كلمة جيرون

“لا وطني” بامتياز

تسليم النظام السوري رفات الجندي الإسرائيلي إلى “إسرائيل” أمر عادي، لا يدعو إلى الاستغراب أو الاستهجان، وعلى الرغم من أنه فعل “لا وطني” فإنه من أصغر المفاجآت، لأن من قام به هو نظام لم يكترث يومًا بقيم الدولة ومحددات الحكم الرشيد.

الفعل “اللا وطني” هذا ليس مستهجنًا، حين يصدر من نظامٍ قلعَ أظفار الأطفال في درعا، وأطلق الرصاص على تظاهرات السوريين السلمية التي كانت تُغني للوطن، ودفنَ المتظاهرين أحياء، وعذّب النساء واستغلّهن، وقتلَ على الهوية، وشرّد خلال ثماني سنوات 12 مليون سوري.

الفعل “اللا وطني” هذا، ليس غريبًا عن نظام قصف المدن والقرى بـ 80 ألف برميل، واستخدم الصواريخ الباليستية لإبادة شعبه، ودمّر 60 بالمئة من المشافي، و30 بالمئة من المدارس والمساجد والكنائس والأسواق، وقتل أكثر من نصف مليون سوري، وأباد 1466 إنسانًا في لحظة واحدة، بالسلاح الكيمياوي، وأخفى مئة ألف معتقل، وارتكب عشرات المجازر الجماعية.

الفعل “اللا وطني” هذا لا يُعتبر شيئًا، بالنسبة إلى نظام سمح لـ “إسرائيل” بانتهاك حرمة بلده مئات المرات، وتباهى بأن أمنها من أمنه، وسمح لجيوش الاحتلال الفارسية والروسية باستباحة سورية، وللميليشيات الطائفية بقتل السوريين، وقايض المعتقلات بجنود وأسرى إيرانيين، وقدّم سورية كمحافظة إيرانية، وسمح لقطّاع الطرق بأن يمرّوا على جثث السوريين لـ “يصلوا إلى القدس”.

الفعل “اللا وطني” هذا عادي، بالنسبة إلى نظام ماتت إنسانيته، وافتتح حديقة للأطفال في دمشق باسم دكتاتور كوريا سيئ الصيت، فيما كانت طائراته تقصف حديقة للأطفال بحي الوعر وتقتل عشرين طفلًا، وسرقت أجهزته الأمنية المساعدات الإغاثية الدولية وباعتها في الأسواق، فيما يتضور الناس جوعًا في مناطق يحاصرها، وأقام عروضًا للأزياء الفارهة على بعد كيلومترات من آلاف الأطفال المرتعشين الذين لا يملكون ثيابًا تدفئهم، ووضع مخططات لتوسعة دمشق، بينما كانت قواته تُدمّر ريفها.

الفعل “اللا وطني” هذا عادي أيضًا لنظام أفرغ سجونه من المجرمين والقتلة والنصابين، وسجَن الثوار، ومهّد الأرض لزحف التنظيمات الجهادية، وادّعى العلمانية فطرد الأب باولو الذي كان يحلم بالجنسية السورية قبل أن يختفي، وأخفى عبد العزيز الخيّر وفائق المير وخليل معتوق ورجاء الناصر وغيرهم الكثير.

لكل من استغرب من فعلة النظام السوري هذه مع “إسرائيل”، لا بد من أن نتذكر أن هذا النظام ليس نظامًا شموليًا وأمنيًا وعسكريًا فقط، وليس نظامًا فاسدًا ومُفسدًا فقط، ولا تمييزيًا وطائفيًا وفوق القوانين والشرائع فقط، بل هو -بالأساس- نظام “لا وطني”، وبامتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق