سلايدرقضايا المجتمع

قول في اللجوء

بما أن “الأسدية” طريقة في الحكم، تنتمي إلى عالم ما قبل الدولة الحديثة؛ فلا يمكن -والحال هذه- أن يجري تحليلها ضمن الأنساق التصورية التي تتناول الدولة الحديثة، وتحاول اكتشاف آليات عملها، ووسائل الضبط والتحكم التي تمارسها بحق المواطنين. تنتمي الأسدية إلى عالم القرون الوسطى، عالم ما قبل الحقوق المنصوص عليها في القوانين العالمية، ولهذا فهي تبدو “لا دولة”، عند النظر إليها استنادًا إلى المعايير الحديثة للدولة.

يقول أهل القانون: إن الدولة تتكون من ثلاثة عناصر: الأرض والشعب والحكومة أو السلطة. وهذا يعني -في ما يعنيه- أن اختلال عنصر من جملة هذه المكونات يقوّض ركنًا من أركان الدولة، ويجعلها ناقصة.

لنترك مسألة “الأرض“، بوجهيها الحقوقي والوجداني، جانبًا، فهي لا تشكل في ذهنية النظام عنصرًا غير قابل للمساومة، إنها مساحة للفعل السياسي، وليست قضية مقدسة ينبغي الحفاظ عليها، ولا بأس من التنازل عن هذه القطعة، أو السماح لتلك الدولة بحرية الحركة في تلك المنطقة، ما دام التنازل يخدم الهدف الأسمى، وهو بقاء الأسدية. سورية من وجهة نظر الأسدية مزرعة، يكتفي النظام بتصريحات إعلامية حين يعتدي عليها “جار قوي”، ولكنه لا يستطيع أن يعطي “سكانها” أدنى حقوقهم، وحين يتعذر الاحتفاظ بها في ظل تمرد “الأقنان”، يجري تدمير الأجزاء التي لا يمكن حكمها مطلقًا، لكي تصبح معيشة هؤلاء أقرب إلى الجحيم.

الركن الثاني من أركان الدولة هو الشعب، وهو ما يشغل بال الأسدية دائمًا، لا بمعنى الرغبة في تلبية احتياجاته والعمل على توفير الخدمات له، كما تفعل كل الحكومات والأنظمة المنتخبة، أو تلك التي تمتلك الحس الأدنى من الوطنية، ولكن من خلال كونه هاجسًا أبديًا لها؛ فالمزرعة لا يمكن أن تعمل إلا في ظل وجود “أقنان”، يقومون بالأعمال التي تدرّ دخلًا على صاحبها.

من هنا، فإن الحديث عن اللاجئين هو حديث عن إعادة “الأقنان الهاربين” إلى المزرعة. لا جدال في أن النظام لم تعد لديه السيادة على كل المناطق التي “يسيطر” عليها، وبخاصة في غوطة دمشق، والزبداني، ومضايا، والقصير، فهذه المناطق لا يستطيع النظام الحديث عن عودة اللاجئين إليها؛ لأنها تخضع لمشروع إيران في التغيير الديموغرافي. ما سوى ذلك من بلدات ومدن، النظام لديه الرغبة في إعادة اللاجئين إليها، ولكن ضمن الشروط التي يضعها، ولا يعود السبب إلى وطنية النظام، ولا إلى حرصه على “المواطنين”، فتجربتنا معه تقول عكس هذا.

يعكس هذا الانقسام في رؤية النظام تناقضًا في رؤية الروس والإيرانيين لمسألة اللاجئين؛ فروسيا مع أنها أكثر قدرة على التدمير من إيران، بحكم ما تمتلكه من قوة نارية، ليس لديها هاجس تغيير ديموغرافي؛ لأنها دولة إمبريالية على الطريقة الكلاسيكية، يهمها قبل كل شيء استثمار طاقات مستعمرتها إلى أبعد حد، ولا يتأتى هذا إلا من خلال عودة كل اللاجئين، حتى يجري الاستفادة من طاقاتهم، ناهيك أن شروط إعادة الإعمار لا تتحقق إلا بعودة هؤلاء. المسألة في الملعب الإيراني مختلفة؛ لأننا أمام نظام كهنوتي، يفوق قدرة روسيا على إحداث الخراب المجتمعي الذي يشكل التغيير الديموغرافي جزءًا من آلياته.

من الأسباب التي تدفع النظام إلى البحث في عودة اللاجئين، أنه بات يخشى تحوّل اللجوء السوري إلى قوة ضغط حقيقية على المستوى الدولي؛ فاللاجئون الذين خرجوا من الكهف الأسدي انفتحت أمامهم آفاق جديدة، لم يكونوا قادرين على تخيلها في “سوريا الأسد”، وهذا يشكل مصدر خوف للنظام على المدى المتوسط والبعيد، ولا سيّما أن هاجسه بالخلود يفرض عليه تدمير أي بذرة قد تشكل خطرًا مستقبليًا. نحن نتحدث عن دياسبورا سورية، لن يطول بها الأمر حتى تنظم نفسها، بفعل خبراتها الجديدة المكتسبة، في جمعيات ومؤسسات أهلية، ستتحول مع الزمن إلى كتلة من الصعب تجاهل تأثيرها، لا على الساحة المحلية، وإنما على الصعيد الدولي.

على الصعيد الاقتصادي، لم يدمر النظام العمرانَ البشري فقط: الأبنية، المدارس، المستوصفات… إلخ، ولكنه دمر أي إمكانية لعودة الاقتصاد إلى الدوران. فقد أدت السنوات السابقة إلى انهيار قطاع الصناعة، وتدهور القطاع الزراعي تحت الاحتلالات المتعددة؛ فالقطاع الزراعي عانى الإهمال من قبل الدولة في السنوات التي سبقت الثورة، بفعل السياسات النيوليبرالية التي اتبعها النظام، والتي قامت على تحفيز الاستهلاك، والاهتمام بقطاع الخدمات، وترك الفلاحين يواجهون وحدهم عمليات الانسحاب الكبير للدولة من دورها الاجتماعي، أما في زمن الثورة فقد منعت الأعمال العسكرية الفلاحين من استثمار أراضيهم، بعد أن تركوها ونزحوا، أو طلب منهم استثمارها ذلك لقاء إتاوات كبيرة لقوات النظام والميليشيات التابعة له. وفي المجال الصناعي الذي عانى هو الآخر بسبب المنافسة الشديدة من جانب الشركات التركية قبيل بدء الثورة، آثر معظم صناعيي حلب، على سبيل المثال، الانتقال إلى غازي عنتاب في تركيا، أو إلى مصر، وهؤلاء ليس من اليسير إعادتهم إلى سورية، حتى في ظل توافق سياسي لا يبدو أنه في الأفق.

أصبحت عودة السوريين اللاجئين مطلبًا للنظام، ليستثمر هذه العودة في قضايا إعادة الإعمار، وتحسين شروط إعادة تأهيله على المستوى الدولي. إضافة إلى إعادة القوة الشبابية إلى البلد، لترميم المؤسسة العسكرية التي انهارت تقريبًا، وليعيد تنشيط عجلة الاقتصاد؛ فمن دون قوة منتجة لن يتمكن النظام من العيش والاستمرار، فهو يعتمد على ما ينتجه “الأقنان” في “مزرعته”، وخروج هؤلاء “الأقنان” حرمه من الموارد اللازمة، ولا سيّما بعد أن انتهت تقريبًا مرحلة التعفيش والنهب، ولم تعد هناك طرق جديدة تعتاش منها ميليشياته.

تشبه حالة سورية اليوم حالة ألمانيا، قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية، فالأعمال العسكرية في مراحلها الأخيرة، والبلد محتل من عدة دول، دون أن يكون لدى الاحتلال الروسي، تحديدًا، أي قدرة على تلبية احتياجات الناس، هذا إذا تركنا جانبًا أنه احتلال كلاسيكي، مهمته نهب الثروات، لا المشاركة في إعمار بلد، أسهم بقدرته النارية الهائلة في تدميره.

الطعنات التي صوبتها الثورة السورية إلى جسد النظام أدخلته في مرحلة الغيبوبة التي لن تجدي معها عقاقير إعادة تأهيله على الإطلاق، فقد مضى ذلك الزمن الذي كان يمكن فيه تدارك موته السريري الماثل أمامنا، وهي حقيقة يعرفها داعموه أكثر من غيرهم. للأنظمة -كما للبشر- أعمار لا تتجاوزها، يحدث أحيانًا أن يستمر “الميت سريرًا” في غرفة العناية المركزة؛ لأن اليد التي ستقطع أنبوب التنفس غير موجودة.

ثمة موتى تصحبهم إلى لحودهم اللعنات، بدلًا من عبارات المديح التي تقال احترامًا لجلالة الموت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق