تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

العرب وروسيا وإيران.. أين تكمن مصلحة الشعب السوري؟

كلما كبر حجم الميليشيات في دولةٍ، تآكلت تلك الدولة. ومنذ بداية سنوات الأزمة السورية، دخل إلى ساحة الصراع ميليشيات طائفية عدة، كما نشأت ميليشيات محلية متعددة سلطوية وطائفية في آن واحد، وكبر حجم هذه الميليشيات، مع تراجع هيبة الدولة وفقدان قدرتها على الإنفاق عليها، وأخذت تتمرّد على السلطة التي ساهمت في استقدامها أو رعايتها، ثم تمكنّت السلطة من استعادة معظم الأراضي السورية، لكنها لم تستطع استعادة تلك الهيبة، فبقيت البلاد من دون أمن وأمان، ليسود فيها منطق السمك: الكبير يأكل الصغير.

ليس من مصلحة العرب أن تكون سورية دولة فاشلة وضعيفة، فيزدادوا ضعفًا وتشرذمًا، وليس من مصلحة روسيا -وهي المُثقلة أصلًا بالأعباء الداخلية والخارجية- أن تكون سورية المتحالفة معها تتكئ عليها بكل مشكلاتها ومساوئها، فتستنزفها اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا وبشريًا، وهذا يخالف المصلحة الإيرانية التي ترمي إلى الإبقاء عليها ضعيفة، تتحكم فيها الميليشيات الطائفية التابعة لها، لتصبح حال سورية كحال كل من لبنان والعراق واليمن السعيد، وللتأكيد على صحة ذلك يكفي التذكير بما كانت عليه حال تلك الدول، قبل أن تنخر بها سوسة “تصدير الثورة” التي ترتكز عليها السياسة الإيرانية.

يقول قائد “الحرس الثوري” اللواء محمد علي جعفري في حوار مع مجلة (سروش) الإيرانية، إن قواته جندّت 100 ألف مقاتلٍ على طول ثماني سنوات من قتالها في سورية، ضد (جبهة النصرة) و(داعش) وقوات المعارضة، ونظّمت مثل هذا العدد أيضًا في العراق من “الحشد الشعبي”، مدعومًا بخبرات إيرانية. وبحسب جريدة (الشرق الأوسط) 18 آذار/ مارس 2019؛ فقد زادت أعداد “الحشد الشعبي”، بسبب سعي إيران لأن يكون بديلًا عن الجيش العراقي، وقد لعبت إيران دورًا مباشرًا في عدم حصول رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على ولاية ثانية في رئاسة الحكومة، بسبب تصريحاته التي قال فيها إنه يعمل على حصر السلاح بيد الدولة.

بعد ذلك، يمكن القول: إن النظرتين العربية (ومعها الروسية) من جهة، والإيرانية من جهةٍ ثانية، تختلفان إلى حدٍ بعيد، حيال عودة الدولة السورية دولة قويةً ذات سيادة، تعيد توازناتها الجيوسياسية؛ وهذا يعود إلى طبيعة كلٍ من المشروعين الروسي والإيراني بالدرجة الأولى، وإلى تضاربهما؛ لأن الأول سياسي، والثاني ديني وسياسي في آن واحد.

فبينما تقوم روسيا بدعم سورية كي تستطيع الوقوف على أرجلها، وتتمكن من بسط نفوذها على كامل أراضيها، عبر دعم الجيش بالسلاح والعتاد والحد من المحسوبية والفساد المتفشي في مفاصله، والعمل على حلّ الميليشيات -وهو ما تتوق إليه الدول العربية- تسعى إيران بكل جهدها لدعم وتمويل الميليشيات والمجموعات التابعة لها، الأجنبية منها والمحلية على حدٍ سواء، وفي حين توجد روسيا بهدف إحلال الأمن، وتتدخل عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، بغض النظر عن طبيعة المنطقة ولونها الطائفي، فإن إيران تضع في سياساتها الحسابات الطائفية المصلحية البحتة، فتتحرك وفق معايير خاصة بها، لذلك يقوم الروس بين الفينة والأخرى بزيارات متكررة لعدد من المحافظات السورية، بهدف مفاوضة الميليشيات السائبة المنتشرة في طول البلاد وعرضها، بغية تسليم سلاحها والانصياع للشرعية، بالترغيب أو بالترهيب، ثم ينشرون شرطتهم العسكرية في المناطق الحساسة، في محاولة منهم للحدَّ من نشاط تلك الميليشيات وضبطها، لكن إلى أي مدى تستطيع روسيا لجم هذه الميليشيات المتناثرة والمتنافرة واستيعابها، ولا سيّما تلك التي تمولها إيران طوال سنوات الحرب؟ يبقى هذا هو السؤال الأهم.

إن ذلك التنازع يزيد من حدة الصراع بين الطرفين: الروسي والإيراني، خصوصًا أن كلًا منهما يدّعي أنه صاحب الفضل في عدم سقوط النظام وفي استمراره، الأول يتسلّح بأنه حماه بالغطاء الدولي مستخدمًا حق الفيتو 12 مرة، وأنه سانده عسكريًا، ولا سيما مساندته بسلاح الجو، في حين يتفاخر الآخر بأنه الداعم الأساس له بالمال والرجال على الأرض، عبر توفير ودعم تلك الميليشيات، وبالتالي هو من قام بتزويده بكل مستلزمات البقاء.

وعلى ذلك؛ فإن من الطبيعي أن يكون التنافس حادًا بينهما على حجم الحصة السياسية والاقتصادية التي يجب أن يحصل كل واحد منهما عليها من الكعكة السورية، ومدى تأثير كل منهما على السياسة العامة، بما يضمن بقاء سورية كرةً في جيبه، ويبدو ذلك واضحًا في ظل المتغيرات الأخيرة المستجدة على الساحة الدولية المتعلقة بالعقوبات الأميركية المفروضة على طهران، بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الذي أُبرم معها، وسياسة ترامب و”إسرائيل” حيال العمل على تقليص دورها بأزمات دول المنطقة، عبر حصارها اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وهو بالتأكيد مطلب عربي رئيس يصب في مصلحتهم.

أضف إلى ذلك الضغوطات الأميركية والأوروبية الأخيرة المتعلقة بملف المفاوضات السورية، والتي من شأنها إعادتها من جديد إلى “جنيف” بدلًا من “سوتشي الروسي” عبر صدور قانون سيزر الأميركي، الذي يمنع أي جهة من توظيف أموالٍ للإعمار في سورية، إلا بعد انطلاق عملية سياسية حقيقية، وتأييد كلٍ من بريطانيا وألمانيا وفرنسا على ذلك، عبر البيان الرباعي الصادر منذ أيام عن تلك الدول.

في ضوء ما سبق، من المُرجّح أن تتصاعد حدة الخلافات الروسية الإيرانية مستقبلًا حيال سورية، وما اللقاء الذي عقده مؤخرًا رؤساء أركان كلٍ من إيران والعراق وسورية في دمشق، سوى مؤشر على أن ثمة محاولات لتشكيل محور عسكري ثلاثي، لمواجهة الضغوط الأميركية والغربية وكذلك الروسية، التي يتعرض لها الإيرانيون والسلطة السورية، في ضوء عدد من المتغيرات على الساحتين الداخلية والخارجية، بدءًا من الاتفاق التركي الروسي المتعلق بإدلب، مع إصرار  الجانب التركي على إنشاء “المنطقة الآمنة” الواقعة بين نهري دجلة والفرات بعمق 32 كم، وما تهدف إليه من إعادة توطين اللاجئين السوريين لديها بتلك المنطقة، الذين يفوق عددهم ثلاثة ملايين، ويضمن وجود نفوذ دائم لها داخل الأراضي السورية.

وليس انتهاءً بالتنسيق الإسرائيلي الروسي، حيال ما يتعرض له الوجود الإيراني في سورية من هجمات إسرائيلية متكررة، ثم عدول الولايات المتحدة عن سحب قواتها العسكرية، وتعاظم دور وحدات الشعب الكردية المدعومة من أميركا، ولا سيّما بعد هزيمتها تنظيمَ (داعش)، ومطالبتها بالحكم الذاتي.

من يستطيع أن ينكر أن من يتحكّم في العراق اليوم هو “الحشد الشعبي” الموالي لإيران (الذي تفوق قدراته قدرات الجيش العراقي تسليحًا وتمويلًا وتدريبًا) وغيره من ميليشيات طائفية؟ وقد باتت تلك الميليشيات هي الدولة، كيف لا، وزعماؤها يشغلون قمة الهرم السياسي في بلاد الرافدين: رؤساء ووزراء ونواب برلمان، وتفوح منهم رائحة الطائفية والتبعية للخارج وصفقات الفساد؟ كيف انهزم الجيش العراقي أمام تنظيم (داعش) الإرهابي على الرغم من عديده وعدته شر هزيمة، وقد كان بقيادة صاحب دولة القانون نوري المالكي؟

بل كيف لا يُهزم، وقد ضربت بجذوره الانقسامات الطائفية، والمحسوبية والفساد؟ لذلك لا غرابة أن يأخذ “عراق حمورابي” رتبة ثالث دولة في العالم في انتشار الفساد الحكومي، ويفقد بسبب ذلك نحو 320 مليار دولار في 15 سنة مضت، وفقًا لهيئة النزاهة العراقية المرتبطة بالبرلمان (بحسب قناة الحرة 7 آب/ أغسطس 2018)، وقد تجاوز حجم الفساد 1000 مليار دولار، وخصوصًا مع حكم نوري المالكي (بحسب موقع بغداد بوست 2 تموز/ يوليو 2017)، لتصبح ديون العراق الخارجية أكثر من 120 مليار دولار، وفقًا لمُقرر اللجنة المالية في البرلمان العراقي أحمد حاجي رشيد (بحسب موقع روودار 15 آب/ أغسطس 2017).

والمفارقة الأغرب أن العراق يُعدّ البلد الثاني في إنتاج النفط في (أوبك)، حيث إن صادراته اليومية تفوق 3.9 مليون برميل، غير أنه ما يزال يستورد الكهرباء والمنتجات النفطية (بحسب “مونتيكارلو” الدولية 29 كانون الأول/ ديسمبر 2017).

كان ذلك الكلام عن دور الميليشيات في العراق، لكن ماذا عن دورها في سورية؟ لن نتحدث عمّا تقوم به من أفعال خارجة عن القانون، ولا عن مستقبلها المبهم، وإنما يكفي التحدث عن موقعها في الدولة؛ ففي دراسة أعدها، في تموز/ يوليو 2017 (المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية) يتحدث مازن عزي عن طبيعة العلاقة بين السلطة السورية والميليشيات الموالية لها، والفوضى الهائلة التي تنشرها هذه الميليشيات، الأشبه -كما يقول- بـ “عصابات المافيا” التي قطّعت المدن والأرياف إلى مناطق نفوذ لها، واحتكرت هذه الميليشيات بعض الخدمات الرئيسية المحصورة عادة بالدولة، والأخطر من ذلك، ما خلصت إليه الدراسة: أن الخطوط التي تفصل سلطة الدولة عن سلطة الميليشيات أصبحت اليوم غير واضحة، وسط عسكرة المجتمع السوري، حتى باتت الدولة والميليشيات في سورية اليوم مثل التوائم الملتصقة (السيامية) التي لا يمكن فصلها عن بعضها دون قتل أحد الطرفين.

يقول الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، ويكرر ذلك آخرون: إن إيران تسيطر على أربع عواصم عربية، في حين يرى مهدي طائب رئيس مقر (عمّار) الاستراتيجي التابع لـ “مؤسسة الخميني” أن سورية هي المحافظة الإيرانية رقم 35، وسورية بين تلك المحافظات هي الأهم، لذلك يقول طائب: “لو خسرنا سورية لا يمكن لنا أن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا إقليم خوزستان الأهواز (مخزون نفط إيران) سنستعيده، ما دمنا نحتفظ بسورية”. (بحسب صحيفة العرب اليوم 16 شباط/ فبراير 2013).

أين تكمن مصلحة السوريين؟ في العراق هبّت الميليشيات الطائفية المسلحة إلى مواجهة (داعش)، بفتوى من المرجع الديني الأعلى في النجف علي السيستاني، وقد سكتت قبل ذلك بفتوى منه عن مقاومة الأميركيين، حين سقطت بغداد عام 2003، تضمنت تحريم قتال الأميركيين، مقابل 2 مليون دولار، دفعها له المحتل عدًا ونقدًا، كما يقول دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي السابق، في مذكراته الصادرة عام 2011 (ص212) وهو ما أكده أيضًا حاكم العراق بول بريمر، في مذكراته الصادرة عام 2008 بقوله: إنه منذ البداية كان السيستاني متعاونًا جدًا، من أجل مساعدة قوات الاحتلال على تحقيق أهدافها (ص75).

وبعد ذلك، ما الذي يمنع السيستاني وغيره من مرجعيات دينية في بغداد أو في طهران، من ممارسة الفتوى ذاتها في سورية، كما فعلت تلك الفتاوى في العراق؟ ولا سيما أن إيران لم تدّخر جهدًا لعمل كل ما بوسعها من أجل التغلغل في الساحة المجتمعية السورية، حيث إنها تقدم المال والطعام والخدمات العامة والتعليم المجاني للسوريين الذين دمّرت الحرب حياتهم، في معركة تخوضها لكسب القلوب والعقول، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة (وول ستريت جورنال) الأميركية (الخليج أونلاين 27 آذار/ مارس 2019).

يقودنا ذلك كله إلى أن مستقبل سورية السياسي، في أحسن الأحوال، سيكون مثل لبنان الطائفي، تذوب الدولة في الطوائف والميليشيات، وبالتالي سيحتاج السوريون -إذا استمرت حالة ركوب الرأس لدى السلطة تحديدًا والمعارضة إلى حد ما- إلى “طائفٍ” سوري مشابه للحالة اللبنانية، لذلك لا بدّ لما بقي من عقلاء سوريين أن يدركوا أن لا بديل عن التوصل إلى الحل السياسي، وإشراك كافة مكونات الشعب السوري في إدارة الدولة، بموجب عقد اجتماعي وسياسي جديد، وإلا؛ فسيكون الوطن في خبر كان.

ختامًا، لا شك في أن هناك كثيرًا من السوريين سيقولون: “لا نريد هذا ولا ذاك”، وأنا أشاطرهم القول، ولكن أما وقد وقع الفأس بالرأس، وضاقت جميع الخيارات أمامنا، لتصبح إمّا العرب وروسيا، وإما إيران؛ فأيهما سنختار؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق