تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

“ميكانيزمات” الانتقال من دولة السلطة إلى سلطة الدولة في سورية

في ظل ما يشهده المسرح السياسي السوري المعارض من تشظٍ وتخبط وفوضى، يصعب إنتاج وعي يقترب من أرض الواقع، ليقدّم مقاربة موضوعية متوازنة تخفف من فعل الخطابات السياسية الحزبية، ومن النهم التاريخي للسلطة المتجذر في تأميم السلطة، ثم احتكارها، على الطريقة الأسدية التي أفضت إلى تحوّل العمل في الحقل السياسي إلى مجرد سعي سلطوي شعاراتي، حيث لا يهمّ أي برنامج سياسي أو مشروع وطني نملك، بل المهم، والحال هذه، هو الاستحواذ على السلطة، وكأنها المعنى الأوحد للسياسة.

في الحالة السورية المعقدة والمفتقدة للحياة السياسية، بوصفها مجالًا عموميًا؛ تفاقمت هذه الآفة وأنتجت مرضًا اسمه “مرض السلطة” في دواخلنا، بحكم تجفيف المجال السياسي وتغييبه ليلامس النظام الحاكم ويتماهى معه، في النموذج الذي تم استنساخه في المناطق المحررة التي قدمت قوى الأمر الواقع فيها نماذج في الإدارة أسوأ من النظام، كما حدث في الشمال السوري عمومًا. إن تفاقم هذه الآفة يفسر أسباب تشرذم السوريين إلى هذا الحد، فالنرجسية السلطوية (إن صح التعبير) جعلت الانشطارات سمة من سمات الممارسة السياسية والإدارية لهذه المعارضات التي بقيت متشرذمة.

بهذه النزعة (النرجسية السلطوية) تذررت الجهود الوطنية والثورية، فمن كانوا ينتمون إلى منابت فكرية وأيديولوجية واحدة تقريبًا أو متشابهة، أصبحوا ينتمون إلى تيارات وكتل شتى. فما الذي يمنع من يقولون عن أنفسهم إنهم يساريون وعلمانيون وديمقراطيون، من الانضواء تحت سقف سياسي وتنظيمي واحد، أو أن يجمعهم إطار عام واحد؟! وكذلك هي حال الإسلاميين الذين ثبت أنهم يملكون -بحكم الأيديولوجيا والمظلومية- من هوس وشهوانية السلطة، ما لا يقاس بسواهم من المعارضة السلمية، وقد ظهر ذلك جليًا في مصر وليبيا.

في بلد مثل سورية التي صارت مثالًا للتهشيم الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والتشظي السياسي، بات لزامًا أن تكون الأولوية لوجود مشروع سياسي وطني موجه إلى عموم الجمهور السوري، يتضمن حلولًا لمرحلة ما بعد آل الأسد، ويزيح مخاوف اليوم التالي لسقوطه. وعلاوةً على ذلك، يجب أن يعمل هذا المشروع الواضح على تخفيف الحمولات التي تنتصر للأيديولوجيا الشعاراتية التي تجعل الفرد أداة من أدواتها، وتطالب الجمهور والمواطنين بأن يرتقوا إلى مستوى الخطاب الأيديولوجي ومتطلباته، لا أن ينزل الخطاب عن برجه العاجي إلى أرض الحاجات الإنسانية الواقعية التي تشكل عصب الحياة اليومية للبشر.

هذا لا يتعارض مع ضرورة امتلاك رؤية واضحة بمهامها الواقعية، حول ماهية الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، التي لا بد من وجودها لتجاوز حقبة الاستبداد، وتجذير مفهوم جديد للمواطنة المتساوية للأفراد في الحقوق والواجبات والحريات العامة، وقبول غير مشروط للتنوع الديني والثقافي والسياسي، وإعادة الحياة لمجتمع يعاني نقصًا في اندماجه عبر التاريخ. ولا بد، والحال هذه، من الدفاع -من دون مواربة- عن دولة الحق والقانون والتعددية والمدنية التي تكفل للبشر، أفرادًا وجماعات، حقهم كمواطنين.

وفي سياق ما تقدم، نرى ضرورة وجود نواة بشرية تحمل همّ هذا المشروع الوطني والاخلاقي، وتدفعه قدمًا لكي يرى النور ويحلّ محل المشاريع الفئوية والطائفية ما قبل الدولة بشكل عام. كل ما سبق يشترط وجود نخبة وطنية متنورة تؤمن بالمشروع الوطني الجامع، وتكون زاهدة بالسلطة وبعيدة من التأثر بغواية المنصب.

على المثقفين السوريين ذوي التجربة السياسية والمعنيين بهموم الوطن، العمل على تجاوز سورية محنتها، عبر التشارك في بلورة رؤية عامة للمشروع الوطني السوري، وذلك بالبحث عن خطط تفصيلية وبرامج تنفيذية وخريطة طريق، تبدأ بالانتقال السياسي والدستور والعدالة الانتقالية والمصالحة وإعادة الإعمار، مرورًا ببناء المؤسسات المعنية بقضايا المجتمع، كالصحة والتعليم والأمن والعدالة… كل ذلك ضمن إطار الحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه وحريته وأمنه ومصالحه، من دون أي تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين، فالدولة الحديثة هي دولة مواطنين أحرار متكافئين لا رعايا تابعين.

إن سبيل الوحدة الوطنية ستتبلور بإشراك طبقات المجتمع ومكوناته في صنع القرار الوطني بمستوياته المختلفة، وإشراك النساء والرجال، على قدم المساواة، في التخطيط والتنفيذ والتطوير والحوكمة كطريق لإنقاذ البلاد، حيث يصبح الإنسان بفكره المبدع هو القوة المنتجة التي تعيد بناء مفاهيم الكرامة والحرية.

في الختام، من الواضح لكل مراقب أن هناك تغيّرات عميقة في بنية المجتمعات، حيث لم يعد من الممكن احتكار الشأن العام من قبل أيديولوجة؛ لأن الشباب الذي فجر الثورات غير عابىء بالسرديات العابرة للوطنية. ومن البدهي أن الدول التي حققت نهضتها هي دول التفتت إلى الداخل، واستثمرت في الإنسان داخل حدودها الوطنية. وعلى من يتصدى للمهمة الوطنية أن يعي ذلك ويعمل عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق