الإعلام بأن الصراع في سورية بدأ في 15 آذار/ مارس 2011، لكننا كلانا نعرف أن الحروب نادرًا ما تبدأ أو تتوقف بمثل هذه الدقة. نعلم أيضًا أن لهذا التاريخ معنًى آخر بالنسبة إلى عائلتك: إنه اليوم الذي وُلد فيه أخوك الأصغر. إنه لأمر مدهش مدى السرعة التي مرت بها هذه الأعوام الثماني، ومدى بطئها. ما مقدار الألم الذي جلبته لعائلتك، وأيضًا بعض الفرح.

هاني، رجاءً تمنّى لأشرف عيد ميلاد سعيد ثامن، بدلًا مني. وقبل أن يُطفئ شموعه، ذكّره بأن يتمنى أمنية خاصة به. أكبر أمنية يمكن أن يتخيّلها. وأنت أيضًا تمنّى أمنية واحدة لنفسك.

اسم المقالة الأصلية I stopped by your house in Syria today, but no one was home
الكاتب كريس ريردون،Chris Reardon
مكان النشر وتاريخه ميديوم،Medium، 11/4
رابط المقالة https://medium.com/@scoop_reardon/i-stopped-by-your-house-in-syria-today-but-no-one-was-home-7b33dc301df2?fbclid=IwAR0UM_p-uhefuUnBNtB2s1eN6KJxYVyFoYvu7Q03hqpr-wCp-9ODHPI9GtY&gHa=true
عدد الكلمات 1100
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: رجل يركب دراجة هوائية في منطقة جورة الشياح بحمص في آذار/ مارس 2019. مفوضية شؤون اللاجئين/ كريس ريردون

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق