أدب وفنون

ثورة وثروة

ـ 1 ـ

كنا قد بلغنا من العمر وقتئذ سبع سنوات، كنتُ أحبه، وكانت تضحكني بعكس الجميع مشاغباته التي لم يكن يستسيغها أبي، ولا سيما في أثناء قيلولته؛ إذ كان يؤوب إلى البيتِ مقوسَ الظهر، ومتعبًا، فأبي، في تلك السنة التي احْتُجِبَ فيها المطر، كان يسقي كل يومٍ أرضنا التي كانت تقدر بـ 100 دونمٍ تقريبًا، وكنتُ، مع إخوتي الذين يكبرونني، أساعده أحيانًا.

استخدم أبي كل الحيل والطرق المغرية والمهادنة مع أخي؛ ليصحبَهُ معه إلى الأرض، وليكفَ عن الضجيج الذي كان يُحدثه، بيد أنها لم تفلح معه، البتة، ووصل الأمر بأبي إلى أنْ قيدَهُ ـ مرة ـ بسلسلةٍ، كان يسلخ عليها الخِراف، وحجزه ـ مرة أخرى ـ مع البهائم في الإسطبل، مُحْكِمًا الباب عليه، لكنه كان يقفل ضاحكًا، مِثلَ بهلوانٍ ينجو من أي شركٍ.

وفي قيلولةٍ خريفيةٍ، فزّ أبي من النوم، وصرخ في وجه أخي الذي كان ينط مِثلَ سعدانٍ، من زاوية إلى أخرى: (أُحب إخوتك الأربعة أكثرَ مِنك.)! ثم وضع رأسه على مِخدته، واستغرق مِثلَ جثةٍ في النوم.

خَجِلَ أخي يومئذ، تجمد، جحظت عيناه، وانكمشَ على نفسهِ مِثلَ خرقةٍ مهترئةٍ. وناموا جميعًا، أما أنا، فقد توجستُ خيفةً لما طَاَلَ انكماش أخي، فوثبتُ مذعورًا، وبحثْتُ عنه في البيت، لكنني لم أعثرَ عليه، وسرعان ما توجهتُ إلى الإسطبل، كان توأمي مُعلقًا بالسلسلةِ ذاتها التي كانت تُسلخ عليها الخراف، يتدلى لسانه، فيما الدم الأحمر، ينز مِدرارًا من منخريه.

ـ 2 ـ

يضحك عبد الستار إذا صفعه شرطي، أو ابن جاره المسؤول، يضحك إذا رأى رجلًا يتصفح في جريدة، أو إذا شاهد المذيع المتأنق، المتبسم، يتلو نشرة الأخبار الرسمية، يضحكه الجيش النظامي والجيش الحر، تضحكه الفصائل المسلحة والميليشيات الحربية و”قوات سوريا الديمقراطية” والمقابر الجماعية والجثث في الشوارع والانتخابات ومجلس الأمن والأمم المتحدة ومشروعات التقسيم والدول دائمة العضوية والدول موقتة العضوية.

(داعش) غزت، يضحك، (داعش) انسحبت، يضحك، “جبهة النصرة” انقلبت، يضحك، “جبهة النصرة” حررت، يضحك، أميركا تهدد روسيا، يضحك، روسيا تهدد أميركا، يضحك، يخطب حسن نصر الله، يضحك، ينذر البغدادي، يضحك، يحرر الجولاني، يضحك، يفوز ترامب بالانتخابات، يضحك، يغادر أوباما، يضحك، وينقلب على بطنه قهقهة، إذا ما تعثر بجمعٍ ينشد الحرية، وهو يمارس هواية المشي، وهو يمارس هواية الضحك، وهو يمارس هواية التضامن، وهو يمارس هواية التظاهر، وهو يمارس هواية العرائض، وهو يمارس هواية الإفلاس، وهو يمارس هواية الحرمان، وهو يمارس هواية العلقم، وهو يمارس هواية الذل، وهو يمارس هواية التشرد، وهو يمارس هواية الخشوع، وهو يمارس هواية السجود، وهو يمارس هواية التحليل، وهو يمارس هواية التطبيل، وهو يمارس هواية الغناء الحزين والراقص، وهو يمارس هواية الرقص الحديث والفلكلوري، وهو يمارس هواية مشاهدة الأفلام والأحلام والأوهام، وهو يمارس هواية قراءة الأشعار الغنائية والحماسية والملتزمة، وهو يمارس هواية التلصص على جارته التي تزوجت صديقه، وهو يمارس هواية زيارة القبور وقراءة الفاتحة على الأموات الذين كان يعرفهم، وكانوا مثله، وهو يمارس هواية “السِلفي”، وخلفه ما تيسّر من وطن.

في الحرب يضحك، في السلم يضحك، في الجوع يضحك، في السجن يضحك، في الأعراس يضحك، في المآتم يضحك، في القفر يضحك، في “البلم” يضحك، في الحافلة يضحك، في القطار يضحك، في الباخرة يضحك، في الطائرة يضحك، على الدراجة يضحك، وفي التفجيرات والهُدن والمسرحيات يضحك ويضحك ويضحك.

يضحك بالطول، بالعرض، يضحك وهو محدب الوجه، وهو مثلث الوجه، وهو دائري الوجه، وهو مستطيل الوجه، يضحك وهو يغفو في مربع، وهو يغفو مقرفصًا، وهو يغفو في بيت الراحة، وهو يغفو في الحصار، وهو يغفو في الدمار، وهو يغفو بين عقربي الساعة، وهو يغفو بين الأطلال، تحتها، فوقها، بالقرب منها، يضحك، وهو يضحك.

ليكون عبد الستار بمنأى من الأخطار، كان والده قد نصحه، حين كان ما يزال في الصف الأول، أنْ يضحكَ كلما أهينت كرامته، واغتصبت حقوقه، أو وجد نفسه في مأزق لا يحسد عليه، فاستشرى الضحك في جميع أنحاء جسده، جسده الحي، جسده نصف الحي، جسده نصف المُتعب، جسده المُتعب، جسده نصف الميت، جسده الميت، فبات يضحك في كل الأوقات والأماكن والمدارس والحدائق والغابات والمساجد والكنائس، إلى أنْ عُثِرَ عليه ذات يومٍ ملقًى على ظهرهِ في حاويةٍ للقمامة، يلفظ أنفاسه الأخيرة، وقد تورمَ من الضحك.

ـ 3 ـ

ستجدون تحت سريري، بعد أنْ أسلمَ الروح إلى بارئها، خمس بيضات، فلا تدفنوني مباشرة؛ لأن عليكم أنْ تنتظروا خمسة أيام حتى تفقسَ البيضة الأولى التي ستخبركم، بعد مرورِ المهلة المحددة بالتمام والكمال، أن البيضةَ الثانية فاسدة، وهنا تحديدًا، عليكم أنْ تنتظروا عشرة أيام؛ حتى تفقسَ البيضة الثالثة التي ستطلب منكم، كما جاء في وصيتي بحسب زعمها، أنْ تسددوا الديون التي تراكمت علي، وما أكثرها! سأفترض جدلًا أنكم قمتم بسداد تلك الديون لأخبرَكم عن خطة البيضة الرابعة التي عليكم أنْ تنتظروها خمسة عشرة يومًا؛ لتسرَ لكم بمفاجأةٍ، ستتلوها عليكم البيضة الخامسة التي عليكم أنْ تنتظروها عشرة أيام حتى تفقسَ؛ لتكذبَ ما ذهبت إليه البيضة الثالثة من مزاعم.

ادفنوني الآن رجاءً.

ـ 4 ـ

يستفسر مني عبد الستار -صديقي المقيم في ألمانيا حاليًا- عن أسماء مَنْ ينال منهم الموت كل يوم: ما اسمه؟ من أي حي؟ وابن من يكون؟

ـ أنت شو عم تشتغل بالضبط يا صديقي؟

ـ ناشط إعلامي وحقوقي.

ـ قلتلي ناشط مو؟

ـ إي

ـ ومانك شايف إنك هيك عم تستغل صداقتنا؟

ـ كيف؟

ـ تعمل في منظمة كما تقول، وحريٌ بمنظمتك أنْ تراسلَ منظمة داخلية لتزودَها بما تشاء من معلومات. أليس كذلك؟

ـ كلامك صحيح، بس المنظمات الداخلية موالية، تشبيحية غالبًا، وتابع:

ـ أنت ثقة، وأسرع.

ـ أي بس ماني مُخبر عندك يا صديقي الناشط.

ـ منشان حقوقهم، الله وكيلك، كل شيء موثق بالورقة والقلم.

ـ حقوق مين، والناس ميتين؟

ـ أنت حساس شوي، الموضوع عادي، عادي.

أهمله، و:

أفرغ غضبي في سيجارة تلو أخرى، لكنني تحت إلحاح أسئلته الصفراء، التي تنحدرُ من سلالة الأسئلة معدومة الجدوى، أخبره عن سيارةٍ تجوبُ الشوارع يوميًا، وهي مكتظة بالموتى، وكيف أن سائقَ تلك السيارة -عبر مضخمٍ للصوتِ- يدعونا لننددَ في مظاهرةٍ بهذه الجرائم، ثم ينعتُ من لم يمت منا بعدُ بالمفتقر إلى الناموس، وبالخائن، والعميل، أخبره كيف أنني أُصدم في كل يومٍ بصديقٍ التهمه الموت، فانكسر ظهر والده، وماتت أمه حسرة، وبقريب لن أراه ثانية، عن هجرة الناس الجماعية والانبعاجية والشوارع الفارغة أخبره، عن أمراء الدم الذين يغتصبون السبايا والقاصرات والعفيفات بتشفٍ، ويجزون رقاب الأبرياء والمغلوبين على أمرهم أخبره، عن الهواء المجرثم والمغبر والعطن أخبره، عن البراميل والطااااخ والدووووم أخبره، عن بيوتٍ مهجورةٍ ومذعورةٍ ومدمرةٍ، وعلى ساقٍ واحدةٍ، وبعينٍ مفقوءةٍ، وأخرى تخشبَ الدمع بها أخبره، عن امتعاض بان كي مون، ومعارضة أوباما المعتدلة، ومعادلة توازن القوى، والحل السياسي، وقوات التحالف، وثوار الفيسبوك، والجيش النظامي، والجيش الحر، و(داعش)، و”جبهة النصرة”، وشنكال، ونصيبين، وكوباني، وعفرين، أخبره، عن سورية المقابر، عن سورية بلا حدائق، عن سورية بلا مساجد وكنائس، عن سورية بلا مدارس وجامعات، عن سورية بلا طفولة وبلا غد، عن سورية الثورة الموءودة، عن (سوريا ترحب بكم) التي اختصروها في المطارات والبواخر والمخيمات أخبره، وأخبره وأخبره.

ـ صدقني أقدر مشاعرك، لكن التاريخ لا يرحم، والفرصة متاحة أمامك الآن، لتسجل موقفًا وطنيا.

ـ أشكرك، أكتب له، وقبل أنْ أضغطَ بقوةٍ على “إيقاف تشغيل الدردشة” يقصفني بجملته المنظماتية:

ـ أريد أسماءً يا صديقي.

………………………………….

*  مقتطف من مجموعة “بين تفاحتين” الفائزة بجائزة رابطة الكتّاب السوريين للإبداع الأدبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق