أدب وفنون

شاه.. مات

كان يومًا مشمسًا، بعد غياب خلف غيوم سوداء تعبطت هذا الريف، لشهور شديدة البرودة. كانت شمسًا خجولة تحمل بعض الدفء وتنذر بقدوم الربيع، كما عهدها أهل القرية الصغيرة الذين اقتصر عملهم خلال الفصل المنصرم على تقطيع الحطب، وإزالة الثلوج والجليد المتراكم على أنابيب المياه والنوافذ.

خيوط من الشمس نسجت في الغبار المتكاثر داخل فضاء المنزل سجادة حمراء، تغري عجوزًا ثمانينيًا للخروج من سباته، وسرعان ما لمحت في رأسه فكرة أن يلعب الشطرنج مع صديقه يوسف، الذي كان قد هزمه منذ زمن، فأسرع يوضب طاولة صغيرة عند باب المنزل، وضع عليها رقعة الشطرنج، وصف القطع مختارًا الأسوَد، كما اعتاد دائمًا، وضع عكازته جانبًا، وجلس على الكرسي مندسًّا في معطفه القديم ذي اللون العسكري، وشال يغطي رأسه حتى عنقه، نظر إلى الشمس، ومن دفئها انطلق في نومه منتظرًا صديقه القديم، لنزال جديد يقضي عليه فيه، استفاق بعد حين على ضجيج، لم يكن يعلم أهو من داخل رأسه، أم إنذار بوصول صديقه، فتح عينيه رويدًا رويدًا، وإذ بصديقه يجلس أمامه ويفكر في خطة تطيح بمملكته، نظر الصديق وقال:

هل اشتقتَ إلي؟ أم أنك مشتاق إلى هزيمةٍ أخرى تضاف إلى تاريخكَ، أيّها الهرم؟

نظر إليه مع ابتسامة لم تظهر معالمها، حرك أحد الجنود، وقال:

– نعم أشتاق، لكني هذه المرة على أتم الاستعداد لهزيمتك، وتحطيم كل الأسوار، وربما يقوم جنودي بأسر ملكك لا قتله، كما فعلنا ذات مرة، عندما كنا في الحرب معًا، هل تذكر ذلك؟ هل تذكر كم كنا أقوياء؟

– بكل تأكيد أتذكر، رغم مضي 50 سنة على ذلك، لكن ما أتذكره أكثر هو عندما استدعاك القائد لغرفته وكنت وقتها ثملًا، ولم تقوَ حتى على أداء التحية، وقد نسيت رقمك العسكري، فعاقبك لمدة أسبوع، ليس لأنك كنت ثملًا، بل لأنك لم تحترمه أمام الجنود.

يضحكان بشكل هستيري وعيونهم تراقب الرقعة، حيث الأحصنة تقفز هنا وهناك، والجنود أضحت على أبواب القلاع، بينما الملوك تنظر إلى بعضها من فوق الركام، متوعدة بالفوز.

كان تقدم الأبيض على رقعة الشطرنج واضحًا جليًا، لكن هدوء العجوز كان يُنذر بخطة محكمة توحي للخصم بأنه المتفوق، لكن في حقيقة الأمر، هي خدعة، اعتاد على اتباعها فيما مضى، من خلال تقديم بيادقه للخصم، حتى يصاب بالتخمة والغرور.

تقدم الصديق بحركة جريئة نحو الملك الأسود، وقال:

حسنًا، سوف يبدأ الحصار على ملكك المسكين، وفرص نجاته ستكون معدومة، أرِني ما لديك، وكن حذرًا في خطوتك القادمة، كي لا يصبح الملك وجبةً دسمةً لجنودي الجياع.

نظر العجوز إلى قطعه وبدأ يفكر، لا بملكه، بل كيف من الممكن أن يستغل هذا التهديد والاستفادة منه في إكمال ما خطط له سابقًا، حيث ينهي اللعبة بفوزه على عدوه اللدود، كما كان يحلم دائمًا.

أمسك العجوز إحدى قطعه، وهو يفكر إن كانت حقًا ما يجب أن يحركه أم لا، أفلت القطعة من يده، ثم أرجع ظهره إلى الخلف، ونظر إلى صديقه وهو متجهم وقال:

أنت لم تخبرني ما الذي حدث معكم، عندما حوصرت كتيبتكم؟ لقد مضى عليها نصف قرنٍ وأنت لم تحدثني عنها!! لقد سمعتها من جميع الناس وقد قرأت عنها في الصحف في ذلك الوقت، لكني لم أسمعها منك، فكل الروايات كانت تختلف دائمًا عن بعضها.

تناول نصف سيجارة من جيبه، كان قد دخن نصفها فيما سبق، أشعلها وأردف قائلًا:

هل تحاول إلهائي! أم ذكّرك اقتراب حصار ملكك بحصار كتيبتنا؟ من حسن حظك أنك كنت قد ذهبت مع كتيبة أخرى ولم تأتِ معنا، فلقد حوصرنا ثلاثة أشهر، حيث هرب القائد منذ اليوم الخامس، من خلال نفق صغير حفره الجنود لإخراجه، وقد مات خمسة منهم في طريق عودتهم، حيث انهار عليهم النفق، ذاك القائد كان يعدنا بإرسال الإمدادات وفك الحصار عنا كل يوم، لكني كنت أعلم مسبقًا أنه كاذب، كان يدعونا للصمود والقتال، وهو يعلم أن الطعام والذخيرة قد نفدت منذ الأسابيع الأولى، باستثناء بعض الرصاص والبارود، لكنه كان قتالًا شرسًا.

أمال العجوز رأسه وقال بسخرية:

ذاك القائد! أذكره، لقد تقلد الكثير من الأوسمة بعد انتهاء الحرب، وذاع صيته في طول البلاد وعرضها، حتى إن الفقراء كانوا يحدثونني عن بطولاته وتفانيه في قتال العدو.

أما زلت تحتفظ بصورة زوجتك؟ تلك الصورة التي كانت تنظر بها إليك بكل فخر، أعطتك إياها في موقف الحافلات قبل التحاقنا بالجبهة؟

– نعم، بكل تأكيد، لكنها أصيبت برصاصة في ذاك الحصار، حيث كنت أضعها في جيب قميصي لينبض قلبي بها حبًا في ليالي الحرب.

– أيها العجوز، قم ونم في سريرك، فالشمس قد غربت، والطقس أصبح باردًا، قالت زوجته وهي تضرب بعكازها على قدمه بتململ.

استفاق العجوز وهو يهذي:

انتظري، أريد أن أهزم يوسف فهو على وشك الموت،

فقد نصبت له فخًا محكمًا على الرقعة.

– على الرقعة!! أي رقعة هذه؟

تعال خذ دواءك لتنام.. فالأموات لا يهزمون، ولا تُنصب لهم الفخاخ إلا مرةً واحدةً فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق