ترجماتسلايدر

معضلة السودان والجزائر: كيفية تجنب التحوّل إلى نموذج مصر

في أكثر من أسبوع بقليل، استسلم اثنان من المستبدين الذين حكموا مدة طويلة في العالم العربي، لسلطة الشعب. الأول كان عبد العزيز بوتفليقة، الرئيس الجزائري، الرئيس الصوري المقعد على كرسيه المتحرك لنظام راسخ، وقد انسحب أمام مواجهة الاحتجاجات الجماهيرية الأسبوع الماضي بعد عقدين من الحكم. ثم جاءت أخبار الخميس، 11 نيسان/ أبريل، عن إطاحة عمر حسن البشير، الرئيس السوداني، الذي وضعته السلطات العسكرية في البلاد قيد الإقامة الجبرية، بعد أربعة أشهر من التظاهرات المستمرة في الشوارع. أنهت هذه الخطوة حكم البشير الذي دام 30 عامًا، قام خلالها بقمع لا هوادة فيه ضد المعارضين، وشنّ حملات دموية ضد المتمردين عليه -كما قال خبراء قانونيون إنه ارتكب جرائم إبادة جماعية- وتهرّب في العقد الماضي من مذكرة دولية بتوقيفه، بتهمة ارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

يدرك المحتجون في السودان والجزائر بعمقٍ ضحالة مكاسبهم الحالية. ما بدأ كاحتجاجات على مظالم اقتصادية تحوّل إلى مطالبة قوية بإصلاح سياسي. الشباب الذين لم يعرفوا الحياة سوى تحت حكم بوتيفليقة أو البشير سيستيقظون يوم الجمعة مع رحيل الزعيمين واستعداد دولهم للتغيير. على الرغم من اختلاف المواقف، فإنهما يتشاركون في الخوف من احتمال عودة الحرس القديم للنظام القديم إلى مكانه، مما يوقف زخم ما يبدو أنه انتفاضات مؤيدة للديمقراطية، في قالب الاضطرابات التي هزت العالم العربي في عام 2011.

هناك درس مصر، حيث أوصلت الاحتجاجات المذهلة في ميدان التحرير في القاهرة، قبل ثمانية أعوام، إلى تنحي مستبد مع بقاء مؤسسة عسكرية راسخة في السلطة. ترأس كبار الضباط في نهاية المطاف ثورة مضادة شرسة عام 2013 بقيادة عبد الفتاح السيسي، الرئيس الحالي للبلاد، الذي ألقى منذ ذلك الحين بآلاف المعارضين في السجن، وقمع الصحافة والمجتمع المدني. والآن يجبر المشرعين لجعله رئيسًا مدى الحياة.

إن الجزائريين والسودانيين، الذين عقدوا العزم على ألا يكونوا ضحايا لقوى التاريخ نفسها، يخيمون في الشوارع، مطالبين بالخلاص من الأنظمة الاستبدادية التي هيمنت على مجتمعاتهم مدة طويلة، من جذورها إلى أغصانها. بالتأكيد سيُختبَر عزمهم في الأسابيع المقبلة.

تحوم ظلال السيسي فوق الرجل الذي أبعد البشير: عوض بن عوف، وزير الدفاع السوداني. يوم الخميس، أعلن بن عوف، الذي وضعته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات عام 2007 واتهمته المحكمة الجنائية الدولية عام 2009 لدوره في الإبادة الجماعية في دارفور، في الإذاعة الرسمية، أنه سيكون على رأس حكومة انتقالية لمدة عامين.

ستقوم إدارته العسكرية المؤقتة بتعليق الدستور وفرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وحظر التجول ليلًا. ولكن بحلول المساء في الخرطوم، احتشد المتظاهرون في الشوارع في تحدٍ لحظر التجول.

أحمد إبراهيم، وهو متظاهر شاب يشارك في الاعتصام خارج مقر الجيش في الخرطوم، قال لصحيفة (واشنطن بوست): “لقد استبدلوا لصًا بآخر. سنستمر في الضغط حتى يتم تلبية جميع مطالبنا”.

وفي بيان نُشر على (تويتر)، أعلن تجمع المهنيين السودانيين -وهو منظمة تضم أطباء ومحامين وطلابًا وغيرهم ممن ساعدوا في قيادة الاحتجاجات- أنه لم يعترف بـ “الانقلاب” الذي سيعيد إنتاج الوضع القائم. ونشر التجمع في الموقع نفسه: “سنظل في الساحات والطرق التي حررناها بالقوة والشجاعة؛ حتى يتم تسليم السلطة إلى حكومة انتقالية مدنية تعبّر عن قوى الثورة. إن الذين دمروا البلاد وقتلوا شعبها يحاولون سرقة كل قطرة من الدم والعرق الذي قدمه شعبنا العظيم في الثورة التي هزّت عرش الطغيان”.

في الجزائر، أعلن الجنرال أحمد قايد صالح، قائد الجيش، خروج بوتفليقة بالمثل، الذي أشار هذا الأسبوع إلى أن الجيش الجزائري سيرعى مرحلة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر، تتم في نهايتها انتخابات رئاسية يوم 4 تموز/ يوليو. وتعهد بالاستمرار حتى يتم تلبية مطالبهم الأوسع بالإصلاح الشامل.

أندرو ليبوفيتش، وهو خبير لدى المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في شؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط، أخبر زميلي سودارسان راغافان: “هذه مجرد بداية لعملية سياسية غير مؤكدة، أعتقد أن المحتجين سيطالبون بتغييرات أوسع بكثير بعد رحيل بوتفليقة، لكننا لا نعرف بعد الشكل الذي ستتخذه هذه الاحتجاجات”.

ما يزال احتمال حدوث عنف حكومي قمعي قائمًا في السودان والجزائر، وقد يختبر تماسك حركات الاحتجاج، التي تجذب قطاعًا سياسيًا واجتماعيًا واسع النطاق، في كلا البلدين.

آمي هاوثورن، نائبة مدير البحوث في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، أخبرتني: هناك مخاوف مشروعة تمامًا من الجيوش. . . ستتحرك هذه الجيوش من أجل “زرع الانقسام، ومن ثم تسحق بعنف حركات الاحتجاج الشعبية التي حفزت هذه التطورات الملحوظة. لن يكون الأمر سهلًا، لكن على المحتجين الجزائريين والسودانيين المؤيدين للديمقراطية أن يبقوا موحدين أمام مجموعة أساسية حول التحولات الديمقراطية التي يقودها المدنيون، وأن يبقوا متجمعين في الشوارع للضغط من أجل هذه المطالب”.

أليكس دي وال، وهو خبير في شؤون القرن الأفريقي، كتب: “قد يكون الخطر أقل حدة في الجزائر، حيث لا تريد سوى قلة تكرار الحرب الأهلية المؤلمة بين النظام والقوات الإسلامية التي خلفت ما يصل إلى 200 ألف قتيل خلال التسعينيات. أما في السودان -الذي مزقته الصراعات العرقية، والذي يسيطر عليه جهاز أمني معقد من القوات شبه العسكرية المرتبطة بالنظام والمتشابكة في فوضى من الجغرافيا السياسية الإقليمية- فيمكن أن يكون على حافة سفك الدماء والاضطرابات”.

يقول المحللون: إن المجتمع الدولي يمكنه أن يلعب دورًا رئيسًا في تجنب المزيد من الفوضى. وكما أخبرت هيلير، وهي زميلة باحثة في معهد رويال يونايتد للخدمات في لندن، صحيفة واشنطن بوست: “إذا أراد الأصدقاء الأجانب للجزائريين والسودانيين مساعدتهم، فعليهم تشجيع القوى الفعالة في تلك البلدان على الاستماع إلى مطالب شعوبهم، والاعتراف بحقيقة أن المشكلات البنيوية الأساسية التي واجهت تلك البلدان لا يتم الخلاص منها من خلال إبعاد بعض القادة السياسيين، ونعم، هذا يعني اشتراط المساعدة المالية -التي سيحتاج إليها كلا البلدين تقريبًا- بتطورات حقيقية، بدلًا من خرائط الطريق البسيطة”.

من غير الواضح، من أين يأتي هذا الدعم. يرى القادة الغربيون أن الصراع المستمر في سورية وليبيا قد أقرّ إلى حد كبير شعار الاستقرار الذي بشرت به الحكومات العربية في الشرق الأوسط، والتي تحركت بطرق مختلفة لتقويض التحولات الديمقراطية في بلدان أخرى في المنطقة. لقد رفض الرئيس ترامب أيضًا منذ مدة طويلة نداء الربيع العربي، ورحّب بالسيسي في البيت الأبيض هذا الأسبوع، كزعيم يقوم بعمل “عظيم”.

وقالت هوثورن: “من المحتمل أن يعتمد الجنرالان السوداني والجزائري على روسيا والدكتاتوريين العرب، لدعمهم في سحق الحركات المؤيدة للديمقراطية، وعلى السلبية أو حتى الدعم الضمني من إدارة ترامب أيضًا لاستعادة النظام”.

أثبتت حركات الاحتجاج الموضوعة التي قامت ضدهم أنها مرنة حتى الآن، ورفضت أن تتوقف عندما حاول بوتفليقة والبشير تخفيف مطالبهم بأنصاف حلول. إذا نظرنا إلى ذلك، فإن أنصار انتفاضة مصر لا يمكنهم إلا أن يتمنوا لها التوفيق.

خالد داوود، الصحفي المصري والسياسي الليبرالي السابق، قال لصحيفة نيويورك تايمز: “لقد أثبتت قوة الشعب أنها ما زالت نابضة بالحياة، وأن لديها الرغبة في أن يكون هناك رئيسٌ لا يبقى مدى الحياة. لا يزال النموذج الذي نشدناه عام 2011 على قيد الحياة، على الرغم من الجهود الهائلة لسحقه وتشويهه”.

اسم المقالة الأصلي Sudan and Algeria’s dilemma: How to avoid turning into Egypt
الكاتب إسهان ثأرور،Ishaan Tharoor
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست،The Washington Post، 12/4
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/world/2019/04/12/sudan-algerias-dilemma-how-avoid-turning-into-egypt/?utm_term=.443e402277df
عدد الكلمات 1040
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: على اليسار: وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي، وعلى اليمين: رمزي بودينا/ رويترز

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق