سلايدرقضايا المجتمع

التوثيق السوري ليس أرقامًا فقط

أكثر من 11 مليون سوري، بحاجة إلى مساعدات، هو الرقم الحديث الصادر عن الأمم المتحدة قبل أيام، من هذه الملايين يتشكل الضحايا، التي تقدر المنظمة الدولية عددهم بنصف عدد سكان سورية، ستة ملايين مهجر ونازح داخل الحدود، وأربعة ملايين خارجها.

الإحصاءات المحلية والدولية في سورية وعنها، منذ العام الأول للثورة، كانت صادمة ومخيفة، هائلة بمضاعفة الأرقام وتنوع وتوزع الضحايا على عموم سورية، شراسة الاستهداف وطبيعة العدو جعلا الأرقامَ يومًا بعد يوم تتضاعف.

لكن ما الذي يعنيه ذكر الأرقام داخل تقارير رسمية؟ على سبيل المثال، الأرقام والإحصاءات السورية لا تقتصر فقط على من يريد المساعدة الإنسانية، أو الحاجة إلى تأمين المساعدات العاجلة، على أهميتها وضرورتها، دائمًا كانت الأرقام الدولية ترد في تقارير جافة بلا معنى، من دون أي موقف جاد نحو هذه الإحصاءات التي تخفي خلفها ملايين الضحايا والقصص، ودون اتخاذ إجراءات تحول دون تضاعف أرقام الضحايا، أو الإحصاءات التي شملت تدمير منازل ملايين السوريين، بطرق همجية وبربرية من سلاح النظام وعصاباته.

تسليط الضوء، على أي جانب من جوانب الأرقام المرتبطة بجرائم النظام التي وثقها السوريون، يجعل الصدمة في حالة حضور مستمر، استهداف المشافي والأفران والمنشآت التعليمية، وتحويل بعضها إلى أماكن اعتقال وتعذيب، لم يدخل إلى الآن في حالة تفحص وتدقيق، كما هي وثائق تعذيب آلاف المعتقلين وذبحهم في الأقبية، ثم التخلص من جثثهم في أفران أقامها الأسد بمساعدة موسكو وطهران، إضافة إلى تكرار تحميل النظام المسؤولية عن هجمات بمختلف أنواع السلاح الكيمياوي، من الكلور إلى السارين، وقد أكد تقريرٌ صدر قبل أيام عن مفتشي الأمم المتحدة، مسؤولية نظام بشار الأسد عن الهجمات الكيمياوية، في مدينة دوما، نيسان/ أبريل عام 2018 الماضي.

أطنان من الأدلة تثبت ارتكاب بشار الأسد وعصاباته آلاف الجرائم في سورية، آلاف أو ملايين الأدلة تعرفها الأمم المتحدة، وقد وثقت الصحافة الغربية مئات الاعترافات من سياسيين ولجان مختلفة تتبع الحكومات أو المنظمات الدولية التي تقر بمسؤولية الأسد عن مذابح السوريين، ومرّت سنوات وتعاظمت الأرقام وتكررت في بيانات ومذكرات دولية. من هنا تتضح أهمية توثيق المذابح والانتهاكات والجرائم، كي تتبعها خطوات وإجراءات تمنع استمرارها، لكن في الحالة السورية، يتم تكرار التقارير من دون محاصرة رأس النظام بأطنان الأدلة، لتسوقه إلى حبل العدالة الدولية الذي بقي مرخيًا حول رقبة النظام.

تاريخ السوريين، في السنوات السبع الماضية، مليء بوثائق تعتبر في الذاكرة الفعلية للمجتمع السوري الحقبة المهمة من حقب تاريخه، ويجب أن لا تبقى حبيسة التكرار، لأنها المقياس المُحدد لمسؤولية النظام عن خراب البلاد والعباد من جهة، ودرجة الولوج إلى مستقبل سورية القادم من جهة ثانية، لا يمكن الولوج إليه دون رسم هذه الحدود خارج الوثائق، بخطوات متواصلة أمام المحاكم الدولية وأمام المنظمات الأممية التي تنشر تباعًا أرقامًا إحصائية أو مواد صحفية أو تسريبات عن معاناة ملايين السوريين، رجالًا ونساء وأطفالًا وشيوخًا.

لا يمكن الاعتماد فقط على الأرقام الأممية، ما لم يؤخذ بوثائق السوريين عن الجرائم وإنشاء إدارة وطنية، لها مهمة التوثيق وتقديم لوائح الاتهام والإدانة المباشرة دون تلكؤ. وثائق السوريين غزيرة بغزارة جرائم الأسد على أجسادهم وممتلكاتهم وأرضهم وزرعهم وبيئتهم واقتصادهم.

رسم خط بياني إحصائي عن معاناة السوريين الإنسانية، من دون أن يكون هناك خط موازٍ للمعاناة السياسية وإحصاءات عن المذابح للمحاسبة، لن يقود إلى تغيير سياسي يعطي الوثائق والإحصاءات معنًى وبعدًا مؤثرًا في عملية جدية، ضمن ترتيب وتصنيف تلك الأرقام، حيث يسهل إشهارها على مدار الوقت، فوق رقبة الأسد ونظامه.

التوثيق السوري لجرائم الأسد، هو ما لا يمكن الاستغناء عنه للمنظمات الدولية وللمحاكم، وهو زاد أبدي للمجتمع السوري، وترجمة فعلية لكل ما تورده التقارير والأرقام والوثائق التي تخص الكارثة السورية التي تربّع عليها الأسد، بحسب أطنان الأدلة والإدانة له التي تنتظر مع السوريين الخطوة القادمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق