هموم ثقافية

السَّلَفيون الأحرار

قبل سنوات، عثرتُ صدفةً على بعض الأوراق في قبو منزلنا مكتوبة بخط اليد، إحداها رسالة كتبها أبي لأمي، حين كان معتقلًا، وثلاث أو أربع أوراق أخرى كُتب عليها مزيج من الذكريات والخواطر، ويبدو أنها بخط أمي. الأوراق مكتوبة في الثمانينيات، بخط يد أنيق، وبلغة فصيحة تنحو إلى الأدب في كثير من سطورها (سُرِقَت الأوراق وعُفِّشَتْ مع كل ما كان موجودًا في شقتنا وقبوها، أثناء سيطرة جيش الإسلام ثم جيش الوطن على عدرا العمالية).

في ذلك الوقت -أيضًا- كان “أبو سمير” يعلق لوحتين على واجهة دكانه، كُتِبَ على الأولى: “يوجد لدينا كشك”، وكتب على الثانية “لا يوجد لدينا دخّان”.

لم تكن أوراق القبو مكتوبةً بالعامية، كما لم يكتب أبو سمير “عنّا كشك”، أو “في عنا كشك”، وهذا لم يكن ولن يكون محلّ استغراب، بل المستغرب حينذاك أن تكتب/ي بالعامية! في بداية التسعينيات مثلًا، سمّى صاحب دكانة دكانته الجديدة على طريق مدرستي بـ “عمو أبو سكندر”، وما زلت أذكر كم استغربنا ذلك الاسم، فـ “عمّو” ما كانت كلمة مطروقة للعين، بل للأذن فقط، إضافة إلى الخطأ الإملائي في “سكندر”. حتى بات الدكان إياه معلمًا للاسترشاد وضرب المواعيد.

لم تعتد أعيننا إذًا على لغة عربية مكتوبة بغير الفصحى، وربما لن نجد أثرًا للعامية المكتوبة إلا في بعض الدواوين الشعرية، وكجُمل منثورة أحيانًا في الحوارات المسرحية أو الروائية. وهذا غير كاف لتدخل الكلمات العامية في نسق كتاباتنا بشكل عام، بل باتت الكلمات العامية، إن ظهرت في نص ما، كأنها فرقة مداهمة اقتحمت العين فجأة، وغالبًا ما هوجم أولئك الذين سعوا لتلك المداهمات، على أنهم يهزون عرش اللغة العربية البهي.

استمر ذلك حتى شرفتنا وسائط تواصل جديدة في العقد الأخير، جعلت من التواصل عبر الرسائل النصية شبه لحظي، وظهر في البداية ذلك النفور من كتابة “ما شفتو” بدلًا من “لم أره”، أو “عم إستناكي” بدل “إني أنتظركِ”، ولكن سعة انتشار العامية في التواصل أكلت ذلك النفور رويدًا رويدًا، وباتت قلة منا اليوم لا تكتب إلا بالفصحى، عبر وسائل التواصل الجديدة تلك (أصبحت قديمة ربما).

هذه مقدمة طويلة، لأدّعي فكرة بسيطة وقصيرة جدًا: إننا سلفيون وسلفيات بطبعنا، لذلك نقاوم أي تغيير لغوي، نرفض الكتابة بالعامية، لأننا تعلمنا أنها دون المستوى الرفيع للعربية الحقة، العربية الحقة هي العربية التي يُرفع فيها الفاعل ويُنصب المفعول، وتكتب (إذًا) بالألف، إذا لم تنصب الفعل المضارع بعدها، ودعني أفدك فائدة (ما) بعد (إذا) زائدة… من قال لك يا سيدي إنها زائدة؟! أليس السلف هو من قعّد اللغة؟ لماذا أصدّقه؟ ماذا لو لم تكن ما زائدة؟! وإذا كانت زائدة؛ فلمَ هي موجودة أصلًا؟!

بكل الأحوال، السلف لم يضع القواعد أولًا ليبني عليها اللغة بعد ذلك، بل استنبط القواعد من اللغة، كما استنبط بحورَ الشعر من القصائد وليس العكس، لنأتي نحن، بعد ألف عام، ونصر على أن “نشتاق لها” لا أن “نشتقلها”.

سَلَفيتنا هذه لا تقتصر على اللغة فحسب، بل تشمل مجالات عدة في حياتنا، فنحن نرجع إلى السلف الصالح دائمًا، سلف فني، أو سياسي، أو فلسفي، أو ديني، حتى في الطبخ، ألا نحاول قدر الإمكان طبخ الطعام ليحمل مذاق طبخ الأم؟ (الذي نقلته بدورها عن الجدة وأم الجدة وجدة الجدة…)

العودة إلى السلف، خاصة إذا كان هذا السلف قد ترك قواعد واضحة، هي عودة نحتاج إليها دائمًا، وإلا، فسنعيد اختراع العجلة كل يوم، إنها عودة إلى خبرة مكتملة تم إنجازها، بالتالي نتائجها مكتملة ومضمونة، ولكنها اكتملت وأنتجت في زمن أصحابها، لا في زمننا نحن، نحن نحتاج إلى تلك القواعد لنبدأ منها، وليس لننتهي عندها، فالقواعد وضعت لتسهل فهمنا للغة، لا لتعيق هذا الفهم، ويجب تغييرها وفق تغيّرنا نحن، لا أن نتغير نحن لنصبح مطابقين للمواصفات، وعندما نأخذ قواعد السلف لتساعدنا لا لتعيقنا؛ فسنصبح سَلَفيين أحرارًا، وبذلك نصبح خير سلف لخير خلف، إن شاء الله.

………………………………

ملاحظة: قمتُ بتشكيل كلمتَي “سَلَفيون” و”سَلَفيتنا” منعًا للّبس، فأثناء مراجعتي للنص قرأتها أكثر من مرة، كإحدى مشتقات كلمة “سِلفي Selfie”، فاقتضى الأمر التنبيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق