أدب وفنون

رحلة جوزيف كيسيل إلى سورية 1926

لا يوجد بلد في العالم أكثر تعقيدًا، وأكثر صعوبة، وأكثر ثورة بطبيعته، من سورية. هكذا يقرأ جوزيف كيسيل الصحفي الفرنسي الذي كتب سبعين رواية خلال حياته، والطيار الشهير في الحرب العالمية الثانية، والرحالة والمغامر وكاتب التحقيقات.

يقرأ كيسيل سورية في يومياته، بعشرات الصفحات المكتوبة عام 1926، في كتابه الأشبه بالتقرير المسجل، وكأنه يقرؤها اليوم بعد قرن من زمن كتابته، متخوفًا من انقساماتها وحروبها الداخلية، وتشريد سكانها والتعرض للتشريد والمعاناة، والعيش تحت نير القوى الأجنبية، بما في ذلك فرنسا، أو فخر شعبها المقلق في مواجهته لهذه القوى نفسها التي تسعى لتحقيق المجد الوحيد المنتظر، وهو تحقيق الانتصارات العسكرية التي تتصارع في الوقت ذاته على هذه البلاد الجيواستراتيجية.

يقول كيسيل: “سورية مهد الحضارات ومكان العبور المختار منذ الأزل، أثر ثراؤها وجمالها، من دون تدخل، في كثير من الشعوب. هذه الأرض، حيث تنمو بقوة ملتهبة المعتقدات الأولى، وكذا الهرطقة التي تضلل وتخلط. أعترف بتواضع أني لم أستوعب خلال أولى أيام إقامتي في بيروت، شيئًا بخصوص ما يتداول أمامي من أحاديث. العلويون، الهاشميون، الموارنة، السنة، الشيعة، اليونان الأرثوذوكسيون، الطائفة السورية – الفلسطينية، قطاع الطرق، المتمردون وكذا دروز الجبل ودروز حوران (يقصد دروز الجولان)، اللبنانيون والسوريون والدمشقيون…إلخ، فكيف يعترف بعضهم ببعض؟”.

“تحوي سورية سبعًا وعشرين ديانة، تمثل كل واحدة منها قومية، وتلتمس هذا السديم التأثيرات الأكثر تنوعًا، روحيًا وماديًا. مع ذلك، بعد انقضاء أيام قليلة، بدأت أتمكن من قراءة كتاب الطلاسم هذا، الذي يبدو مستعصيًا على الفهم. تتبدى الخطوط الكبرى، بلا شك، بالتبسيط لا يمكن أن نعرض كل المشهد، لكنه الوسيلة الوحيدة لكي أفهم وأعبر عمّا فهمت؟” (ص-14).

هكذا كانت سورية زمن الانتداب الفرنسي، ففي مطلع الربع الأول من القرن العشرين، تعرضت مهد الحضارات -كما يصفها كيسيل ذاته- مجددًا للتدخل الأجنبي، ومع ذلك حافظت على رونقها وتراثها وجمالها، في قدرها المتكرر، وكأنها قطعة منفردة في ذلك، وقد مرّ بها كثير من الناس، تلك الأرض التي تنمو بها المعتقدات والبدع بقوة مميتة ومربكة، حتى تنهزم فيها من جديد.

كذلك الحال بالنسبة إلى سورية اليوم، هي أرض وليست بلدًا، وكأنها أمة يقطن فيها كثير من الشعوب، يتحكم فيها على نحو خادع دكتاتورٌ، غير منسجم، ضعيف وغير قادر على التعامل مع أقلّ المواقف الحرجة التي يمكنها أن تواجهه، فمنذ الأيام الأولى من الثورة السورية، تغلّب عليها وتغلبت عليه إلى الآن، في تحد مذهل واستثنائي.

قراءة كيسيل تجعل العالم الواسع يفهم كل شيء عن سورية، وكأنه يستشرف المستقبل في هذه البلاد، ويدعو الجميع إلى توخي الحذر في التعامل مع مثل هذه الأرض المتحركة، مع العلم أن الجنرال ديغول أدرك هذه الحقيقة في وقت متأخر، وأظهر تواضعه مرة واحدة، وقد ذكر في كتابه (مذكرات الحرب) عبارته الشهيرة واعترافه بمقولته عن خبرة: “إلى الشرق المعقد، طرت بأفكار بسيطة”.

يقول كيسيل في كتابه (في سورية): “سورية؟ ماذا نعرف عنها؟ لنعترف بالألم، من دون كبرياء مزيف: فقط بعض الوقائع التاريخية المبهمة، حول الحروب الصليبية، ثم بعض الصفحات الشهيرة، والأسماء الجميلة لدمشق وتدمر والفرات. ذاك كلُّ زادي بالنسبة إلى بلد كبير وخصب، يعيش تحت الانتداب الفرنسي. لكن، من يبيّن أهمية هذا الانتداب؟ ثم بوسعه أن يرسم -إلا مختصين قليلين- المظهر السياسي لهذا البلد؟ من يفسر لماذا نُقتل ومن يَقتل؟

في الحقيقة، إذا كان من عذر لافتقاد المعلومة، فبوسعنا البحث عنها ضمن التعقيد المرعب الذي يسود سورية” (ص-13-14).

عندما لم يتمكّن الصحفيون ومراسلو الحرب الغربيون، إبّان الثورة السورية ضد الانتداب الفرنسي عام 1926، من تغطية أحداثها ليعرفها العالم آنذاك، غامر الصحفي الفرنسي جوزيف كيسيل، وخاطر بحياته وحريته، لينتقل إلى سورية، ليستمع للتعليقات وردات الأفعال على الأقل، دون أن يستسلم، فليس من السهل تفسير أمور معقدة للغاية.

الإغراء الذي يزداد إقبالًا هو التظاهر بالإيمان، أمام الميكروفونات، وأن نخدع أنفسنا بأننا نعرف كل شيء، وأن لدينا الإجابة عن كل شيء، حتى عندما نطرح ذلك السؤال على الخبراء الجيوسياسيين، حول سورية، التي من المفروض أن لديهم معرفة علمية بالثقافة المشرقية، والاستراتيجيات العسكرية العالية.

الترياق لتلك الإحاطة المعرفية هو القراءة المستنيرة، فلو قرأ بوش الابن العراق؛ لما أطلق العنان لغزوه الهمجي، الذي أدى إلى مقتل عشرات ألوف الناس، وزعزع استقرار الشرق الأوسط بالكامل، ولو قرأ ساركوزي كيسيل، بدل هنري ليفي، لما هاجم ليبيا من دون أي خطة أخرى سوى إسقاط دكتاتور متعطش للدماء، ودون القلق بشأن مصير الناس الذين سقطوا في رعب أسوأ، أوقع كامل القارة الأفريقية تحت خطر الإرهاب والثورات المضادة (حكم العسكر).

ولكن هل تعني قراءة رحلة كيسيل في سورية أنه لا ينبغي على المرء التصرف ضد الدكتاتور بشار الأسد؟ وفي الوقت نفسه التصرف على جبهتين في مواجهة الأسد و(داعش)؟ وهل هذا يعني ألا نتفاعل مع مشاهد صور الأطفال، المنشورة على صفحات التواصل الإجتماعي، الذين يتعرضون للخوف والقتل ولا يستطيعون النوم، لأنهم خبروا كابوس الأسد؟ فاليوم انتهت (داعش) في سورية والعراق، وما زال بالمقابل التطرف الشيعي يدعم الدكتاتور الأسد؟ وهل تعني قراءة كيسيل عدم التدخل أبدًا ضد الأسد والتفرغ للقضاء على التطرف الشيعي فحسب؟

ما نفهمه من قراءة هذا الكتاب هو أنه لم يتم تكييف أي مخططات غربية للتعامل مع هذه الحالات، وما يفهمه المرء هو أن الجيش “الكلاسيكي” لا يستطيع، كما هو معروف، محاربة الأشخاص الذين تسكنهم “الكراهية القائمة على العرق والدين والطائفة والمظلومية والمناطقية”، التي تحركها هذه الأذواق غير المنظورة، من الشعور بالخطر المحدق، وهذه الحاجة إلى طلب الموت وتلقيه. فما يجب أن نعرفه من الأخطاء هو أن الحرب، مثل حرب بوش وساركوزي، جعلت الأمور أسوأ، بدلًا من إيقافها والحد منها.

إذًا ما العمل؟ قراءة كيسيل وإعادة قراءته، لأن الثقافة -ببساطة- أقوى سلاح لمواجهة الدكتاتوريات وإسقاطها. يقول الكاتب الفرنسي ألان غينستار: “أعد قراءته للحفاظ على روح الاهتمام بالحرب مدة طويلة، كي لا تتكرر. اقرأه وأعد قراءته واستمع للاجئين السوريين الذين يعانون. بهذه الطريقة فقط سيكون للعالم ردة فعل حضارية تجاه اللاجئين، والترحيب بهم جيدًا”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق