مقالات الرأي

الحوار السوري – السوري

كثر الحديث السياسي، في الآونة الأخيرة، عن الحوار السوري – السوري، سواء أكان ذلك الحوار مع النظام السوري أو بين الأطراف السياسية السورية المعارضة، وتباينت ردات الفعل السياسية على أصحاب مبادرة الحوار مع النظام السوري، بين الشتائم الشخصية، والمواقف العقلانية التي تعاملت مع تلك المبادرة باللغة السياسية المطلوبة. وقبل الحديث عن الموقف من مبادرة الحوار مع النظام السوري، ارتأيت أن أروي حادثة معاشة حصلت معي، في جامعة دمشق عام 2012، ربما تعطينا دلالات على طبيعة رؤية النظام السوري للحوار مع المعارضة.

صباح إعلان المرسوم الجمهوري تشكيل الحكومة السورية برئاسة وائل الحلقي، 9 آب/ أغسطس 2012، التي تضمنت قدري جميل وزيرًا للتجارة الداخلية ونائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية عن حزب الإرادة الشعبية، وعلي حيدر وزيرًا للمصالحة عن الحزب القومي الاجتماعي، ممثلين لـ “المعارضة الوطنية”، دخلتْ إلى مكتبي في جامعة دمشق إحدى الأكاديميات المهتمات بالشأن السياسي، وكانت تعمل مع مركز دراسات تابع للمخابرات، وسألتني عن رأي المعارضة في هذه الحكومة، لأنها تعدّني قريبًا من المعارضة، فاعتذرتُ عن الإجابة لأنني أعرف أنها تطرح مواضيع سياسية على الأكاديميين والمهتمين بالشأن السياسي، لترسلها إلى المخابرات، فكان جوابي أنني لست على اطلاع على آخر الأخبار السياسية. وكي تحفزني على المشاركة في النقاش والرأي، أدلت برأيها قائلة: “إن هناك حكمة سياسية لدى بشار الأسد في تشكيل هذه الحكومة، حيث قدم للمعارضة (الوطنية) عظْمةً مجردةً من اللحم، وحين تعود الأمور السياسية إلى ما كانت عليه قبل عام 2011؛ سوف يضع بشار الأسد هذه العظْمة في مؤخراتهم ومؤخرات أمهاتهن (وللأمانة قالتها كما هي في اللهجة الريفية الساحلية).

الهدف من سرد هذه الواقعة العيانية هو القول: من حيث المبدأ، هذه رؤية النظام السوري للحوار مع المعارضة، لمن يرى أن بالإمكان الحوار معه، هذا النظام الذي رفض الحوار حتى مع ما يسميها (المعارضة الوطنية)، وعمل على تدمير معظم المدن والبلدات السورية، وهجّر ملايين السوريين في أصقاع العالم كافة، وما زال يرفض عودتهم، وقتل واعتقل مئات الآلاف، واستجلب عشرات الميليشيات المذهبية والطائفية من لبنان والعراق وإيران، إضافة إلى الاحتلالات الروسية والإيرانية، مقابل أن لا يتحاور مع شعبه ويقدم بعض التنازلات، إنّ كلّ ما يقبله هذا النظام من المعارضة الاستسلام المذل وحسب، كما حصل مع بعض المعارضين في تجارب المصالحات، برعاية روسية.

وكي لا نتهم بالعدمية السياسية، يمكن الحديث عن فكرة المفاوضات مع هذا النظام، فالتاريخ حافل بالمفاوضات بين الأعداء، وهي حالة طبيعية، مختلفة جذريًا عن مفهوم الحوار، الذي يحصل عادةً بين أطراف صديقة، حول قضية معينة، بهدف الوصول إلى ما هو مشترك، بعيدًا من ممارسة الخصومة بأشكالها المتنوعة، وبالتالي هناك مسبقًا اعترافٌ أخلاقي بالآخر. وهذا غير متوفر عند النظام السوري.

أما في المقلب الآخر، أي لدى التيارات السياسية والنخب السورية المعارضة، فلا بدّ، قبل الحديث عن الحوار وأهميته في سورية، من طرح الأسئلة الآتية: لماذا نتحاور؟ هل من الضروري أن نتحاور؟ هل هناك حاجة إلى الحوار؟ ما الفوائد من الحوار؟ ما الأضرار من فقدان الحوار؟

حين ننظر في المشهد السياسي السوري، وفي مستوياته كافة، نجد أن النزاعات والصراعات المعاشة على أرض الواقع ليست بسبب الاختلاف والتنوع السياسي والديني والمذهبي والأيديولوجي، إنما بسبب العجز عن الوصول إلى ثقافة سياسية حوارية تقبل وترضى باختلاف الآخر، وفي الوقت نفسه تسعى للعمل الوطني المشترك.

الحوار السياسي المطلوب في سورية، على صعيد أنساق المعارضة، لا يتضمن أن المختلف يجب عليه مغادرة موقعه السياسي أو الأيديولوجي، وإنما يتضمن إيجاد المساحة المشتركة معه من أجل الانطلاق منها إلى توسيع هذه المساحة، وبلورة آليات للتفاهم المتبادل، للوصول إلى آليات خاصة بالحوار تسود الأنساق السورية المعارضة كافة.

في هذا الحوار، لا أطراف خاسرة ورابحة، فالجميع يعملون من أجل الوصول إلى إيجاد آلية سياسية مشتركة، يمكن أن تساهم في طريقة إدارة الاختلاف في المواقف والآراء السياسية، وذلك عبر الإقرار بالتشابه والاختلاف على حد سواء، وبالتالي الجميع رابح.

نعم، الحوار السوري – السوري في أنساق المعارضة السورية ضرورةٌ وطنيةٌ، وحاجةٌ سياسية لجميع الأطراف السورية، لفهم نفسها، وتوسيع المساحات المشتركة وبلورة أطر التفاهم المتبادل، وخلق أعراف وتقاليد حوارية تفتقدها التيارات السياسية في الأنساق السورية كافة، بسبب الاستبداد الأسدي التاريخي، الذي أزاح مفهوم الحوار واستبدله بمفهوم توجيهات القيادة الحكيمة العارفة بكل شيء.

في هذه المرحلة الكارثية التي تمر بها سورية، نحن بحاجة ماسة إلى الحوار الوطني، الذي يقتضي من جميع الفعاليات السياسية والنخب الوطنية السورية التفكير بجدية، من أجل الوصول إلى ميثاق وطني يكون مرجعيةً موضوعيةً للسوريين كافة، تتبلور عبره الثوابت الوطنية السورية، التي يعمل السوريون من أجلها، بغض النظر عن الاتجاهات الأيديولوجية والسياسية وغيرها.

سورية اليوم تحتاج -أكثر من أي يوم مضى- إلى ميثاق وطني موحد، يستجيب للهواجس السورية كافة، بدءًا من طبيعة النظام السياسي والاجتماعي الجديد إلى طبيعة الهوية السورية، التي لا تنفي الخصوصيات القومية والثقافية لبعض السوريين. أي على قاعدة القبول بالتعددية في الفضاء السوري. وفي الوقت نفسه تكون أداةً لتنظيم الاختلافات، وضبط النزاعات في هذه المرحلة، وتطوير الحياة السياسية، وتوسيع القاعدة الوطنية المشتركة.

أعتقد بأن العمل من أجل إطلاق حوار حقيقي بين التيارات السياسية السورية المعارضة، للوصول إلى تصور سياسي لسورية المستقبل، وخلق جسم سياسي سوري جامع يمكن من خلاله الدخول في مفاوضات حقيقية مع النظام السوري، -إذا ما حصلت تغيرات سياسية دولية وإقليمية مناسبة وداعمة للعملية التفاوضية استنادًا إلى مرجعية قرارات الأمم المتحدة- هو أجدى من تضييع الوقت في اللهاث وراء وهم الحوار مع النظام السوري، الذي لا يقبل إلا بالاستسلام المذل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق