مقالات الرأي

ماذا تخبئ أكثر الشعبوية اليمينية؟

الكره والخوف يجتاحان العالم...

انتشر، في مطلع العام الحالي، مقطع فيديو صوّرته سائحة برازيلية في بريطانيا، المحزن والمفاجئ في الفيديو أنه لا يؤرخ لأماكن أو آثار لفتت نظر السائحة، كما قد نعتقد، ولكنه يُظهر تعرّض هذه السائحة، واثنين آخرين من بلدها، لهجوم من امرأة بريطانية غاضبة، تظهر في المقطع وهي تصرخ بغضب على السياح الثلاثة، المرأة البريطانية تبدو في العقد الخامس من عمرها، وكما يبدو أنها كانت تنزّه كلبها، حين مرّت بجانب السياح وسمعتهم يتكلمون باللغة البرتغالية (لغة البرازيل الرسمية) فالتفتت إليهم، وبدأت الصراخ طالبة منهم أن يتحدثوا بالإنكليزية، طالما أنهم في بريطانيا.

يمكن مشاهدة المقطع على الرابط:

https://twitter.com/drewsonix/status/1089869063256461313

اللقطة الثانية هي لمراسل قناة (سي إن إن) الأميركية، حيث التقطت الكاميرا، في أثناء التجهيز لبث تقرير المراسل، مشهد اقتراب شابة تحمل لافتة كُتب عليها “إعلام كاذب Fake News” وهي تصرخ بغضب وتقترب من المراسل وتبدأ القفز والتلويح باللافتة والصراخ: “إعلام كاذب.. يجب أن تخجلوا من أنفسكم”. ومن المعروف أن عبارة “الإعلام الكاذب” أصبحت ملازمة لترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض، إضافة إلى وصفه الصحافة الأميركية بـ “عدو الشعب”، في عدة مناسبات.

يمكن مشاهدة المقطع على الرابط:

https://twitter.com/MichaelGordonTV/status/1112178004065746944

في كلا المقطعين السابقين، تظهر كمية لافتة من الغضب والصراخ، تدل على نسبة كبيرة من الخوف والكراهية تجاه الأجنبي بالمقطع الأول، وتجاه المخالفين بالآراء من أبناء البلد نفسه، وفي كلتا الحالتين الضحايا ليسوا مسلمين.

اعتدنا في السنوات الأخيرة مشاهدةَ عشرات وربما مئات المقاطع التي انتشرت لحالات تهجّم على أناس مسلمين (بخاصة العرب) وفي إحدى الحوادث لم يكن الطرف المعتدي شخصًا بل شركة طيران، حيث تم إنزال امرأة محجبة وعائلتها من رحلة لشركة طيران أميركية في مطار شيكاغو، لأن قائد الطائرة رأى أن العائلة تشكل خطرًا على سلامة الركاب.

وبات يكفي أن يكون الرجل أسمر أو يرتدي زيًا مختلفًا، أو أن ترتدي المرأة الحجاب، حتى يرتفع احتمال تعرضهم لتهجم أحد ما عليهم، بدوافع عنصرية، وغالبًا ما يتم استخدام العنف تجاههم لفظيًا، وفي بعض الأحيان يتم الاعتداء بالأيدي.

عادةً ما يتم وصف هذه الاعتداءات العنصرية بأنها تنتمي إلى ما بات يُعرف بـ “الإسلاموفوبيا” ولكن هذا المصطلح أصبح بلا معنى، أمام ما يحدث، والهجوم الإرهابي على المسجدَين في نيوزيلندا أظهر ما تحاول الدول الغربية إخفاءه، من أن الموضوع لم يعد مجرد خوف من الآخر، أو بسبب أفعال هذا الآخر، كما يحاول كثير من السياسيين الغربيين التبرير، بشكل مباشر أو غير مباشر، بل نحن أمام حملة منهجية اتسعت لتصل إلى حد العمليات الإرهابية المباشرة، والإحصاءات تتكلم عن أرقام مرعبة للاعتداءات، كما تصفها، على المجتمعات المسلمة والمراكز الدينية.

مصطلح “الإسلاموفوبيا” تم إطلاقه لتفسير العنصرية تجاه المسلمين بمنحى نفسي، للدلالة على أن هذا الموقف يرتبط بالحالة النفسية، بينما، على سبيل المثال، تم إطلاق مصطلح “معاداة السامية Anti-Semitism” على من ينتقد اليهود (وإسرائيل، بطبيعة الحال) والفرق هنا بين المصطلحين أن معاداة السامية تدلّ على موقف أيديولوجي ونظرة عنصرية تحمل معنى العدوان، ويتمّ تجريم من يُتّهمون بها، أما الإسلاموفوبيا فهي ليست تهمة عنصرية بل مجرد مرض نفسي.

وعلى ذلك، تساهل الغرب ونافق كثيرًا في ادّعائه مواجهة انتشار معاداة المسلمين، حيث إن الواقع يقول إنه يتم تعزيز المعاداة، عبر وسائل الإعلام والسياسيين، ولا سيّما في السنوات الأخيرة، مع إفلات اليمين الشعبوي من عقاله، وانجرار معظم النخب السياسية -يسارًا ويمينًا- إلى الخطاب المعادي للمسلمين.

ولكن الضحايا -كما رأينا في المثالين المذكورين في بداية المقال- لم يعودوا مسلمين وحسب، بل إننا نتكلم عن كره عام لكل أجنبي لا ينتمي إلى أوروبا وأميركا من جهة، ولكل من ينتقد أو يتصدى لمتطرفي اليمين الشعبوي من جهة أخرى. والكراهية الظاهرة في المثالين السابقين تظهر مأساوية الوضع الذي وصل العالم إليه وكارثية الأفكار الشعبوية، فهي بعكس ما يظهر عليها من وطنية وانتماء، مجرد شكل آخر من الفكر الانعزالي المعادي لكل ما يخالفه، بغض النظر عن انتمائه.

في حزيران 2016، تم اغتيال النائبة في البرلمان البريطاني “جو كوكس” رميًا بالرصاص، وذلك في أثناء الاستعدادات للتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “البريكست”، حيث شهدت بريطانيا حينذاك حملات ترويجية من المؤيدين والرافضين له، وأعاد المراقبون جريمة الاغتيال إلى الأجواء التي سادت تلك المرحلة، ولا سيما الشحن العنصري لمؤيدي البريكست وتلاعبهم بمشاعر الناخبين وخلق أعداء وهميين لهم وحالة من عدم الأمان والخوف من الآخر، أدت إلى انتشار مشاعر الكراهية والخوف التي تم تتويجها بجريمة قتل (كوكس) التي كان كل ذنبها أنها كانت تؤيد البقاء في الاتحاد الأوروبي، وتدافع عن استقبال اللاجئين في بريطانيا. جريمة القتل آنذاك أثارت الخوف في النخب السياسية والإعلامية، ولكن إلى حين، فمؤيدو البريكست لم يغيّروا شيئًا من أساليبهم حتى اليوم، لأنهم -ببساطة- ليس لديهم برنامج ولا خطة سياسية إلا الكلام الشعبوي السطحي ومخاطبة الغرائز، وما الأزمة الحالية في بريطانيا إلا بسبب غياب أي جدية عن البريكست.

الخطاب الشعبوي لا يملك أي محتوى سياسي أو اقتصادي حقيقي، فهو خطاب سطحي يعتمد الدعاية والتلاعب بالمشاعر، عبر تضخيم الخوف ولوم الآخر، وهكذا يصدّق مؤيدو هذا الخطاب أن المسلمين -مثلًا- سيسيطرون على أوروبا، بسبب خصوبتهم فقط! وأن الأوروبيين والأميركيين ضحايا مؤامرات شيطانية لا تنتهي.

خطورة الخطاب الشعبوي انتقلت خطوة هائلة للأمام، حيث أصبح ذلك الخطاب أحدَ منابع الإرهاب الرئيسية، بعد انخراط كثير من وسائل الإعلام في الترويج له، وهكذا صار من الطبيعي أن نرى ونسمع خطابًا عنصريًا بغيضًا على شاشات التلفزة، حيث يجلس المتحدث بكامل أناقته ويملأ صراخه وتعبيراته العنصرية الأستوديو، ومنه إلى ملايين البشر، مع بسمة المذيع وصمته المتآمر، بينما عين مديري الشبكة أو المحطة تتابع نسب المشاهدة وعدد الإعلانات، والمثير للاشمئزاز هنا أن لا أحد يعترف بخطورة ما يحدث، بل هناك إصرار من الجميع على المتابعة بهذا الخطاب، طمعًا بصوت لسياسي فاشل، ودولارات أكثر لإعلامي مدّع ومغمور، والثمن المزيد من الخوف والدماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق