هموم ثقافية

الجوائز والمسابقات الأدبية.. ما لها وما عليها

ينادي مؤسسو الجوائز الأدبية ورُعاتها وممولوها، بمجموعة كبيرة من القيم الإنسانية النبيلة، ويسعون لتوظيف جوائزهم لتشجيع الأدب الإنساني، وتوجيه الأقلام المبدعة نحو خدمة البشرية. وكثير من المسابقات الأدبية تشهد إقبالًا كثيرًا، ونجاحًا ملحوظًا في انطلاقتها الأولى؛ لكنها سرعان ما تفقد بريقها، وتتجه نحو الانحدار أو التردي، وفي بعض الأحيان تسقط في حيز الإخفاق المطلق أو الفشل الذريع؛ وذلك لمجموعة كبيرة من الأسباب، التي سنعرض بعضًا منها، بعد الإشارة إلى أن كُتب التراث والنقد العربية مليئة بالأخبار عن علاقة الأدباء بالمسابقات، وسعي كثير منهم للإعلان عن موهبته الأدبية -منذ القديم- في سوق عكاظ تارة، أو في أسواق المربد وذي المجاز وذي مجنة تارة أخرى؛ قبل انطلاق الكثير منهم نحو السعي للظفر بجوائز أمراء الغساسنة أو ملوك المناذرة، أو الفوز بعطايا ملوك كندة أو هبات الخلفاء في الدولة الإسلامية.

ولعله من نافلة القول إقرارنا مع الجماهير الأدبية الواسعة بأثر هذه الجوائز الأدبية في خدمة الأدب ورعاية المواهب الأدبية، ولا سيّما الشابة منها، وهذه الرعاية من أجمل ما يُحسب للجوائز الأدبية أو المنظمات الفكرية أو الشخصيات الثقافية القائمة عليها، ومع ذلك لا يعدم كثير من المسابقات الأدبية تأثيرًا سلبيًا في الأدب والأدباء معًا، عن قصدٍ مرة، وعن غير قصد مرات أخرى؛ وذلك لمجموعة كبيرة من الأسباب، نذكر منها:

أكثر القائمين على الجوائز الأدبية ينتهجون منهجًا علميًا قويمًا في انطلاقة مسابقتهم الأولى، لكنهم سُرعان ما يُسلمون قيادة هذه الجائزة أو رعايتها إلى شخصية أو شخصيات ليست على قدر كبير من الاحترافية أو الكفاءة، لرعاية أهداف المسابقة المعلن عنها في الانطلاقة الأولى؛ فقد يكون لهذه الشخصيات القيادية الجديدة ولاءاتها أو انتماءاتها وتوجهاتها السياسية أو الفكرية أو الأيديولوجية أو الثقافية… التي تؤثر سلبًا في سمعة المسابقة، من خلال توجيه الأدباء الراغبين في خوض غمار التسابق نحو هذا المقصد أو ذاك، من مقاصد الكتابة الأدبية؛ مما يلوي أعناق النصوص الإبداعية، ويؤثر في نموها الطبيعي، ولربما يسهم هذا التوجيه في إنتاج نصوص أدبية مدجنة، أو أجناس هجينة بشكلها ومضمونها وتوجهاتها.

وقد يتجاوز تأثير الشخصية القيادية السلبية تدجين الأدب، إلى ما هو أخطر من ذلك، فقد تدفع هذه الشخصية السلبية بعض الأدباء المبدعين إلى العزوف عن المشاركة في المسابقات، أو تبني تصورات مسبقة عنها، ولا سيّما عندما يتوفر لبعضهم أدلة ترتبط بالواسطة والمحسوبية، مما يطعن في نزاهة تلك الشخصية ونزاهة الجائزة ومحكميها والمشرفين عليها.

نعم، تسيء مثل هذه الشخصية ليس إلى الجائزة وحسب، وإنما تؤثر في ازدهار الأدب، وتجعل تأثير المسابقة تأثيرًا ضارًا كتأثير الهرمونات والمواد الكيميائية في إنتاج خضروات وفواكه طازجة شهية في أشكالها، سامة بمضمونها ومحتواها، وقد نُمي إلى بعض المبدعين الذين شاركوا في إحدى المسابقات قول أحد القائمين عليها: “المسابقة مسابقتنا، والجائزة جائزتنا، ونعطيها لمن نشاء، ولا يحق لأحد أن يُملي علينا شروطًا أو تعليمات”.

قد يكون هذا المشرف الثقافي مُحقًا في كلامه أو بعضه على أقلّ تقدير؛ لكنه مخطئ في جانب الحكمة والقيادة الثقافية، التي توجب عليه رزانة واتزانًا يليق بالمسابقة التي يشرف عليها؛ ليتذكر المثل العربي القائل: (ما هكذا تورد الإبل يا سعد!).

ويرتبط الجانب السلبي الآخر بالمسابقات الأدبية بالمتسابقين ذواتهم، رغم الاحترافية العالية لدى القائمين على هذه المسابقة، أو محكمي تلك؛ فلا يخفى على متابع الحراك الثقافي العربي امتلاء الساحة الأدبية بالغث والثمين، واختلاط الحابل بالنابل في كثير من الأحيان، فضلًا عن غرور هذا المتسابق ونرجسية ذاك، وتملق ثالث، وانتهازية رابع، ووصولية خامس، ودواليك من صفات نفعية تسيء إلى الأدب والأدباء معًا.

كثيرًا ما نسمع بعض الأخبار التي تطعن بصدقية هذه المسابقة، أو تشكك في نزاهة هذا المُحكم أو كفاءة ذاك. لكن احترافية العمل المؤسساتي تقدم الحل الأنسب، في مثل هذه الحالات، إذا ما أراد القائمون على المسابقة لمسابقتهم أن تحافظ على ألقها الأول، وتصبح علامة فارقة في تاريخ أدبنا العربي وصالوناته ومجموعاته الأدبية. ولعل هذه الحرفية، أو جانبًا مهمًا من الاحترافية، يتجلى في اختيار أصحاب الخبرة العالية من المحكمين المشهود لهم بالنزاهة أولًا، والتزام طريقة نزيهة في التسابق بين المشاركين، تضمن وصول أعمال المتسابقين إلى المحكمين دون معرفتهم بأسمائهم أو دون احتوائها على أي إشارة إلى تلك الأسماء ثانيًا، والحرص على اختيار المُحكم غير المؤدلج، والبعيد من المناطقية والطائفية، أو غير المنحاز إلا للإبداع والإنسانية معًا ثالثًا، وإن أمكن اختيار المحكمين من مناطق جغرافية متعددة، وزيادة أعداد القراء المحكمين قدر الإمكان، فهذا أفضل وأجود وأنفع؛ لأن لذة التذوق واحدة من معايير الإقرار للأديب بجودة نصه، وما يروق لهذا المتلقي الناقد قد لا يروق لغيره، ومع كل هذا وذاك، ما تزال جوائز الأدب التشجيعية قليلة، إذا ما قورنت بجوائز المسابقات الرياضية والفنية الأخرى، ناهيك عن النقد الذي يتعرض له كثير من هذه الجوائز باستمرار.

وإن كان أفلاطون قد نبذ من جمهوريته الشعراء المتملقين، أو أبعد طائفة مشوهي الحقائق منهم؛ ليكونوا في طبقة متأخرة من جمهوريته، فإنه استثنى من ذلك الشعراء الملحميين؛ ممن يقاتلون من أجل الفضيلة، ويدافعون عنها وعن البطولة وسائر الخصال النبيلة، وعلاوة على ذلك فقد أعجب بالشعراء الغنائيين، ممن يتغنون بالإنسانية، ويغنون للخير والعدل والمحبة والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق