أدب وفنون

إيغون شيلي.. الفنان المتمرد

“لا يمكن نعت عمل فني ذي طبيعة إيروتيكية بالقذر، يصبح قذرًا فقط، إذا كان المتلقي كذلك”.

لوحاته تعرض لنا ما نهرب منه في حياتنا، وما نشيح بنظرنا بعيدًا عنه، وتدفعنا إلى تأمّل الضعف، والتحديق في البشاعة، الاعتراف بالمرض، والسكون والتكوّر على هشاشة تُنبئ بالعجز. لم تبحث شخصيات شيلي عن الجمال التقليدي، وإنّما عن الجمال الذي ينطلق من البشاعة -الغروتيسك، والكمال الذي ينشأ من تمظهر النواقص، والقوّة التي تنبت من أشد الأجساد ألمًا وضعفًا. لقد كان منحازًا دومًا إلى النحول، والأجساد المنكسرة، فالجروح والكدمات لا تغيب عن لوحاته، والموت مصير محتّم، يكاد أن يكون الرسالة الخفية خلف كلّ أعماله، وكأن حياتنا رحلة قصيرة بين موتين، أو أن وجودنا استثناء زمني بين عدمين.

وقف الشاب النحيل ذو الملامح الثاقبة والاثنين والعشرين ربيعًا، يتلقى الاتهامات بتعكير صفو المجتمع، وبالإقدام على الأفعال الفاضحة الصادمة للبرجوازية، حين هجم مفتشو الشرطة على منزله، بعدما تناثرت أخبار عن كونه يساكن امرأة ليست زوجته، ويطلب من الفتيات الصغيرات التموضع بطرق مشكوك في براءتها، لكي يقوم برسمهن. أحضر المفتشون أكثر من مئة لوحة، إضافة إلى الفنان نفسه إلى السجن.

كان سكّان المنطقة يظهرون العداء له، بسبب رسومه الإيروتيكية الجريئة. حتى إنه اتهم يومًا بأنه اعتدى على قاصر منهم، فتعرّض شيلي للسجن في (نيسان/ أبريل 1912) على أثر ذلك الاتهام، ثم أخلى القاضي سبيله، بعدما تأكد أن الفتاة القاصر ما زالت عذراء. قضى شيلي أربعًا وعشرين ليلة في السجن على خلفية رسومه “المخلّة بالآداب”، كما أحرقت المحكمة الرسم الذي تظهر فيه هذه القاصر عاريةً، وصادرت له أعمالًا تقدر بالمئات، جلّها يحوي على عراة.

غادر شيلي بعدها المكان متجهًا برفقة ملهمته إلى إحدى ضواحي فيينا. قضى هناك يومًا كاملًا، حتى قرر القاضي حرق إحدى لوحاته “الإباحية” أمام عينيه، لكن الوقت الذي قضاه في السجن في تلك السن الصغيرة لم يثنه عن ممارسة أكثر الأمور المحببة إلى نفسه: الرسم. فاستمر في رسم كل ما وقعت عليه عيناه بحساسية شديدة وبأسلوبه المعتاد: (باب الزنزانة ذات القضبان الحديدية، سرير صغير متهالك تعلوه أغطية متشابكة وعليه برتقالة وحيدة ذات لون متوهج، وكأنها الضوء الوحيد في الغرفة.)

إنه إيغون شيلي الذي أرسى في سنوات قليلة نفسه، كأحد أهم فناني العصر الحديث، على الرغم من اتهام أعماله الإيروتيكية بالإباحية، فقد كانت صوره للجسد الإنساني ولموضوعات الحياة والموت، بحساسية وهشاشة فائقتين، ورؤية قاتمة للواقع لا تخفت حدتها مهما مرّ الزمن، أو تغيرت المدارس والأساليب الفنية.

إيغون شيلي (1890 – 1918) هو رسام وفنان تشكيلي من النمسا، يعدّ من فناني القرن العشرين الرائدين. اعتمدت لوحاته على الأسلوب التعبيري، وحظي برعاية واهتمام خاص من الفنان النمساوي غوستاف كليمت. ولد في مدينة (تولن Tulln an der) وتوفي في فيينا، في سن مبكر بسبب وباء الإنفلونزا 1918.

عالجت أعماله تصويرات متنوعة للجسد والنفس البشرية.. رسم الكثير من البورتريهات والمناظر الطبيعية بالألوان المائية والزيتية.

هذا ويُعزى تطور أسلوب شيلي إلى أستاذه الذي كان أحد أهم الفنانين الحداثيين جوستاف كليمت، صاحب اللوحة الشهيرة “القبلة”، إذ كان إيغون في بداياته ما يمكن أن نسميه (صبيًا) في مرسم “كليمت” أو ما يطلق عليه فنان تحت التدريب، يتشرب تجاربه وخبراته ويتعلم منه ويساعده، ويلبي طلباته في الوقت ذاته.

عندما تَقدّم لمدرسة فيينا للفنون كان عمره ستة عشر عامًا، ليصبح فيما بعد أصغر المقبولين فيها، ولأنه كان ثائرًا في الحياة والعمل، ضاق ذرعًا بالتعليم المحافظ، ولم يحصل على شهادته، لكن تخلصه من القيود الأكاديمية سمح له بأن يكون نفسه التي يريدها فنيًا والتي نعرفها الآن.

وعلى الرغم من نبوغه الفني، لم ينجح في الحب أو الحياة، وشعر بضيق مستمر تجاه أسرته، والفتاة التي أحبّها لم تبادله الحب في فترة من حياته، فهي التي كتب لها أنه “سوف يقدم يده اليمنى للفن ويديه الاثنين لأجمل فتاة”، ليتخذ طابعًا أكثر تشاؤمًا، تجاه العالم والتعاملات الإنسانية، وظهر ذلك في فنه بشكل واضح.

بعد خروج شيلي من عباءة جوستاف كليمنت؛ ابتعدت أعماله عن زخرفة كليمت، واقتربت من التعبيرية الألمانية، وهي الحركة الفنية التي تهتم بما يدور في عقل ونفس الفنان، والتعبير عن المخاوف والقلق في العصر الحديث، عوضًا من الاهتمام بواقعية الأشياء أو صورتها الظاهرة.! هكذا أخذت أعماله روحه الحقيقية.

جاءت شخوصه أقرب إلى الأشباح، وكأنهم بشر سابقون، يشبهون هيئته هو نفسه، ولكنهم أكثر تحريفًا وتشوهًا، حتى صوره الحميمة للنساء، تفتقر إلى معايير الجمال الأنثوي التي اعتدنا رؤيتها في الفن، تبدو النساء نحيلات، مرهقات غير نابضات بالحياة، لا يملكن ذلك الجمال المثير، فهن يملكن إثارة من نوع خاص، إثارة مشوهة تلوي ذراع التعريفات السابقة عن الجنس، ويختلط فيها الذكوري بالأنثوي.

تغير طابع أعمال شيلي، بعد استقراره وتكوينه لأسرة في سن صغيرة، فأصبحت لوحاته أكثر حميمية، لكنها لا تخلو من الحزن، واستكشف فيها مفاهيم مثل الأسرة والأمومة، الأبوة والموت، لكن أعماله الأكثر شهرة لدى الجمهور تقع في المرحلة السابقة، لذلك يمكن دراسة أعمال شيلي الأكثر شهرة، من أكثر من جانب، مثل معايير الذكورة ورؤيتها في أوروبا الحديثة، أو من جانب الاكتشافات الطبية والفوتوغرافية للأمراض العصبية.

بدأ شيلي فنه وطوره ووصل إلى ذروته في مدة زمنية قصيرة جدًا، يُلام على قصرها مرض (الإنفلونزا الإسبانية)، فلقد توفي في عمر يبدأ فيه الفنانون في استكشاف ذواتهم، فيمكن اعتبار أن نضجه الفني حدث قبل نضجه النفسي، ذلك النضج المفاجئ الذي جعله قادرًا على استكشاف مشاعر المراهقة، وخصوصًا جنسانية المراهقة بشكل مباشر وصادم، ولذلك فإن فهم حياة شيلي والسياق التاريخي الذي نشأ فيه أساسي لفهم فنه.

تعجّ حياة الفنان القصيرة، بالموت. فنبدأ مع موت أبيه المريض النفسي سنة 1905، بعد نوبة جنون أحرق خلالها أموالًا ومستندات، وسط هلع وتوسلات الزوجة، ترك رحيل الأب أثرًا عميقًا في نفس المراهق، وجعل نظرته إلى الحياة سوداوية، خصوصًا أنه على الجانب الآخر كان على علاقة متوترة جافة مع والدته.

بعد الأب، يلقى العديد من محبيه مصيرهم الحتمي، وهم في ريعان الشباب، في بلد كانت تكابد حينها أهوال الحرب العالمية الأولى. فموديله المفضل وملهمته وحبيبته التي رفض الزواج منها تقضي عليها الحمى القرمزية سنة 1917، أما زوجته إيديت، وكانت حاملًا في شهرها السادس، فقد رحلت هي الأخرى قبله بثلاثة أيام، إثر انتشار وباء “الإنفلونزا الإسبانية” الذي أودى به هو أيضًا.

كانت حياة شيلي شاحبة وحزينة، صورةً فاترة عن الفنان المتمرد، مغايرة لتلك الصورة التي طبعتها رسوماته القلقة في نفوسنا. فقد رسم شيلي عشرات بل مئات الرسومات للأجساد المفعمة بالرغبة والانفعالات والأحلام التي تنعكس على الورق والقماش بحركات متشنجة وتكوينات مستفزة، وبخط حيوي يصل إلى حدّ العنف المفاجئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق