تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لماذا تتبعثر الدعوات لعقد مؤتمر وطني؟

كثيرة، ومتعددة الجهاتُ التي تدعو لعقد مؤتمر وطني، أو لقاء تشاوري، وهناك من يرى ضرورة ملحة لذلك في هذه الظروف الانعطافية، بغية مناقشة التطورات على ضوء الانزياحات والخسائر التي مُنيت بها المعارضة عمومًا، والعسكرية بوجه الخصوص، وأن التراجعات في المواقف الدولية، وطبيعة المشروع الروسي ومرتسماته، وموضعات مناطق النفوذ، وتجاوز مضمون بيان جنيف 1، وواقع الثورة ومستقبلها، جميعها عوامل تقتضي لقاء قوى المعارضة والثورة، ووضع برامج وتصورات وخطط عمل مناسبة. وفعلًا تقدّمت بعض الشخصيات الوطنية بمشاريع رؤى، ومبادرات نظرية تطرحها لأجل إحداث استقطاب حولها، والبعض يقدمها كنوع من الواجب، أو رفع العتب، لأن مصيرها غالبًا ما يكون الإهمال، أو ضعف التفاعل معها.

هناك من يُؤمن بأن هيئات المعارضة كافة، خاصة الائتلاف وهيئة المفاوضات السورية، فاشلة، وتتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، في وصول الأوضاع إلى ما هي عليه، ويقترن ذلك بحملات مركّزة على الائتلاف كجهة، وعلى بعض أشخاصه بصفة خاصة، ولا يخلو الأمر من الشتائم، ولغة التخوين، وإصدار الأحكام القطعية على الأشخاص، أو الهيئات، أو جهات المعارضة المعروفة.

منذ سنوات، ترتفع الدعوات لعقد مؤتمر وطني “جامع” أو بديل، وهناك عشرات المبادرات والمحاولات التي طُرحت، ومشاريع ولجان تحضيرية، وقوائم أسماء، واتصال بالبعض وإقصاء لبعض الشخصيات، أو وضع محددات ومواصفات معينة، لكنها جميعها لم تثمر الكثير، ولم تُحدث الأثر المنشود.

عشرات الغرف منتشرة اليوم، ويضمّ بعضها نخبًا وأسماء مهمة، وتتقارب الأفكار التي تُطرح، والنقاشات التي تكاد تكون متشابهة، على الرغم من اختلاف الخلفيات وتنازع بعض الغرف فيما بينها أو الانطلاق من مرجعيات متناقضة مع بعضها، ومع ذلك لم يحدث تقدّم ملحوظ في تجسيد الفكرة المحورية التي يجري النقاش حولها: المؤتمر الوطني، أو إيجاد البديل الأفضل للهيئات القائمة.

مع هذا الزخم، والحشد الذي يتكاثف في الآونة الأخيرة ويتخذ من “اللجنة الدستورية” عنوانًا للتعبئة والتحشيد والتصنيف؛ لم يتقدّ مشروع عقد لقاء وطني عام، بل إن الدعوات تتآكل وتخبو لتظهر من جديد بنفس التناغم المعهود، الأمر الذي يطرح أسئلة عن الأسباب التي تمنع تحقيق هذا الشعار الذي ينادي به عديد السوريين وبعضهم يرى فيه الخلاص، أو البديل المطلوب.

في مطلع تموز/ يوليو 2012، برعاية الجامعة العربية، وتأييد واسع من الدول العربية والإقليمية وأصدقاء الشعب السوري؛ عُقد مؤتمر المعارضة في القاهرة، بعد إعداد جيد من قبل لجنة تحضيرية مكونة من 18 عضوًا كانت تمثل معظم أطياف المعارضة، وأنجزت تلك اللجنة وثيقتين مهمتين: وثيقة العهد، أو الرؤية السياسية، ووثيقة المرحلة الانتقالية، وكان الحضور واسعًا وقد تمثل فيه معظم أطياف المعارضة والحراك الثوري، وكان الهدف الرئيس توحيد المعارضة، عبر تشكيل لجنة متابعة تتولى تنفيذ الوثائق، والسير المبرمج في عملية التوحيد، والتوافق على الرؤية السياسية التي تحدد مستقبل الحكم في سورية.

وعلى الرغم من الاتفاق على الوثائق النظرية، والتوقيع عليها بالاسم من قبل أعضاء اللجنة التحضيرية وما يمثلون؛ فإن الخلاف كان كبيرًا حول فكرة تشكيل لجنة متابعة، وكان المجلس الوطني القوة المعارضة المؤثرة، انطلاقًا من موقف اعتبر أن تشكيل اللجنة مؤامرة لتقويض المجلس، وإيجاد شكل رخو، أو مرن بديله، حيث كانت المسافة كبيرة بينه وبين “هيئة التنسيق” من النظام، و”الجيش الحر”، ومستقبل النظام في سورية، ومسائل تراكمية مختلفة، الأمر الذي أدّى إلى الفشل، وإبقاء الوثائق النظرية المتفق عليها معلقة دون وجود جهة تعمل على تجسيدها. وأعتقد أن هذا الموقف الرافض من المجلس الوطني، المخالف لتوجهات تلك الدول الداعمة للمؤتمر، كان في مقدمة أسباب تجاوز المجلس الوطني، وقيام الائتلاف.

الائتلاف بدوره، رفض الانخراط في ما يُسمى “حلف مقاومة الإرهاب”، وطرح اقتران ذلك بمحاربة النظام أيضًا، باعتباره مولدًا للإرهاب، ثم رفض اقتراحات دي ميستورا بالمشاركة في الورش الأربع بديلًا للبدء بتطبيق بيان جنيف 1، والشروع فورًا بالمرحلة الانتقالية، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي. كان مؤتمر الرياض وولادة الهيئة العليا للمفاوضات تحت عنوان “توسيع قاعدة التمثيل”، وهي بدورها لم تتكيّف مع المتغيرات الدولية، ومع حدوث تراجعات كبيرة في جوهر العملية السياسية، كان القرار 2254 الذي ذكر بالنص منصتي القاهرة وموسكو، أي العودة إلى قصة توسيع قاعدة التمثيل وإشراك ممثلين عن المنصتين، فولدت “هيئة التفاوض السورية” وسط دحرجة كبيرة في المواقف والأوضاع، ثم جمود عملية المفاوضات في جنيف، وولادة مشروع لقاء أستانا الذي كان الهدف الرئيس الروسي منه استبدال التمثيل السياسي بالفصائلي، وإيجاد مسار آخر مواز، أو بديل لمسار جنيف، وما عرفته لقاءات أستانا من تطورات باتجاه ما يعرف بمناطق خفض التصعيد، ثم الانضواء في مسار جنيف وحضور الأمم المتحدة، فلقاء سوتشي ومخرجاته في البيان الختامي، وتشكيل لجنة دستورية هي اليوم محور التفاعلات والتحركات.

واضح من هذا المسار الذي أوجزناه، أن تطبيق فكرة المؤتمر الوطني، على الرغم من أن الذين يطرحونها هم سوريون يظهرون خوفهم على الثورة، وحرصهم على تمكينها من تجاوز الوضع الصعب، وحالات الإحباط واليأس التي تنتشر، يحتاج إلى قرار غالبًا ما يكون إقليميًا، ودوليًا، ودون وجود هذا القرار؛ فإن جميع مشاريع ومبادرات عقد مؤتمر وطني لا تجد طريقها للتجسيد، وتدور في حلقة مفرغة تُظهر مستوى التدخلات الدولية في المسألة السورية من جهة، وواقع قوى المعارضة المشتت من جهة أخرى.

في هذا المجال يجب التوضيح، منعًا للخلط، أن المقصود هو مؤتمر وطني لقوى المعارضة، وليس ذاك الذي جاء النصّ عليه في بيان جنيف 1، والذي كان يفترض أن يعقد في ختام المرحلة الانتقالية، وأن يكون المرجعية لإقرار دستور البلاد، وانتخاب هيئات جاء ذكرها، لذلك البعض يفضل تسمية مشروع كهذا، باللقاء التشاوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق