مقالات الرأي

ربيع الجزائر: رياح النور

أينع ربيع الجزائر مبكرًا، إذ لم تترك انتفاضة الشارع الجزائري مزيدًا من الوقت لأي خيار آخر، غير ما قادت إليه اقتناعًا بالضرورة أو قسرًا: ذهاب رئيس الجمهورية، بما يمثله من نظام حكم، ومرحلة تاريخية، وضعتها مطالب الشارع على مفترق طرق حاسم، حيث لا تقود إلا إلى التغيير. وفي التوقف عند حقيقة الدور الذي أداه الجيش في حمل بوتفليقة على الاستقالة، قبل أسابيع من انتهاء ولايته الدستورية، نجد أن صوت الشارع الجزائري هو من أجبر قادة الدولة على الانحناء للعاصفة -إن جاز التعبير- لتبدأ أولى الخطوات التي سوف تقود إلى تغيير تاريخي في هذا البلد، الذي تقوده حركة التحرير الوطنية منذ بدء حرب التحرير ضد المحتل الفرنسي، مرورًا بالاستقلال، إلى آخر القادة التاريخيين للجزائر: عبد العزيز بو تفليقة.

ما حدث في الجزائر ظلت بذرته كامنة، منذ انطلاقة الربيع العربي، لكن بوتفليقة استطاع حينذاك إخماد جمرات الحراك، بما عُهد عنه من دهاء سياسي، ترافق مع إنفاق مؤثر لعائدات النفط على مشاريع وطنية، أدت في مجملها إلى هدوء الشارع الجزائري، وتجاوزه لتأثيرات الربيع العربي بصورة مباشرة. والواقع أن الأحداث التي شهدتها المنطقة لعبت دورًا مهمًا في ذلك، خاصة في تجارب الثورتين الليبية والسورية، اللتين واجهتهما أنظمة الاستبداد القذافية والأسدية، بالقمع والعنف المسلح والتدمير المنهجي، ليتشكل تيار مناهض للربيع العربي، في الجزائر، كما في بعض البلدان المغاربية مثل تونس، في تناغم فريد مع نظام بوتفليقة المؤيد لنظام الأسد.

من الدروس المهمة للانتفاضة الجزائرية، أن لا شرعية لأي تسلط أو استبداد، وأن التغيير حتمي، وضرورة من أجل المستقبل، وأنه لم يعد ممكنًا مواصلة الصمت على الاستمرار بالاتجار بالقضايا الوطنية، إلى الدرجة التي تنتفي فيها قيمتها بسبب السياسات الأمنية، ومصادرة القرار الوطني، وتضييق المشاركة الجمعية في إدارة الدولة والمجتمع. لا شرعية إذن لحركة تحرر وطني، في ممارسة الاستبداد أو التفرد بالسلطة، ولا شرعية لثورة تمنع حق الآخر في الانتفاض والسعي للتغيير.

استقالة بوتفليقة تضخ الدماء الجديدة في عروق الربيع العربي، وتكاد المفارقة المدهشة أن تدلنا إلى مواطن الالتقاء ما بين التجربتين في البلدين الجارين تونس وليبيا، وكأن ما حدث يبدو سمة مغاربية، فقد لعب الجيش دورًا بارزًا في كلتا الحالتين، استنادًا إلى الدستور: في عام 1987 انقلب “بن علي” على بورقيبة بموجب المادة 57 من الدستور، عبر لجنة طبية أقرت عجزه المرضي عن أداء مهامه، وكضابط عسكري، ووزير أول، استند إلى قوى الأمن الوطني في تأمين حركته، فمؤسسة الجيش كانت خاضعة لسلطة الأمن التونسي التي يقودها. وفي انتفاضة التونسيين 2011 لعب رئيس الأركان أيضًا دورًا محوريًا، أجبر بن علي على مغادرة تونس بلا رجعة.

في الجزائر، منذ الاستقلال تلعب المؤسسة العسكرية دورًا قياديًا توجيهيًا رئيسًا في البلاد، ومع أن عهد بوتفليقة شهد تحجيمًا لتدخلها في الشؤون العامة للدولة، إلا أنها هي من أجبرته على الاستقالة.

من هنا، يأتي الحذر الواجب ليس في الجزائر فحسب، وإنما في الشارع العربي، من دور الجيش، سوف يمنحه ذريعة كبرى باسم الوطنية والحفاظ على مؤسسات الدولة، للتدخل في مسارات التغيير القادمة بلا ريب في الجزائر. فالتجارب العربية بالغة المرارة، بسبب شهوة العسكر لممارسة السياسة بهدف الوصول إلى السلطة، مع أن واجبهم الأساسي هو حماية الدولة من الأخطار الخارجية، وليس مواجهة أبناء البلد بالسلاح والنار، اعتقالًا وقتلًا.

الانتفاضة الجزائرية قرأت الربيع العربي، بصورة مكنتها من تجاوز العثرات والأخطاء القاتلة، تلك التي أدت إلى سرقة الثورة السورية، على سبيل المثال، أو الذهاب إلى المواجهة المسلحة. والاستفادة من دروس الآخرين فضيلة مثلى، وقد أخذ بها الجزائريون من دون أن يتحدثوا عنها.

في طريقي إلى تجمّع للسوريين لإحياء ذكرى الثورة في تورنتو، مررت بتظاهرة جزائرية، انضممتُ إليها، وشاركت بفاعلية فيها. لكن شابًا قال: نحن لسنا سوريين! بمرارة تفهمتُ موقفه، وكان مصيبًا في مخاوفه، في الانجرار نحو التسلح. كان الوعي حاضرًا في جوهر الحراك الجزائري، مستفيدًا من تجارب الربيع العربي، ومدركًا أن أي سلطة تنتظر الخروج من أزماتها، عبر أي منفذ قد تفتحه أخطاء ترتكبها الجموع. كانت سنوات التسعينيات دامية، وحاضرة، بالقدر الذي لا يريد أحدٌ أن يعود إليها، ولذا كان التمسك بـ “سلمية” الانتفاضة. كان هذا التعبير “سلمية… سلمية” مفردة الثورة السورية الأثيرة ومفخرتها، إلى أن نبتت الأسلحة في كل مكان كفطر خبيث.

كان بوتفليقة شخصية نضالية متميزة، في العالم، في ما يتصل بحق الشعوب في تقرير المصير، ومع أنه كان راغبًا في نقل السلطة -كما نُقل عنه- إلى أجيال جديدة، منذ 2012، إلا أنه لم يدرك أن الجماهير هي الناظم لحركة التاريخ ومستقبل البشرية، وأن تطلعات الجزائريين نحو التغيير سوف تتحقق، لا ريب.

أنا متفائل جدًا بالمستقبل القريب، على الرغم من الحذر، ليس من دور العسكر فحسب، وإنما من التدخلات الخارجية التي تريد الحفاظ على مصالحها من جهة، وتلك التي لا تريد لمطالب الجماهير أن تتحقق، خشية انتقال عدواها إلى مجتمعات أخرى.

نريد للتجربة الجزائرية أن تنجح، وأن تتطور. لقد انتكس حراكنا الثوري في سورية وليبيا، وأجهضت حركة المجتمعات في تونس ومصر، وما يزال النظام الأسدي مستمرًا في جرائمه، بدعم وإرادة دوليين.

استقالة بوتفليقة تفتح أبواب الأمل في ربيعٍ لن يتأخر، مهما طال، عن طرق أبواب دمشق، كي تعبر زنازينها رياح النور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق