سلايدرقضايا المجتمع

“التشدّد” و”التطرّف” و”الإرهاب”… ثلاثي المرض السوري

انطلقت الثورة السورية سلميّة، حيث خرج المنتفضون يطالبون بالحرية، حين شعروا بأن الأوان قد آن لاستنشاق شيء من نسائم الحرية التي بدأت تلوح بوادرها في أفق العالم العربي، أو هكذا خُيّل لهم، لكن النظام الشمولي القمعي الذي حكم البلد أكثر من أربعة عقود، منتهجًا سياسة كمّ الأفواه وإلغاء الآخر، استخدم كل طاقاته لحرف الثورة السلمية عن مسارها، وعمل على حرمان الشعب من حقوقه المشروعة المسلوبة منذ عقود.

كانت أبسط وأسهل طريقة بالنسبة إلى النظام هي أسلمة الثورة، وقولبتها بقالب التشدد والتطرف والإرهاب، حسب المصطلحات الدولية، فتفقد الثورة شرعيتها وفكرتها ومضمونها. حيث إن النظام كان قد جمع أصحاب الفكر الجهادي والسلفي وذوي التوجهات الإسلامية، بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وفتح الحدود لهم للالتحاق بصفوف الجهاد في العراق، ثم استدعاهم بعد عودتهم إلى الأفرع الأمنية، وتم زج كثيرين منهم في سجن صيدنايا.

بعد انطلاق الثورة، وتحديدًا نهاية عام 2011، تم إطلاق سراح السجناء السياسيين (الإسلاميين) من سجن صيدنايا، بموجب مرسوم رئاسي، وما لبث هؤلاء السجناء أن انخرطوا في الثورة السورية بسرعة، كما كان مخططًا له ومدروسًا من قبل النظام، وأصبح الكثير منهم قادة للفصائل الثورية، صابغين الثورة بصبغة “الأسلمة” وفق ما رسم النظام، على الرغم من أن كل أفعالهم كانت تتناقض مع الإسلام.

يُمكن أن نُطلق على هذه الحالة تسمية “الإسلام الثوري”، أسوة بمصطلح “الإسلام السياسي”، وأيًّا كان التوصيف أو التسمية أو المصطلح، فإن ما آلت إليه الثورة السورية، من وراء هذا النوع من “الإسلام”، هو أنها وُصِفت بالتشدد والتطرف، ثم بسيطرة الإرهاب، وهذا بحد ذاته أدى إلى نشر وزيادة الفكر المتطرف، فأمام خذلان العالم الخارجي، اعتقد كثير من الشباب السوري أن هذا الفكر وهذه الفصائل المتشددة أو المتطرفة هي الجهات الصادقة التي تُقاتل بحق ضد النظام، وهي من ستوصلهم إلى الحرية، وإن كانت المصطلحات الأيديولوجية مختلفة.

إذا تحدثنا عن التطرف؛ فستكون (هيئة تحرير الشام/ جبهة النصرة) المرتبطة بتنظيم القاعدة الدولي، هي ما يمكن أن توصف بـ “التطرف”، على الرغم من تصنيفها الدولي “منظمة إرهابية”، أما (الدولة الإسلامية في العراق والشام/ داعش) التي أُعلنت في سورية عام 2013 امتدادًا للدولة الإسلامية في العراق، بقيادة “أبو بكر البغدادي”، فهي ما يمكن أن تُصنّف -حسب الاصطلاح الدولي- بـ “الإرهاب”، وليس التطرف.

لن نتحدث كثيرًا عن (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) فالإرهاب صفتها وأُسّ أيديولوجياتها، وهي مصنفة إرهابية على المستوى الدولي، كما أن السوريين عانوا ما فيه الكفاية من بطشها وإرهابها.

بالحديث عن (جبهة النصرة) التي ظهرت في سورية أواخر عام 2011، ويقودها “أبو محمد الجولاني” الذي يُعرف بصلاته بتنظيم القاعدة الدولي، على الرغم من أن هذا التنظيم يتبنى -بفكره وأيديولوجيته- الفكر الجهادي السلفي، ويُصنف دوليًا بأنه منظمة إرهابية، فإن حالته السورية مختلفة قليلًا، فنموذج (النصرة) في سورية يمكن وصفه بالتطرف البراغماتي، أكثر من وصفه بالإرهاب الدولي، على الرغم مما يُعرف عن صلاته بتنظيم (القاعدة) ووجود المقاتلين الأجانب الذين لا يُنكرون انتماءهم وولاءهم للقاعدة، والتوصيف ليس دفاعًا عن النموذج، بقدر ما هو محاولة لفهمه بطريقة أفضل لاستخلاص نتائج مفيدة أكثر.

استغلت “جبهة النصرة” فكرة انتمائها إلى تنظيم (القاعدة) لتكون لها القوة والسلطة والسطوة على باقي الفصائل، ولتكون ندًّا لتنظيم (داعش)، وسعت للحصول على اعتراف دولي، أو على الأقل على تواصل إقليمي مع دول الجوار، أملًا بأن تُعدّ جزءًا من الثورة السورية، إلى حد البراغماتية في استخدام المصطلحات الثورية، كالحرية والديمقراطية، في البيانات والمنشورات التي كان تُصدرها، وهذا بحد ذاته أثار الخلاف والانقسام داخل المجموعة، بين المقاتلين الأجانب من التيارات المتشددة وبين المقاتلين السوريين، الذين عُرف عنهم عدم التبني الكامل لمشروع الجهاد العالمي، بقدر ما يسعون لسلطة ونفوذ ضمن الحدود السورية.

لم ينشأ التوجه المتطرف للتنظيم من داخل سورية، ولم يكن للفكر الجهادي الذي يسعى لتشكيل الإمارة والخلافة، ويستهدف العالم خارج حدود الدولة، بيئة حاضنة في المجتمع السوري، فالشباب السوري الملتزم والمتدين بشكل عام، هو خريج المدارس الدينية الدمشقية والحلبية، التي هي أقرب ما تكون إلى الاعتدال والوسطية من التطرف والتشدد.

انضم كثير من الشباب السوري إلى هذه المجموعات “المتطرفة” خلال سنوات الثورة، وكان سبب انضمامه فقدان الثقة بـ (الجيش الحر) وباقي المجموعات والفصائل التي لم تستطع أن تُحقق ما بدأت من أجله الثورة، وتحوّل قادتها إلى أمراء حرب، غرّتهم المصالح المادية والشخصية، وأضلتهم عن طريق الثورة، فوجد هؤلاء الشباب، في خطاب الجهاد والخطاب المغلف بالصبغة الإسلامية، شيئًا من الأمل بالانتصار ومواجهة النظام.

نسبة كبيرة ممن انضم إلى صفوف المجموعات المتطرفة، انضموا بسبب انعدام الموارد المالية في ظروف الحرب البائسة في الداخل، لا عن قناعة بالمنهج والأيديولوجيا، فما يُدفع كأجر أو راتب للمقاتل كان كافيًا لأن يُجنَّد ويجذب الكثير من المضطرين.

ما بين “التطرف” و”الإرهاب”، كانت هناك فصائل إسلامية توصف بالفصائل “المتشددة”، التي كان طابعها الالتزام الديني، لكنها كانت ضمن الإطار العسكري الثوري متبنية مبادئ الثورة، حتى إنها انخرطت مؤخرًا مع فصائل (الجيش الحر)، ولم تكن الأيديولوجيا الدينية همًا لها، بقدر ما كانت تسعى لتحقيق مكاسب عسكرية على الأرض تُثبت نفوذها في مناطقها.

أصبح “التطرف” الآن أحد الأمراض التي استشرت في الجسد السوري، سواء أكان دخيلًا على فكر الشباب السوري أم كان شيئًا أصيلًا كامنًا، ولا بدّ من البحث عن الحلول والسعي لإنهائه والحد منه، وهنا لا بد من الحديث عن ضرورة معالجة المشكلة الفكرية بذات السلاح، أي بالتوعية وبنشر فكرٍ ومنهجٍ إسلامي معتدل، يكون قادرًا على إظهار الإسلام للشباب الذي لا يجد في غمرة الأوضاع الراهنة مصدرًا للتثقيف، كدين وسطية لا دين تطرف وتشدد وتزمت. إذ لا يمكن مواجهة الفكر عسكريًا، بل بالفكر فقط، فالحديد لا يَفله إلا بالحديد، ويجب الحذر من أن من دخل صفوف “التطرف” عن قناعة وإيمان بالمنهج والفكر، سيُهدد وحدة المجتمع السوري وتآلفه، وسيقضي على إمكانية التئامه. كذلك، مع أفول قوة (داعش) كتنظيم إرهابي، لا بد من التفكير بجدية بما تركته في نفوس الأطفال والشباب، ممن كانوا تحت سيطرتها لسنوات، فتلك العقول يمكن أن تكون مشروع تشدد ثم تطرف ثم إرهاب، والمشكلة ستكبر وتستفحل، ولا بد لها من علاج على وجه السرعة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق