تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

السودان.. تجاوز نظام العسكر وتأطير الديمقراطية

المشهد الراهن

لم تكن السودان بمعزل عن تحولات الربيع العربي، حين اندلاعها في 2011، حيث سارع السودانيون إلى استغلال شرارة التغيير على نظام مستعص منذ 30 عامًا، لكن الرياح آنذاك لم تجر باتجاه منطق الشعوب، إذ كان الرئيس المخلوع عمر البشير ممسكًا بزمام الأمور، ليس على المستوى الداخلي فحسب، بحكم تشعب تحالفاته مع الأحزاب، بل على الصعيد الخارجي أيضًا، حيث كان من أكثر الزعماء تحكمًا في التوازنات الدولية، واستطاع توظفيها لمصلحة بقائه في السلطة طوال مدة حكمه، لكن ما جرى من متغيرات، في الأسبوع الماضي، فرض معادلات جديدة، كانت أكبر من إمكانات البشير أن ينجح في النهج المتبع منذ عقود، ولعل ما حدث في الجزائر وليبيا أسهم في وصول الحراك إلى مستوياته العليا داخل السودان، وهو السبب الذي كان أقوى من مقومات البشير، فعلى سبيل المثال، كان البشير دائمًا يوظف علاقاته الخارجية بهدف السيطرة على الداخل، لكن المتغيرات الخارجية هذه المرة أسهمَت في فقدانه السيطرة على الداخل؛ الأمر الذي ساهم في تجديد جذوة الحراك الشعبي بكامل أطياف الشعب وتكتل لأحزاب المعارضة، من مهنيين وأطباء ومحاميين، إذ قلبت كفة التوازنات لصالحها، وأجبرت المجتمع الدولي على التماهي مع متطلبات الشعب والنزول عند رغباته، وقد تسارعت التطورات بشكل متسارع لتصل، بين ليلة وضحاها، إلى تنفيذ انقلاب عسكري على النظام الرئاسي وكامل رموزه، بقيادة المستشار الأول ووزير الدفاع عوض ابن عوف، الذي انقلب عليه المتظاهرون، ورفضوا بيانه العسكري الذي جاء عشية اعتقال البشير في 11 نيسان/ أبريل الحالي، بدعوى أن بيانه يعتبر انقلابًا داخل القصر الرئاسي فحسب، ولا يلبي تطلعات السودانيين، وينحصر في استبدال طاغية بآخر. وقد أجمعت أحزاب المعارضة لقوى التغيير والحرية، ومؤتمر حزب السودان، وتجمع المهنيين السودانيين، على ضرورة تنحي ابن عوف، الذي ما لبث أن استجاب للمتظاهرين وأعلن تنحيه عن رئاسة المجلس العسكري، وتعيين الفريق عبد الفتاح البرهان رئيسًا له، وقد أصدر الأخير بيانًا أعلن فيه انفتاحه الكامل مع التيارات والأحزاب السياسية، بهدف الوصول إلى صيغة توافقية تضمن إشراك القوة المدنية في رئاسة المجلس المؤقت، بمدة تنتهي بعد عامين.

لاقى إعلان البرهان رضًا نسبيًا من جميع التيارات السياسية المدنية، المتطلعة للانخراط في العمل السياسي، أول مرة منذ سقوط البشير، لكن ذلك لا يعني أن القادم سيتحقق بليونة وسلاسة، فما زال الطريق يشوبه تعقيدات متراكمة تحتاج إلى البحث فيها والعمل عليها بخطًى حذرة، ولا سيما أن الدول الكبرى المؤثرة في المشهد السوداني تقوم بترتيب المشهد من الخلف، وتسعى لزيادة جرعة التأثر على التطورات الراهنة، وقد اتضح ذلك، من خلال رفض بعض الدول، كروسيا، الانقلاب على البشير، إذ اعتبرت أنه غير دستوري، وأخرى رحبت به. وبِلغة العلاقات الدولية: إن القوى الكبرى تسعى لترتيب وضع جديد بشكل بتناسب مع مصالحها في المنطقة، وفي الوقت نفسه توجد قوى صاعدة ستسعى لخلط الأوراق وعرقلة أي تحول ديمقراطي أو تحقيق عوامل الاستقرار. وبناءً على هذه المعطيات، يمكن القول إن التغييرات التي طرأت على سياسات الدول الكبرى والمتنافسة، في المنطقتين الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بدأت تتبلور في بعض الدول بشكل مختلف عمّا تم تحقيقه في سورية والعراق، كما أن هذه المتغيرات هي التي قادت في نهاية المطاف إلى الإطاحة بالرئيس البشير، وفق ما يلي:

– البشير وقع أخيرًا في فخ لعبة التوازنات الكبرى، فانقطعت به حباله الممتدة بين إيران وموسكو والسعودية والإمارات وأبوظبي، فبعد تحكمه في التوازنات الدولية ثلاثين عامًا، انتهت أخيرًا مرحلة اللعب مع الحلفاء والخصوم من أقصى اليسار العلماني الليبرالي إلى أقصى اليمين المتشدد الإسلامي، الأمر الذي قاد إلى نجاح انقلاب عسكري على غرار الانقلاب العسكري في مصر، لينتهي عصر قديم  كان مليئًا بالمعاناة، ما تزال إرهاصاته ماثلة في ذاكرة السودانيين، كأحداث تقسيم السودان على يد البشير، والتصفية الجماعية والتهجير القسري والاغتصاب في أحداث دارفور 2003، وصولًا إلى مسلسل القمع والتشريد الذي تزامن مع أحداث ثورات الربيع في 2013، وصولًا إلى أحداث الانتفاضة الأخيرة، في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2018 على خلفية تراكم الأزمات الاقتصادية والسياسية.

– فشل البشير في احتواء الأزمة، محليًا ودوليًا، بسبب عدم إصراره على عدم تقديم التنازلات أمام المتظاهرين، وقد مهّد ذلك الطريق أمام شخصيات نافذة من داخل الجيش، عملت على ترتيب موضوع الانقلاب بهندسة مع الخارج.

– الانقلاب جاء في توقيت حرج وحساس على كامل شريط الجغرافي الملتهب الأفريقي، حيث أدى الحراك الجزائري الذي تُوج بإسقاط بوتفليقة، إلى عودة جذوة الحراك الشعبي والإرادة الشعبية لتفرض نفسها من جديد أمام جحافل العسكر في مناطق الجوار الإقليمي، والناظر إلى المشهد في ليبيا والجزائر والسودان يُدرك تمامًا أن ما يحدث هو فرض إرادة شعبية جديدة، أمام الرأي العام الدولي الذي غيّر استراتيجياته في المنطقة، من سياسية القمع والتشريد إلى سياسة احتواء الشعوب ومنع الهجرة، وأن دولًا مثل الجزائر والسودان تتمتع بأهمية جيوسياسية واقتصادية، بالنسبة إلى دول القارة الأوروبية التي ترغب في تحقيق استقرار نسبي، على الأقل خشية على أمنها القومي عبر البر والبجر، لذا فالتأثير الخارجي كان حاضرًا في إعادة تركيب المشهد من جديد.

بناء عليه، إن المشهد السوادني أفصح عن عدة أسباب قادت إلى الإطاحة بالبشير، وفتحت طريقًا جديدًا أمام قوى سياسية صاعدة لقيادة المرحلة الانتقالية، وقد تفسر نكسات البشر في اتجاهين أساسين.

أولًا: إخفاق البشير في التوازنات الداخلية

كان أمام البشير العديد من الخيارات لاحتواء المشهد الداخلي، عقب تفجره في كانون الأول/ ديسمبر 2018، نظرًا إلى أن العامل الاقتصادي كان شرارة الحراك آنذاك، بعد وصوله إلى مؤشر خطير على وقع ارتفاع نسبة التضخم إلى 70 بالمئة، وتدهور سعر العملة إلى 47.5 أمام الدولار، وبلوغ معدل البطالة 20 بالمئة، وارتفاع نسبة الفقر إلى 46 بالمئة، وفقدان ثلثي إيرادات البلد النفطية، بكل سهولة كان بإمكان البشير مداراة الوضع، وتلبية أصوات الشعب عبر منح امتيازات مالية، وتشكيل فرق اختصاصية بمعالجة الاقتصاد يكون عملها دراسة الأزمات الاقتصادية، وتقييمها وتقديم حلول جذرية لها عبر طرح خطط وبرامج تهدف إلى سد العجز وجذب الاستثمارات وغيرها، ولعل النماذج الناجحة في بعض الدول هي مثال حاضر يمكن الاستفادة منها حتى الاستعانة بها، لكن البشير أبى أن يستمع لصوت الشعب أو أن يلتفت للداخل، على العكس أغرق الشعب بالوعود الوهمية، حتى بلغ درجة الاحتقان، ما دعا إلى رفع سقف مطالب الشعب من إصلاحات إلى إسقاط حكومة البشير جملة وتفصيلًا، وقد أجمع حينذاك  22 حزبًا سياسيًا على كتابة بيان، طالب البشير بالتنحي عن السلطة، لكن البشير اختار المعادلة الأمنية وقمع التظاهرات واعتقل الكثير من رموزها، وقد عُرف عن البشير أنه “رجل التوازنات”، فقد شهد حكمه صعود للتيارات الإسلامية ووصولها إلى الحكم، وتحالف معها، ثم انقلب عليها وبدأ بملاحقة رموزها، ولا سيما بعد تقاربه مع المحور السعودي الإماراتي عرابي الثورات المضادة في كامل المنطقة.

ثانيًا: إخفاق في السياسة الخارجية

يُشهد للبشير أنه “رجل التحالفات المتناقضة والمتشعبة”، وقد استطاع على مدار 30 عامًا أن يوازن بين مصالح حلفائه، لكنه بدا في المرحلة الأخيرة عاجزًا عن إيجاد حل لأزماته الداخلية المتصاعدة، وقد كان تقربه من السعودية والإمارات وموسكو ودمشق، على حساب انقلابه على إيران، أحد المحطات التي رسمت نهاياته، حيث أصبح عبئًا دوليًا على الجميع لشدة التشعبات التي نسجها، فمن جهةٍ أبقى على بعض الخيوط مع إيران، مقابل اتباع اندفاع كامل نحو المحور السعودي الإماراتي، فإرسال مقاتلين سودانيين وزجهم في أتون حرب اليمن، مقابل حصوله على بعض الامتيازات الاقتصادية، ومن جهة أخرى حاول، من خلال زياته للأسد، فتح خط نحو موسكو، ظنًا منه أن الأخيرة ستكون له سندًا كما تمثل ذلك في حمايتها للأسد، لكن الرياح لم تجرِ كما يشتهي البشير هذه المرة، وعلى الرغم من أنه أعلن عداءه للإسلام السياسي، فإن تحالفاته الداخلية مع الأحزاب الإسلامية جعلته محسوبًا عليها، لذا فإن محاولة تلميع صورته قد باءت بالفشل، وهو الأمر الذي قاد إلى انقلاب حلفائه عليه وتركه لمصيره.

في المجمل، على الرغم من أن معالم خارطة السودان ما تزال غير واضحة وطويلة الأمد، فإنها مع الإطاحة بالبشير تكون قد أنهت حقبة مظلمة قد كلفت السودانيين خسائر كبيرة، فسقوط البشير بحد ذاته يعتبر نصرًا للإرادة الشعبية، بغض النظر عن المصاعب القادمة التي ستكون رهانًا بين إرادة رواد التغيير وبقية الجنرالات المتهالكة، ويمكن القول إن البشير فقَد أداوت التحكم في لعبة التوازنات الكبرى، بعد مشيه على رؤوس النار طوال فترة حكمه، فمَن دعمه في مرحلةٍ ما هو نفسه من قرّر التخلي عنه في اللحظات الأخيرة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق