هموم ثقافية

نقد البرابرة

علينا الاعتراف بأن عملية تأبين النص المسرحي لدينا تحوّلت إلى جثة شهية الطعم، بين أشداق المسرحيين، وهذا ما ولّد عقمًا نقديًا مخيفًا ومرعبًا، فهو إما يقع في استدعاء مفاهيم وإلصاقها لصقًا ببعض الأعمال المسرحية، من دون أن يتساءل عن المسافة التي تفصلها بين تجاربنا وتجارب الآخر، أو يعجز عن فهم تلك الأعمال نفسها، فيتهمها بالابتذال أو يرفضها، وهذا ما ولّد ضربًا من النقاد البرابرة. وعلينا ألا نبتئس، إن كان هناك ناقد بهذا الشكل “قوي وقادر، بصورة غير لائقة، على تدمير سمعة المبدعين بضربة واحدة من قلمه المسموم” (العبارة لـرونان ماكدونالد). طبعًا، المبدع المسرحي سيذكرنا في هذه الحالة بما قاله (نيتشه) معترضًا على (فيلاموفيتس) الذي لم يستسغه إطلاقًا: “لقد قرأني خطأ، لأنه لم يفهمني، جملة وتفصيلًا”. القضية هنا ستتخطى النقد المسرحي؛ إذ يحركها شعار واحد: من يحاكمُ من؟

ليس علينا في حالة كهذه تسريد التجارب المسرحية العربية التي ذهبت إلى نفي النص المسرحي، فهي واقعة سلفًا، بقدر ما يجب علينا الانتباه إلى أن معظمها ذهبت على هذا النحو، بشكل فيه الكثير من التخبط المعرفي والارتجالي، وهنا نتساءل -حتمًا- عن دور الناقد: هل تخلى عن مهماته الفلسفية والفكرية بوصفها المرجع النظري للمبدعين، وبالتالي ظلوا في ضياع مبين؟ هل تحوّل إلى مجرد هذيان صحفي وإنشائي لا همّ له غير الدعاية؟ هل ثمة تجارب نقدية وضعت نصب أعينها هذه المسألة؟ هل آن الأوان للإعلان عن موت النقاد؟ هل علينا الصراخ من أجل عودة الفلاسفة؟ هل تنبه النقاد إلى المسائل الإنتاجية للمسرح التي لا يمكن الحديث -من دونها- عن توظيف التكنولوجيا، كي تحل محل النص؟ هل هؤلاء المسرحيون على وعي تام بشروط توظيف التكنولوجيا دون عملية اغتيال آدمية المسرح؟ وما الإنسان دون منطوق وحكي؟

إنه لمن الحيف -الآن- أن نتجاهل راهن النقد المسرحي، ونتحدث عن علاقة المسرحيين بالنقاد بدلًا من ذلك. لقد أسقطت الشبكات العنكبوتية والمدونات الافتراضية وسرعة النشر هالة النقاد، ووصل بها الحد إلى جعل البعض منهم يعلن نواحه الحزين، بعد اندثار سلطته. نجحت -أيضًا- في دفع المبدعين والمخرجين المسرحين إلى التمرد على النقد الأكاديمي وغيره، وبدلًا من ذلك الاحتفال بأعمالهم -مهما كان وضعها الجمالي- فبالنسبة إليهم، إن “النقاد هم خصيان وسط الحريم: إنهم يعرفون كيف تجري العملية، وهم يشهدون ممارستها كل يوم، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوها بأنفسهم”. على هذا النحو، استقر النقد المسرحي في ساحاتنا العربية، فهو إما هامشي أو منخرط في الصراع ضد المسرحيين ومعهم، أو هو يركض وراء تعذيب المفاهيم الغربية بتهريبها وتشغيلها، ضمن شرحه أو تفكيكه لبعض الأعمال المسرحية. طبعًا، نحن نزيح من هنا الظواهر النقدية اللاهثة وراء الأسواق الثقافية، تلك التي لا هم لها غير حراسة القوافل المسرحية المهاجرة من مهرجان إلى آخر.

يمكن في حالة كهذه، الاعتراف بالقول إن الفن المسرحي الآن ينعطف من الضد إلى ضده النوعي، إنه صيغة عليا عن الأشكال الفرجوية القديمة التي سبقته: حينئذ كان النص الأدبي ركيزته الأهم، وما هو الآن إلا صيغة عنها وعن النص الأدبي ذاته، لا تتحرك نسقيته خطيًا مثل التاريخ، بقدر ما هو يطحن ماضيه وحاضره معًا، كي يؤهل نفسه للإقامة في المستقبل. ويمكن في حالة كهذه قول المسكوت عنه في سجلاتنا المسرحية: إن مسرحًا يتجاوز النص المسرحي -هو مسرحنا العربي- دون أن تكون له أنساق واضحة، هو مسرحٌ مخير بين إعلان موته الخاص -ما دام ينفي سابقه برمة- أو هو مسرح ينخرط في مغامرة تجعله يخبط في المجهول، وعوضًا عن نفي مغالطات كهذي، يقع فيها البعض من المسرحيين أو المخرجين؛ علينا عقد ضرب من التسامح معهم، فهم بشكل أو بآخر امتداد لذلك الاضطراب المعرفي الذي لُقّنوه في المعاهد، أين يستقر النقد الأكاديمي.

إن النقاد البرابرة من ذوي حالات التذمر والمحاكمات الأخلاقية، لم يتورعوا في إدانة العصيان المعرفي والجمالي لبعض التجارب الجديدة، وعلى الأرجح، لم يكن يحركهم إلا وازع خصي الابن، إذ يلعبون دور الأب، ذلك الذي استأثر بكروم المسرح وحده، ولم يورث غير مشعل مبتل بدمع العجز وغير قابل للاشتعال.

إن مولد دراسات مهمة في حقل النقد المسرحي العربي تناولت مسألة الانقطاع عن النص وفعل الانزياح إلى الفنون الأدائية والبصرية وغيرها، أمرٌ لا يمكن نفيه بشكل مطلق. أين الإشكال إذن؟ إن أرطالًا من الكتب والأوراق تناولت مسألة كهذه، ظلت مهملة في الرفوف والمكتبات، لم ينتبه إليها المبدعون والمخرجون. وعلى الأرجح هم واجهوها بالسخرية والتهميش واللامبالاة؛ إذ ثمة ما يشغلهم الآن: إنها فكرة الركض وراء الجوائز المسرحية، والانشغال بحيف الظروف الإنتاجية، والإقامة عند حدود الاستنساخ الفرجوي من الشبكات العنكبوتية، واللهث وراء صناديق الدعم باسم تنشيط الموروث اللامادي للشعوب. طبعًا، إن هذا الأمر ولّد هوّة عظيمة بين النقاد والمسرحيين، وجعل المنجزَ المسرحي يتخبط في تابوت من الجماليات لا وعي لأصحابه بها، كما حصر النقد المسرحي في عنكبوت هذا الضياع.

فلندرك أخيرًا، أن انعطاف المسرح من الضد إلى ضده النوعي ما هو إلا حركة دائرية تعود إلى ما قبل قصد تخصيب مستقبله بوصفه الفن الذي يرفض موته وأفوله، وأن تأثيث بيته الإبداعي بكنس النص الأدبي والإعلاء من شأن لغته الخاصة، لا يمكن أن يحدث بمعزل عن خلفية فكرية وفلسفية تفكك سياقات المجتمعات التي يجد تسريده من خلالها، وأن إقامته على هذا النحو من الانزياح لا يمكن أن تحدث دون ظروف إنتاجية مناسبة.

إن قول الممكن نقديًا، هو ما يجعلنا الآن نفكر جميعًا في ضرورة الانقلاب على النقاد البرابرة، والتبشير بمولد النقد الرؤيوي، هذا الذي يوفر أرضًا خلاقة وخصبة من الفكر الحيّ الذي يرتكز عليه المبدع، وهذا الذي لا يتقدم بالمسرح إلى الوراء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق