هموم ثقافية

قناع مستعار للحرية!

الكتابة بأسماء مستعارة ليست ظاهرة جديدة، فقديمًا، استخدم الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ماري أرويه اسمًا مستعارًا شهيرًا هو “فولتير”، حتى إن الناس لم تعد تعرفه بغير هذا الاسم، كما أن الروائي الإنكليزي الشهير جورج إليوت كان في واقع الأمر امرأة، اسمها الحقيقي “ماري آن ايفانس”، ويقال –أيضًا- إن السياسي الأميركي الشهير بنجامين فرانكلين قد استخدم في كتاباته ما يقرب من مئة اسم مستعار! لكن في عصر السموات المفتوحة والإنترنت والعولمة، أما زال هناك ضرورة للكتاب أن يتخفّوا تحت خمار الأسماء المستعارة؟ ألم يعد التخلص من القيود الرقابية أمرًا سهلًا؟ وماذا لو عرف القارئ أن كاتبه المفضل ليس سوى اسم، من دون هوية حقيقية يمكنه الكشف عنها؟

لا شك في أن هناك أسبابًا عديدة للكتابة تحت أسماء مستعارة، ولعل هذا الأمر مرده إلى ما يواجهه الكتّاب في مجتمعات دولهم من قيود، أو رغبتهم في الكتابة في الموضوعات المحظورة، ولا سيما النساء الكاتبات اللواتي يواجهن تحديات أكبر وقيودًا أكثر في هذا المجال. وعلى الرغم من أننا نعيش في عصر العولمة، فإن هذه الظاهرة لم تتلاشَ، بل على العكس، هي اليوم في ازدياد مضطرد، بل أصبحت ظاهرة أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل الثورات والنزاعات السياسية. وأحيانًا تكون لها أسباب أخرى، منها أن يكون للمؤلف سابقة نشر، كانت الآراء سلبية حولها، فتلجأ دور النشر إلى تلك الحيلة، خوفًا من ألا يُقبِل القراء على شراء الكتاب، نظرًا للموقف السلبي من كاتبه. لكن أما زالت هناك حاجة ملحة للكتابة تحت أسماء مستعارة؟ وهل يقلل ذلك من قيمة الكتاب وصداه؟

قبل عامين، قام الصحافي الإيطالي ماريو بودينو، بإعداد كتاب عن الكتّاب المستترين وراء أسماء وهميّة، وأطلق على كتابه اسم (لا تعرفون من أنا) وفيه يتعقّب قصص أهم الشخصيات الأدبية التي كتبت بأسماء مستعارة، ويبحث عن الأسباب التي تدفع الكتّاب إلى فعل ذلك. وتناول في الكتاب قصة الطيار والدبلوماسي رومان غاري الذي أنهى عام 1981م روايته (إميل أجار) بعبارة: “شكرًا إلى اللقاء، لقد استمتعت كثيرًا”، وفي الصيف السابق لصدور الرواية، أنهى الكاتب، واسمه الحقيقي رومان كاسو، حياته برصاصة أطلقها في فمه في منزله بباريس، تاركًا إرثًا ضخمًا من الأعمال الأدبية، وقد نال في حياته جائزتي (غونكور) باسمين مختلفين، على الرغم من أن هذه الجائزة لا تمنح للكاتب نفسه مرتين، وقد قال بودينو عن غاري: “كان رومان غاري يستخدم أسماء بداعي الاستفزاز، ولأنه كان يؤمن بفكرة أدبية هي الرواية الشاملة؛ حيث يصبح الكاتب شخصية في كتابه”.

أما عربيًا، فقد أصدر الشاعر والكاتب السعودي محمد عبد الرزاق القشعمي، كتاب (الأسماء المستعارة للكتّاب السعوديين) معتبرًا أنّه يكرّم فيه أصحاب الأسماء المستعارة، عبر الكشف عن هويّاتهم الحقيقية. وقد أصدر من الكتاب طبعة ثانية، أضاف فيها 50 اسمًا إلى لائحته السابقة، فكانت النتيجة أنه رصد نحو 450 اسمًا مستعارًا، على مدى قرن من تاريخ الكتابة في السعودية! وقال في مقدمته: “إن كشف المستور من تلك الأسماء ليس القصد به الفضح أو التشهير بصاحبه، بل ذكره وشكره، فله الفضل في الجهر بالقول والرأي، في وقت لا يستحب الجهر به، من مثل الدعوة لتعليم البنات قبل إقرارها بشكل رسمي..”.

فى القرن السابع عشر؛ كانت نظرة الناس إلى التأليف والكتابة -وبخاصة المسرحية- سلبية، وتتسم بالدونية؛ لذا قرر جان باتيست بوكلين أن يكتب باسم (موليير) كي يتفادى ردّات الأفعال المعادية له، من جانب عائلته، لأنه كان من عائلة مرموقة وبرجوازية، ومن أشهر مسرحيات موليير (مدرسة الزوجات) التى أحدثت ضجيجًا حولها، نظرًا إلى وصفها باللاأخلاقية، من جانب العديد من فئات المجتمع في ذلك الوقت، إلا أن موليير قد واجه تلك الاحتجاجات بعمل مسرحي آخر أسماه (انتقاد مدرسة الزوجات).

في كل زمان ومكان قد يضطر الكاتب إلى أن يوقع أعماله باسم مستعار، وإن كان اسمه الحقيقي معروفًا كعلم، ولعل هذا ما جعل الدبلوماسي السابق في وزارة الخارجية السودانية محمد بشير أحمد، يكتب مقالًا يعترف فيه بأنه هو الذي كان يختبئ وراء اسم “عبدالعزيز حسين الصاوي”، طوال ربع قرن من الكتابة، حول القضايا الفكرية والسياسية. كما أن الحكام والأمراء قد يتخفون خلف أسماء مستعارة، من مثل الأمير عبد الله الفيصل، والأمير خالد الفيصل، والأميرة المغربية فاطمة أخت الملك الحسن الثاني، ومشاعل بنت عبد المحسن آل سعود.

وبحسب ماريو بودينو، فقد استخدم كثير من الكاتبات أسماء مستعارة لذكور، لأن الأوساط الأدبية لم تكن تستسيغ وجود النساء فيها كثيرًا، ومن أمثلة ذلك أورو دوبان التي بدأت في العام 1829م الكتابة باسم جورج ساند، وكذلك الشقيقات “شارلوت وإميلي وآن” اللواتي كنّ ينشرن بأسماء “كورير وإيليس وأكتون بيل”.

عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ” (1913 – 1998) مفكرة وكاتبة مصرية، وأستاذة جامعية وباحثة

أما عربيًا، فقد كتبت ميّ زيادة بعدد من الأسماء المستعارة، منها عائدة وإيزيس كوبيا وغيرها، أما “بنت الشاطئ” فهي الكاتبة عائشة عبد الرحمن، وإلى اليوم ما زالت بعض النساء يتمنعن عن النشر بأسمائهنّ الصريحة، وبعض الأسباب تعود إلى ممانعة الأهل أو القيود الاجتماعية التي ما تزال تعتبر اسم المرآة عيبًا! ويرجع ذلك إلى وضع المرأة في مجتمعنا، فهو ما زال ضبابيًا بشكل كبير، ولعل هذا ما دعاها إلى التخفي تحت اسم مستعار، كي تنطلق وتعبر دون قيود.

نحن الآن في مرحلة أفضل، لكننا -مع الأسف- ما زلنا نرى الكثير من الأسماء المستعارة، في مواقع التواصل، وما نأمله هو أن تفصح المرأة عن اسمها وتمارس حقها في البوح والكتابة، فإن لم تخط -بنفسها- خطوة إيجابية لتحقيق ذاتها، فمن يفعل؟!

الغريب أنّ هناك بعض الأدباء الرجال الذين تخفّوا تحت أسماء نسائية! كالكاتب الكبير إحسان عبد القدّوس الذي خطّ عشرات المقالات الموجهة للمرأة، تحت توقيع “زوجة أحمد”، أما الكاتب أحمد السباعي (شيخ الصحافة) فكتب في بعض الأحيان باسم “فتاة الحجاز” و”خديجة”، والشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي وقّع بعض قصائده باسم “ليلى”، والقاص إبراهيم البيروتي وقّع رواياته باسم “ميّ الصغيرة”.

أنسي لويس الحاج (1937 – 2014) شاعر وكاتب لبناني

في عام 1989، دفعت الرقابة العسكرية بالجزائر الضابط محمد مولسهول إلى الكتابة سرًا، تحت اسم “ياسمينة خضرة”، وهو اسم زوجته التي وقفت إلى جانبه، ونال به شهرة عالمية، مع أن الكتابة رسالة تتطلب الصدق والشجاعة.. شجاعة تحث الأديب على مواجهة مجتمعه، والدفاع عن أفكاره وعن حقه في التعبير عن نفسه بغير قيود، وباسمه الحقيقي. وقد سبق للشاعر أنسي الحاج أن نشر بأسماء مستعارة، مثل “سراب العارف”، و”عابر”، وحينما سُئل عن سبب ذلك (علمًا أن اسمه الحقيقى معروف لكل جمهور القراء) ردّ قائلًا: “عندما يغدو الوجه سجنًا؛ يصبح القناع فوقه حرية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق