أدب وفنون

“كالصدأ العنيد على الصواري”.. بين الرصاصة والهدف

تكاد قصيدة الشاعر السوري حسن إبراهيم الحسن أن تكون مرآةً حقيقيةً لما يجري في بلاده؛ إذ ثمّة تفاصيل كثيرة يسردها لنا، بدءًا من الحواجز والجنود المكشّرين عن أنيابهم، مرورًا بضابط التحقيق والنزوح، وصولًا إلى المجازر والقتل المجاني في السرّ والعلن.. تفاصيل غاضبة ومؤلمة في آن معًا، يعاينها الشاعر مليًّا ليقدّمها للقارئ، بمنتهى الدقة والرصانة، في قالب أدبي شديد الخصوصية.

في مجموعته الشعرية الأحدث (كالصدأ العنيد على الصواري) الصادرة عن (دار ميم) الجزائر، يروي الشاعر حسن إبراهيم الحسن سيرة الوجع وما عاناه السوريون، في ظلّ حربٍ شرسةٍ طال أمدها. شِعرٌ يذخر بعبارات غاية في القساوة؛ “بزّة الجنرال”، “قمصان قتلاهم”، “جثّة”، “رصاصة”، “مرايا الخائفين”، “الجنازة”، “القنّاص”، “الموت”، “بين مجزرتين”، “الطغاة”، “المراثي”، “سبّابة فوق الزناد”، “الدمعة الزائفة”، “عقرب الحرب”، “باب القيامة”، “المجاعة”، “الحصار”، “الفقد”، “المقبرة”، “الضحية”، “الحاجز”، وغيرها الكثير، نجدها بين جنبات هذه المجموعة. حيث تنقسم القصائد إلى قسمين من حيث “الزمكانيّة”؛ قصائد كُتبت في سورية (مدينة حلب) وأخرى خارج سورية (في تركيا وألمانيا). المُلاحظ، هنا، أنه ما من تغيّر جوهري بين قصائد كلا القسمين، سواء من حيث المسحة الرثائيّة الشفيفة، أو من جهة القدرة التصويرية المذهلة في تناول الشاعر للأحداث، وعرضها كشريطٍ لا نهائي من الصور، طالما أنّ الوجع هو نفسه، أينما حلّ أو ارتحل السوري.

في قصيدة بعنوان (هوية) يختصر الشاعر كل ما أشرنا إليه سابقًا، في بضعة أبياتٍ غاية في البراعة والتكثيف، حيث يقول: “تولدُ مرّةً،/ وتموتُ ألفا/ في زحمةِ الأوطان حلمُكَ- أيّها السوريّ-/ كسرةُ خبزةٍ،/ ورصيف منفى/ هذا لأنّكَ../ لم يرفَّ لديكَ جفنٌ/ حينَ جفنُ الموت رفّا/ ولأنّ تهمتكَ الهوية/ -أيها السوري-/ تولدُ مرّةً،/ وتموت/ أ/ ل/ ف/ ا”.

يكتب الشاعر حسن إبراهيم الحسن، المُقيم في ألمانيا منذ سنة 2015، أناشيده بمنتهى البساطة والحميميّة؛ ثمّة خطّان بارزان يمتدّان على طول صفحات هذه المجموعة: الأول يتمثّل في نبرة الحزن المديدة في تناول الحالة السورية، منذ أكثر من سبعة أعوام حتى اللحظة الراهنة، فيما الخط الثاني يخصّ بنية القصيدة من لغة مُحكمة البناء وإيقاع موسيقي متمكّن، وما إلى هنالك من الجوانب الجماليّة، من أجل تقديم نصّ له نفحة خاصة ورؤية مغايرة.

القصيدة هنا ليست صورة دقيقة للواقع فحسب، بل الدقّة في اختيار الجانب الأكثر تأثيرًا في وجدان الشاعر فالقارئ. يقول: “أخمصَ بندقيّةِ قاتلٍ ستكونُ../ أم عكّازَ طفلٍ/ أيّها الشجرُ الحياديّ الجبان؟!/ إلى متى../ ستمدُّ غصنًا كي تحطّ حمامةٌ،/ وتمدُّ غصنًا كي يلوذَ وراءهُ الصيادُ؟/ كُنْ ما شئتَ،/ لكنْ../ لا تقفْ في المنتصفْ/ بين الرصاصة والهدفْ”.

تأخذ العناوين في مجموعة (كالصدأ العنيد على الصواري) منحًى رمزيًا، يضيف إلى المتن أكثر من أخذه أجزاء جماليّة من النص، إذْ ثمّة عناوين يمكننا قراءتها بمعزل عن القصيدة، وكأنها وحدها قصيدة بحد ذاتها؛ حيثُ نقرأ: “حكمة زائفة”، “اللاحقون بقيصر”، “أصدق الكاذبين”، “على باب القيامة”، “تشكيل”، “بائع الورد العجوز”، و”صور تذكاريّة مع بندقيّة”.

عناوين أخرى، تبدو أقرب إلى النص وتعدّ المدخل إليه، وتكون إما عبارة عن كلمة واحدة فقط أو كلمتين لا أكثر، من مثل: “حلب”، “أبيض”، “الراعي”، “خولة”، “النبوّة”، “شيراز”، و”فاتك الأسدي”. ولعلّ اللافت، في هذا الصدد، هو العنوان الرئيس للمجموعةِ، وقد جاء مغايرًا لبقيّة العناوين الداخليّة، بالرغم من أنّه مأخوذ من سياق إحدى القصائد: “دمُ الضحيّةِ واضحٌ جدًّا على خشبِ الصليبِ/ ويدّعونَ بأنّهُ الصدأُ العنيدُ على الصواري../ من هواءِ البحر!”.

مجموعة (كالصدأ العنيد على الصواري) التي جاءت في 116 صفحة من القطع المتوسط، الإصدار الشِعري الخامس في رصيد الشاعر حسن إبراهيم الحسن (من مواليد دمشق 1977)، إذ سبق لهُ أنْ أصدر أربع مجموعات شِعرية، هي: “المُبَشَّرون بالحزن” (2008)، “ها أنتَ وحدي!” (2010)، “غامض مثل الحياة وواضح كالموت” (2015)، و”خريف الأوسمة” (2015)؛ إضافة إلى كتاب مشترك باللغة الألمانيّة، بعنوان “نصوص من المنفى” (2016)، شارك فيه عدد من الكتاب المهاجرين، وصدر عن اتحاد الكتّاب (هامبورغ).

نال الحسن العديد من الجوائز الشِعرية، المحلية السورية وكذلك العربيّة، من أبرزها: جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي (الخرطوم، 2014)، جائزة دبي الثقافية (الإمارات 2012 – 2013)، جائزة الشارقة للإبداع العربي (الإمارات، 2007)، وجائزة طنجة الشاعرة (المغرب، 2012).

تُرجمت مختارات من شعره إلى الألمانية والفرنسية والإسبانية والإنكليزية، وشارك في كثير من الفعاليات والمهرجانات والأمسيات الشِعرية، كما تمت مناقشة أطروحة ماجستير عن شعره في جامعة السلطان قابوس في مسقط، بعنوان: (الدرامية في الشعر الحديث، حسن الحسن ونوري الجراح أنموذجًا).

ــــــــــــــــ

* الكتاب: كالصدأ العنيد على الصواري

المؤلف: حسن إبراهيم الحسن

الناشر: دار ميم- الجزائر

الصفحات: 116 صفحة

القطع: المتوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق