مقالات الرأي

الجلاء المسروق ولحظة الحقيقة

طقوس الاحتفاء بيوم الجلاء السوري، أو الاستقلال عن المستعمر الفرنسي، لها أثرٌ مميزٌ في عهد النظام الأسدي، فقد كانت الصرخات والدبكات والاحتفالات المقامة في عموم المحافظات السورية، من تلفزيونه في ساحة الأمويين إلى نقطة “الحدود” مع الجولان المحتل، تنتهي بخطاب الصيحة المتبادلة، وتأكيد جملة من شعارات بقيت لأكثر من خمسين عامًا راسخة عن الجلاء المؤجّل، حتى الاحتفاء به في 17 نيسان/ أبريل كل عام، وسُمح بموجبه للسوريين آنذاك بالوصول إلى أراضي سورية في الجولان، من دون تصاريح أمنية، والأهم في أثر الاحتفاء بيوم الاستقلال أن تملأ صور طاغية سورية الساحات والميادين، لتغطي على يوم الاستقلال ورجالاته وبطولاته.

كان أثر الاستقلال السوري، في كتبٍ وثقافةٍ رسمية سورية، مادةً دعائية واستعمالية من قبل النظام يتعكز عليها في ترسيخ صورته وسطوته، أملًا في طمس و”إخصاء” قدرة السوري على التفكير في الاستقلال المكثف لمعنى الحرية، وهو ما فعله النظام حين فصل بين مفهوم الاستقلال عن المستعمر، وبين الحرية، على اعتبار أن النظام جزءٌ من الاستقلال القائم، وامتداد له مع نسله الحاكم، وهو جهدٌ بذله النظام من خمسين عامًا، لربط نفسه بمفردات الاستقلال والكرامة الوطنية ومقاومة المستعمر، مع ربط نفسه ربطًا وثيقًا بشعارات الممانعة والمقاومة، حتى تفجرت ثورة الشعب السوري.

عكست سنوات الثورة السورية مقدار الترابط الحقيقي، بين نظام سرق استقلال السوريين الحقيقي، وبين قوى استعان بها لتقضي على ما تبقى من حلم إنجاز التحرر الفعلي، وللحفاظ على التزامات ملموسة مع مستعمرين جدد، لجأ النظام إلى التفريط بمقدرات سورية البشرية والاقتصادية لصالح المستعمرين في طهران وموسكو، ومنحَهم عقودًا ضخمة اقتصادية وقواعد عسكرية، لا يُقال عنها سوى أنها رهن الوطن كله للمستعمر، مقابل أن يكون النظام جلادًا على كرسي الحكم.

تعرّى النظام السوري من كل شيء، وظهرت وثيقةٌ من حقبة المستعمر الفرنسي، في آب/ أغسطس 2012، ترد على مندوبه في الأمم المتحدة بشار الجعفري، على لسان السفير الفرنسي جيرار آرو، تقول: “بما أنكم تحدثتم عن مرحلة احتلال فرنسا لسورية، فمن واجبي أن أذكّركم أن جدّ رئيسكم الأسد قد طالب فرنسا بعدم الرحيل عن سورية ومنحها الاستقلال، بموجب وثيقة رسمية وقّع عليها، وهي محفوظة في وزارة الخارجية الفرنسية، وإن أحببتم فسأعطيكم نسخة منها”، ونُشرت الوثيقة في ذلك الحين، لتضاف إلى آلاف الوثائق والشواهد.

ما ذهب إليه سلوك النظام، في حقبة الأسد الأب والابن، بما يخص “عيد الاستقلال” عن المستعمر، يعكس بوضوح الهدف لقطع الطريق أمام السوريين لإتمام ما أنجزوه قبل سبعة عقود، فقد أوقف الأسد الأب الزمن خمسين عامًا، وسرق أعوام ما بعد الجلاء وأخفاها في جيب ابنه، طاغية سورية الجديد، وحاول تلطيخ تلك الفترة المُنيرة ما بعد الاستقلال بمواثيقها وهياكلها وممارساتها، يطغيان صورته على كل شيء تلا مرحلة طرد المستعمر.

شهد الربع الأول من القرن الماضي ولادة الثورة السورية الكبرى على الانتداب، والعشرية الثانية من القرن الحالي تشهد المولود الثاني لثورة السوريين على الطاغية وقوى احتلاله المتعكز عليها بتدمير ومقاومة السوريين. الاستقلال ما زال قيد التطور، والسوريون في معترك معركة معقدة ومركبة ليس مع المستعمرين فقط، بل مع خفير المحتل في دمشق الذي استعان بهم لقتل منجز الاستقلال الثاني.

لحظة الحقيقة، في يوم الجلاء، تقول إن حرية وكرامة ومواطنة أهل سورية، هي الاستقلال بالانعتاق من الطاغية وجرائمه، ودون التخلص من فاشي سورية، وقطع جذوره الاستعمارية، سيبقى الجلاء دبكة وصيحة وشعارًا، وخطابًا أمام صنم القاتل، وتلك خديعة لم تعد تنطلي على حقائق من دم وأشلاء سورية وشعبها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق