اقتصادسلايدر

النظام السوري يشدّد إجراءات بيع البنزين بعد تفاقم أزمة المحروقات

مصر تنفي صحة تصريحات رئيس حكومة الأسد

فجأة، وجد المواطنون، في مناطق سيطرة نظام بشار الأسد، أنفسهم ملزمين بالتقيّد بكمية يومية من البنزين، حددتها الجهات المسؤولة في الحكومة بقرار مؤقت، يقضي بتخفيض الكميات اليومية المخصصة، من 40 ليترًا إلى 20 ليترًا لسيارات الأجرة، ومثلها للسيارات الخاصة، ولكن بمعدل 20 ليترًا كل 48 ساعة، في مؤشر واضح على أنّ بوادر أزمة بنزين تلوح في الأفق، بعد أزمات الغاز والمازوت، وفقدان الكثير من المواد الرئيسية والسلع الغذائية، منذ عدّة أشهر.

كما قرر مجلس وزراء حكومة الأسد، أمس الأحد 14 الشهر الجاري، خفض كميات البنزين المخصّصة للآليات الحكومية، بنسبة 50 بالمئة، ووضع محطات وقود متنقلة وتشغيل المحطات المتوقفة بإشراف مباشر من وزارة النفط والثروة المعدنية. إضافة إلى وضع إجراءات جديدة لضبط توزيع مخصّصات محطات الوقود، مع مراعاة الكثافة السكانية في كل منطقة، بما يحقق العدالة والحدّ من أيّ هدر أو تهريب أو احتكار، كما ناقش المجلس إجراءات تعزيز كميات المشتقات النفطية المنتجة محليًا والموردة من الخارج، وتأمين التمويل اللازم لها.

قرارات حكومة الأسد تأتي على إثر ما تعانيه سورية، منذ نحو خمسة أشهر، من نقص حاد في بعض المشتقات النفطية والمواد الرئيسية، مثل حليب الأطفال.

طوابير تمتد مئات الأمتار كي يحصل المواطن على بضعة ليترات من البنزين
  • سورية تستهلك يوميًا 4.5 ملايين ليتر من البنزين

محطات الوقود في دمشق تشهد، منذ أكثر من أسبوعين، ازدحامًا غير مسبوق لسائقي السيارات الخاصّة والعامة، وهم ينتظرون في طوابير تمتد مئات الأمتار، كي يحصلوا على بضعة ليترات من البنزين لا تكفي حاجتهم لأكثر من يوم ونصف تقريبًا، ما يعني اضطرارهم إلى الوقوف يوميًا، أو كل يومين، في طوابير الذل والمهانة التي يريدها لهم النظام الأسدي.

وزارة النفط والثروة المعدنية في دمشق أصدرت، السبت السادس من الشهر الجاري، تعميمًا ينص، لمدة محدودة، على تخفيض الكمية اليومية المسموح بها للسيارات الخاصّة من 40 ليترًا إلى 20 ليترًا يوميًا. وخفّضت في تعميم آخر بعد يومين (الاثنين)، الكمية إلى 20 ليترًا كل يومين، على ألّا تتغير الكمية المسموح استهلاكها شهريًا عن 200 ليتر، وهي الكمية المدعومة من الحكومة.

علي غانم وزير النفط والثروة المعدنية في حكومة الأسد: خسائر القطاع تزيد على 74 مليار دولار منذ بداية الأزمة

علي غانم، وزير النفط والثروة المعدنية في حكومة الأسد، قال في تصريحات صحفية الأسبوع الماضي: إنّ “الهدف من هذه الخطوة “فسح المجال أمام أكبر عدد من المواطنين للتعبئة في اليوم الواحد”.

ولم يستبعد رئيس حكومة النظام عماد خميس، خلال لقاء مع عدد من الصحافيين المحليين، مطلع الشهر الجاري، احتمال صدور قرار بتخفيض كميات البنزين المدعومة من الحكومة، مكتفيًا بالقول: إنّ “المشروع لا يزال في طور الدراسة”، مشيدًا بفاعلية “البطاقة الذكية” ودورها في الحدِّ من تهريب البنزين، ومعتبرًا في الوقت ذاته أنّ “رفع السعر لن يؤثر إلّا على الشريحة المالكة للسيارات الفارهة”، وأنّ “قاعدة بيانات الحكومة التي أخذتها من “البطاقة الذكية” تشير إلى أنّ متوسط الاستهلاك الاعتيادي هو بحدود 120 ليترًا لكل سيارة شهريًا”.

ووفقًا لبيانات وزارة النفط والثروة المعدنية، فإنّ سورية تستهلك يوميًا 4.5 ملايين ليتر من البنزين، بينما يصل حجم الدعم اليومي للمشتقات النفطية إلى 1.2 مليار ليرة سورية (2.76 مليون دولار).

وأرجع خميس، أزمة المشتقات النفطية إلى التوقف الكامل لخط الائتمان النفطي الإيراني، منذ ستة أشهر، الذي كان يقضي بوصول ناقلتي نفط شهريًا إلى سورية، تحمل كل منهما مليون برميل، وتقوم المصافي المحلية بتكريرها، وطرحها في الأسواق لتغطية الاستهلاك المحلي، إضافة إلى استيراد النقص في حال حدوثه، من جهات أخرى على شكل مشتقات نفطية.

وبرر رئيس حكومة الأسد توقف الخط الائتماني الإيراني، بأسباب ومفاعيل الحصار والعقوبات الاقتصادية، مدعيًا فشل جميع المحاولات السورية بإقناع الجانب المصري بتمرير ناقلات النفط الإيراني عبر قناة السويس، الأمر الذي كانت مصر قد نفته سابقًا بشكل رسمي، ليكرر من جديد رواية النظام عن وجود تهديد أميركي بإطلاق النار على كل ناقلة نفط متجهة إلى سورية، مضيفًا إلى هذه الأسباب محاولات التضييق على الشركات الناقلة، وصعوبة التحويلات المالية في ظل الحصار.

من جهتها، نفت الحكومة المصرية، يوم الأربعاء الماضي، تصريح رئيس حكومة النظام عماد خميس، حول منع السفن المحملة بالنفط المتجهة إلى سورية من عبور قناة السويس، مؤكدة أنّها عارية تمامًا عن الصحة.

مصر تنفي صحة تصريحات عماد خميس رئيس حكومة بشار الأسد

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري في بيان له، بحسب صحيفة (أخبار اليوم) القاهرية: إنّ “ما تردد في بعض وسائل الإعلام المحلية والأجنبية وصفحات التواصل الاجتماعي من أنباء، بشأن منع هيئة قناة السويس عبور السفن المحملة بالنفط للدولة السورية، غير صحيح”. موضحًا أنّه “تواصل مع هيئة قناة السويس، ونفت تلك الأنباء بشكل قاطع، مؤكدة أنّه لا صحة على الإطلاق لمنع الهيئة عبور أيّ سفن متجهة إلى سورية”.

  • المواطن السوري إلى السوق السوداء، دُر

الازدحام أمام محطات الوقود بدأ قبل أسبوعين، بعد تداول معلومات عن توجه النظام إلى تخفيض الدعم للبنزين، ما دفع بأصحاب السيارات إلى المسارعة لتعبئة سياراتهم. وبعد القرار الحكومي، لا يجد المواطن الذي يحتاج إلى كمية أكبر من البنزين خيارًا أمامه إلّا السوق السوداء، بضعف سعر الكمية ذاتها من البنزين المدعوم.

ونفى مصدر في الشركة السورية لتخزين وتوزيع المواد البترولية (محروقات)، بحسب موقع “الاقتصادي” الإلكتروني الموالي، هذا الأسبوع، أن يكون سبب الازدحام على المحطات ما أشيع مؤخرًا عن دراسة خفض مخصصات “البطاقة الذكية” من البنزين إلى 100 ليتر، ورفع الدعم الحكومي عن المادة.

وعن أسباب الازدحام، قال المصدر إنّ “تأخر حمولات الوقود يمكن أن يكون السبب في ازدحام محطات الوقود، إضافة إلى وجود ضغط وزيادة في الطلب”، كما أنّ “العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد هي السبب الأول والأخير لما يحدث”.

وقرّر سائقو سيارات الأجرة في دمشق، السبت، رفع التعرفة بنسبة تجاوزت 50 في المئة، متذرعين بقلة كميات البنزين، والانتظار ساعات طويلة من أجل الحصول على 20 ليترًا، وزعموا أنّ ذلك قد خفضّ مدخولهم اليومي.

  • عقوبات لتجفيف الخط الائتماني النفطي الإيراني

بحسب تقارير نشرت في صحف موالية للنظام، فإنّ رفع التعرفة تم دون صدور قرار رسمي بذلك، ما يعني أنّ الخاسر الوحيد هو المواطن، في ظل هذا الغلاء الفاحش. ويؤكد مسؤولون سوريون، بينهم رئيس النظام بشار الأسد، أنّ بلادهم تواجه حربًا جديدة تتمثل في الحصار والعقوبات الاقتصادية.

ويلقي هؤلاء المسؤولية على هذه العقوبات التي تفرضها مجموعة دول عربية وأوروبية، فضلًا عن الإدارة الأميركية على نظام الأسد، ما يحول دون “وصول العبّارات التي تحمل المشتقات النفطية إلى سورية”. بحسب زعمهم.

وفاقمت العقوبات الأميركية الأخيرة على نظام الملالي في طهران، أبرز داعمي الأسد، أزمةَ المحروقات في سورية التي تعتمد على خط ائتماني يربطها بطهران لتأمين النفط بشكل رئيسي.

ويعتبر الخط الائتماني النفطي الإيراني، بحسب خبراء في الاقتصاد السوري، أحد أهم الموارد المالية للحكومة السورية. إذ يقوم نظام الأسد ببيع النفط الإيراني (المُقدّم كدين مؤجل السداد)، بالتجزئة في السوق المحلية بعد تكريره. وتعتبر هذه العملية أهم مصدر مالي للخزينة السورية.

وتعطل هذا الخط، بسبب تزايد العقوبات على الشواحن الإيرانية المتجهة إلى سورية، يزيد من مصاعب النظام المالية، ويدفعه إلى رفع الأسعار والتقنين، عبر خطوات تدريجية، وسط تآكل مستمر لقيمة العملة السورية. ولوّحت وزارة الخزانة الأميركية، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بفرض عقوبات على كل الجهات أو الأشخاص المنخرطين في عملية شحن النفط إلى سورية.

وتزامن ذلك مع تعطيل واشنطن شبكة دولية، قالت إنّ طهران وفرت من خلالها وبالتعاون مع شركات روسية “ملايين براميل النفط للحكومة السورية”. وبلغ إنتاج سورية في عام 2011 نحو 400 ألف برميل نفط يوميًا، أكثر من نصفها للاستهلاك المحلي والباقي للتصدير، أمّا اليوم فلا تتجاوز نسبة الإنتاج 14 ألف برميل، بحسب مصادر حكومة النظام.

ومُني قطاع النفط بخسائر كبرى، خلال سنوات الحرب، بينما ما تزال غالبية حقول النفط والغاز تحت سيطرة (قوات سوريا الديمقراطية)، المدعومة أميركيًا، في شمال سورية وشرقها.

سائقو سيارات الأجرة في دمشق قرروا رفع التعرفة بنسبة تجاوزت 50 في المئة

وكان وزير النفط في نظام الأسد، قد قال للتلفزيون الرسمي: إنّ “خسائر القطاع النفطي المباشرة وغير المباشرة تزيد على 74 مليار دولار منذ بداية الأزمة”.

يأتي تفاقم أزمة البنزين بعدما شهدت عموم مناطق سيطرة النظام، منذ اشتداد موجة البرد، قبل أشهر، أزمات خانقة في توفر الغاز المنزلي، ونقص كبير في وقود التدفئة وإعادة تقنين انقطاع التيار الكهربائي ساعات طويلة، إضافة إلى تراجع قياسي في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار الأميركي، ما أدى إلى تحليق جديد في الأسعار ضيق سبل العيش، وجعل حياة السوريين بالغة الصعوبة.

ولاحتواء أزمة المحروقات، بدأت حكومة النظام منذ عام وبشكل تدريجي، العمل بنظام “البطاقة الذكية”، التي تحدد عدد الليترات المسموح به للمواطن شهريًا، بهدف تنظيم وترشيد الاستهلاك والحدّ من عمليات التهريب. وسمح ذلك بتوفير أكثر من 1.3 مليون ليتر يوميًا من البنزين، وفق بيانات رئاسة حكومة النظام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق