تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

قراءة للمشهد المتهالك في مناطق سيطرة الأسد

ثماني سنوات من الحرب على الشعب السوري أحرقت الأخضر واليابس، وأنهكت الجميع، سواء أكان ذلك على المستوى الرسمي المتمثل في مؤسسات الدولة، أم على مستوى الحاضنة الشعبية للنظام التي أنهكها قتل الكثير من أبنائها، أضف إلى ذلك تجذر الفقر والعوز لدى أغلب طبقات هذه الفئة التي آثرت الوقوف إلى صف الأسد في حربه على شعبه، وإن كان لكثير من هذه الفئة مبرراتهم التي يسوقونها للدفاع عن أنفسهم، منها بطش النظام وأجهزته الأمنية، والتشبث بالأرض مهما كان حجم المعاناة. ومن اللافت للنظر أن تتحرك الحاضنة الشعبية للنظام في الساحل السوري، وتظهر على السطح خلافات عائلية وعشائرية بعد حرب باردة امتدت طول فترة حكم الأسدين الأب والابن، وتمثل ذلك في بروز ثلاثة تكتلات عشائرية وعائلية: التكتل الأول يضم أبناء رفعت وجميل الأسد، والتكتل الثاني يشمل عائلات بركات والخيّر وعثمان، وكلا التكتلين يقف ضد هيمنة آل مخلوف وآل شاليش على الساحل، وتُرجم هذا الخلاف إلى كثير من الاشتباكات، كان آخرَها ما حصل بين هذه التكتلات في القرداحة، في النصف الأول من آذار الماضي، وتدخل عناصر من الأمن لفض ذلك الاشتباك الذي امتد إلى مدينة اللاذقية.

تلك الاشتباكات والخلافات الدامية تؤكد الانفلات الأمني في مناطق سيطرة الأسد كافة، وبخاصة كونها تترافق مع جرائم خطف وتصفيات جسدية، وإتاوات تُفرض على من بقي من أصحاب رؤوس الأموال والطبقة المتوسطة في المجتمع التي أصبحت الآن تحت خط الفقر، مع قلة المواد الأساسية وندرتها، كالمحروقات والطحين، وانقطاع الكهرباء والماء ساعات طويلة، وتفشي البطالة على مستويات كبيرة، أضف إلى ذلك كلّه الاستنزاف البشري غير المسبوق للطائفة العلوية، التي قُتل وأُعطب أغلب شبابها، ودفعت ثمنًا باهظًا ليبقى الأسد الذي يبدو فقد السيطرة على كل شيء، بدليل عدم إمكانية سعيه إلى إيجاد حلول -ولو كانت مؤقتة- لهذه المشكلات التي سنشاهد مفاعيلها تتعاظم يومًا بعد يوم، لتقلب الطاولة على بشار الأسد ونظامه البالي، الذي استهلكه الإيرانيون والروس لتحقيق مصالحهم في سورية والمنطقة، يُضاف إلى ذلك كلّه فشل بشار الأسد في إقامة التوازنات حتى في نطاق دائرته الضيقة، فنجده يقوم بتصفية كل مَن يمكن أن ينافسه ضمن هذه الدائرة، وتسريح عدد كبير من المقربين من العائلة الحاكمة، وصل إلى 450 ضابطًا، كما فرض الإقامة الجبرية على آخرين، واعتقل 350 ضابطًا بعد حادثة تصفية عقيد من الطائفة العلوية يدعى مازن غصون، ويعمل في استعلامات “قصر المالكي” بعد اتهامه بخيانة بشار الأسد، حيث تم العثور على أدلة تثبت تورطه في تأجير ثلاثة منازل في حي “المالكي” ضمن الشارع الملاصق للقصر الجمهوري في دمشق، بعقود إيجار وهمية لأشخاص مجهولين، ترافق ذلك مع تزايد نفوذ ماهر الأسد وطلال مخلوف وأوس أصلان، البدائل المحتملة من بشار الأسد، الذين لم يستطع الأخير الحدَّ من نفوذهم؛ فاستعان بالروس لتحييد طلال وأوس، وتحجيم دور ماهر الأسد الذي ظهر واضحًا ارتباطُه بالقيادة الإيرانية، التي تعمل جاهدة لتحصين الدائرة المحيطة به، عبر استقطاب الكثير من الضباط المتنفذين، خصوصًا في مجال التصنيع الحربي، إضافة إلى ذلك تنسيب أعداد كبيرة من الميليشيات الإيرانية إلى الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، وهذا يشير بوضوح إلى تنامي النفوذ الإيراني في تشكيلات الجيش خارج نطاق هيئة الأركان السورية؛ الأمر الذي يُضعف سلطة بشار الأسد على حساب تنامي قوة أخيه ماهر، وبخاصة في المواقع الاستراتيجية في العاصمة دمشق، وقد ظهر ذلك جليًا في الاقتتال بين الفرقة الرابعة والفيلق الخامس والقوات النظامية والقوات الرديفة، وقد يتنامى ذلك في المستقبل القريب مؤديًا إلى حرب طاحنة، تكون حرب وجود، ومن ينتصر فيها سيفرض شروطه على الآخرين.

في الوقت نفسه، قامت روسيا برفد القصر الجمهوري بضباط ذوي رتب صغيرة، على ما يبدو يتم تحضيرهم للمرحلة القادمة، التي تخطط لها روسيا بغية الاستغناء عن بشار الأسد، وهذا يفسره بعض الصور المهينة للأخير، التي يتم تسريبها من قبل الروس إلى وسائل الإعلام، بين الحين والآخر، والتي يريد منها الروس إظهار الأسد أنه تابع بشكل كامل لهم، وفي الوقت نفسه لإظهاره في موقف الهزيل غير القادر على قيادة البلاد، هذا التردي في إدارة النظام لمؤسساته أو محاولة إصلاحها، دفع روسيا إلى وضع خطة خاصة، تمثلت في السيطرة على أركان الجيش والقوات المسلحة، وتعيين ضباط موالين لروسيا في وزارة الدفاع وفي قيادة التشكيلات الأساسية للجيش، كالفيلق الثاني والثالث والخامس، كذلك قامت بالسيطرة على قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي؛ فتحكمت في المطارات الحربية ووسائط الدفاع الجوي وإدارة الرادار، كما قامت روسيا بإيقاف مشروع الدفاع الوطني، وحلّ الميليشيات الرديفة وإحكام السيطرة على معظم الأجهزة الأمنية، كل ذلك وبشار الأسد مختفٍ في سراديبه وتخيلاته البعيدة من الواقع، فيظهر ضعف أدائه الدبلوماسي في التعامل مع كثير من المستجدات، وفي الإشارات الرامية إلى مدِّ طوق النجاة من المأزق السياسي والاقتصادي الذي يحيط به، تلك الإشارات التي يطلقها البعض وأخص العرب منهم، فبدلًا من أن يتلقفها ويبادر إلى التعامل معها إيجابيًا نجده يهاجم هذه المبادرات إعلاميًا، وطال ذلك إلى الدول التي أعادت فتح سفاراتها في دمشق، ودعمته ماديًا وسياسيًا، مُبديًا تمترسًا غير مبرر أمام المبادرات الدولية التي تخدمه ونظامه بطريقة أو بأخرى، فيهرول مسرعًا إلى حليفه الإيراني ليعقد معه صفقات بيع ما بقي من الاقتصاد السوري، متجاهلًا كل الملفات الضرورية الواجب معالجتها، مثل قضية اللاجئين والنازحين والمعتقلين، وإصلاح الدستور والجيش والأمن.

لو ألقينا نظرة على ما يحدث في مدينة السويداء؛ لوجدنا المشكلة نفسها والواقع المتردي ذاته، الذي فرضه إصرار الأسد على معاقبة رجالات السويداء الوطنيين، الذين رفضوا إرسال أبنائهم إلى الخدمة في جيشه، انطلاقا من مبدأ عدم مشاركة الأسد في قتل أبناء الشعب السوري الذين هم إخوتهم في الوطن، وهذا دفع أجهزة أمن الأسد إلى القيام بالكثير من عمليات الخطف والتصفية لبعض القيادات الدرزية، إضافةً إلى التضييق المعاشي والخدمي على المحافظة، ولا سيما الخدمات العامة التي هي شحيحة منذ عهد الأسد الأب، لعل الصراع الدائر بين حلفاء إيران الممثلين بالفرقة الرابعة وقائدها ماهر الأسد من جهة، وحلفاء روسيا من جهة أخرى، ممثلين برأس النظام بشار الأسد، على استقطاب شباب السويداء إلى الخدمة العسكرية، كل طرف في تشكيلاته، ولعل ما خلفّه هذا الانقسام في مجتمع أبناء السويداء نفسه بين مؤيد أو معارض لأحد الطرفين، خلق خلخلة في البنية الاجتماعية لأبناء المحافظة التي لم تشهد يومًا انقسامًا حادًا بين أبنائها، كما هو الآن، أما في المناطق التي سيطر عليها النظام مؤخرًا، فالحال لا تشبه الحياة الكريمة التي وعد بها من قام بإبرام المصالحات مع الأسد وحلفائه؛ فالأزمة الاقتصادية خانقة حتى أبعد الحدود، إضافةً إلى عمل أجهزة أمن الأسد المستمر والدؤوب، من أجل تفكيك المكون العشائري في هذه المناطق وبخاصة منطقة حوران، وفتح المجال واسعاً للتشيُّع وإلزام أبناء هذه المناطق الانضمام إلى الميليشيات الشيعية الإيرانية، إضافةً إلى حملات الاعتقال التي تقوم بها الأجهزة الأمنية ضد الشباب والنساء حتى الأطفال، والإذلال والتنكيل المتعمد لقادة الفصائل التي عقدت اتفاقات المصالحة مع الروس، لكن يبدو أن هذا لم يشفع لهم، فاعتُقل واغتيل الكثير منهم بطرق مختلفة، كل هذه الظروف القاسية التي أحاطت بأهل هذه المناطق وأبنائها دفعتهم مؤخرًا إلى محاولات إعادة سيرة الثورة الأولى، فشاهدنا العديد من التظاهرات الشعبية، والكثير من العمليات الفدائية التي تبنتها المقاومة الشعبية المستحدثة، واتخذتها طريقة جديدة في مقاومة النظام وميليشياته، وإيجاد رادع يوقف توغله في ممارساته القمعية، والتمادي على أبناء الثورة والحاضنة الشعبية لها في تلك المناطق.

يرافق هذه المصائب التي حلّت على السوريين، تحت سلطة الأمر الواقع، ظاهرة الفساد التي استشرت في المجتمع السوري بشكل كبير وغير مسبوق، وبخاصة في مناطق الحاضنة الشعبية للنظام في الساحل، كيف لا، والدائرة الضيقة حول الأسد هي أكثر الجهات التي تمارس الفساد وترعاه عبر الكثير من القضايا، وبخاصة ما يتعلق باستقطاب المستثمرين الدوليين لمساعدة الأسد في تنفيذ مشاريعه التي تصب في إعادة التوزع السكاني في سورية، فيُكافَأ موالو النظام، ويعاقَب السكان القاطنون في مناطق المعارضة، ويمعن نظام الأسد في عقابهم جماعيًا عبر مصادرة ممتلكاتهم، ومنعهم من العودة إلى بيوتهم وإحلال من يتم تجنيسه من عناصر الميليشيات الأجنبية محلهم، بدلًا من أن يقوم بتقديم خطط تؤدي إلى استعادة البلاد عافيتها، وردم الهوة المجتمعية بين أبناء الشعب السوري، فضلًا عن ذلك كلِّه يُلاحظ بوضوحٍ انتشار الفوضى والفساد بين طبقة التجار وبخاصة تجار الحرب المقربين من الأسد، الذين يسيطرون على السوق السوداء؛ وهذا أدى إلى غياب اقتصاد الدولة وسيطرة اقتصاد الظل على حياة البلد الاقتصادية، ونتيجة ذلك يُتوقع أن يكون الوضع الاقتصادي في المرحلة المقبلة هو الأسوأ منذ انطلاق الثورة، من جهة ازدياد الحصار الاقتصادي، الأمر الذي سيؤدي إلى نقصٍ حادٍّ في المواد الأساسية كالقمح والقطن والوقود، وإذا لم يتمّ إيجاد حلول لهذه المشكلات؛ فستقوم الدولة باستيراد المواد الأساسية بالعملة الأجنبية، وهذا سيؤدي إلى زيادة غير مسبوقة في التضخم، وإلى خفض الاستهلاك الحكومي إلى أدنى درجاته في تاريخ سورية الحديث، وأعتقد أن هذا سيحدث لا محالة، طالما استمر الأسد وطاقمه في تجاهل إيجاد حلول لمعالجة الأزمة التي تمر بالبلاد، وأعتقد جازمًا أن أهم هذه الحلول إيجاد مساعدات للنازحين واللاجئين، ومنهم من هو تحت خط الفقر، ويُقدّر عددهم في مجمل الأراضي السورية وبلدان اللجوء 20 بـ مليون مواطن، وهذا الأمر فيه كثير من صعوبة التحقق طالما الأسد ومن حوله لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية، وهذا سيدفع -على الأقل- حلفاء الأسد إلى الجزم أن بشار الأسد لا يملك الإمكانات التي تؤهله إلى تنفيذ أي خطة إعمار لسورية، لأسباب موضوعية عدة، أهمها استمرار القتل والاضطهاد والفساد وهجرة ونزوح أكثر من 60 بالمئة من السوريين، وارتفاع معدل البطالة والتضخم بشكل مرعب، والازدياد المتسارع في أسعار المواد الأساسية، وبخاصة الغذائية منها، وبهذا كله يفقد المجتمع الدولي -وعلى رأسهم حلفاء الأسد- الثقة بهذا الرجل الذي لم يستطع حتى الآن إدارة بلاده ولا سيما بعد اندلاع الثورة عام 2011، ولهذا يسعى الجميع لإيجاد حلول قد لا ترضي الشعب السوري، لكنها أيضًا لن ترضي الأسد ودائرته الضيقة.

في النهاية، يمكن أن نقول إنّ ما فعله الأسد في سورية -سواء بقي في الحكم أم أُزيل منه- ستبقى مفاعيله على سورية الوطن والشعب عشرات السنين، سيدفع ثمنها الشعب السوري كله، سواء من انتفض لأجل حريته وكرامته ومستقبلٍ زاهرٍ لأبنائه أو من بقي في مناطق الأسد، من مؤيدين له ورماديين، والشهور القادمة قد تكون حبلى بالأحداث الدراماتيكية التي يمكن من خلالها إعادةُ الاستقرار إلى وطنٍ أنهكه رئيسٌ مجرمٌ، ومعارضة ضعيفة مشتتة، وبينهما شعبٌ طيّب صابر صدح بالحرية والكرامة، وأصرّ على تحقيق ما يصبو إليه، وقد دفع لهذه الغاية الكثير من التضحيات الجسام ثمنًا لمستقبله وقربانًا لحريته وكرامته.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق