أدب وفنون

العجوز في كوكب بعيد

أعيشُ في غرفتي وحيدًا، ويعيش في الغرفة المجاورة لغرفتي مجموعة شباب، هذا المساء كان صخبهم عاليًا، يدخنون النرجيلة ويستمعون لأغاني هابطة، يضحكون ويتحدثون عن النساء بشكلٍ غير مؤدب.

الملل قطع أحشائي بسكين حادة، وكي أوقف مجازره داخلي، تسليتُ، وأنا مستلقٍ على أريكتي، بأن تجولتُ من خلال شاشة هاتفي الجوال في موسوعة (ويكيبيديا) بشكلٍ فوضوي. لا أعرف كيف وصلتُ إلى مواضيع الفيزياء ونشأةِ الكون، على الرغم من أنني كنتُ أكره هذه المادة منذ أيام الدراسة، لكن بقيتُ الآن ساعاتٍ أقرأ فيها.

في إحدى الصفحات قرأتُ ما معناه: “عندما نلتقط صورة لكوكب يبعد عنا ثلاثين مليون سنة ضوئية (مثلًا) نراه في هذه الصورة التي وصلتنا الآن، كما كان في الماضي القديم، وليس كما هو الآن لحظة رؤيتنا للصورة. لأن الضوء الذي أرسل لنا هذه الصورة، كان قد غادر ذلك الكوكب منذ زمن ومسافات ضوئية هائلة”.

شعرتُ بأن لهذه الكلمات صدًى موحشًا داخل جمجمتي، أشعلتُ سيجارة لأدخنها، وأنا أمشي شارد الذهن في غرفتي. تذكرتُ عجوزًا يعيش وحيدًا في كوكبٍ بعيد، تعرفتُ إليه مصادفة في كابوس شاهدته منذ سنوات، التقطتُ هاتفي واتصلتُ به:

– مرحبًا أيها العجوز.

– أهلًا يا بني.

– اليوم حصلنا على صورٍ لك ولكوكبك البعيد عبر تلسكوب حديث، لكن الصور تمت بالنسبة إليك في الماضي وأنت طفل، بسبب مشكلة في الزمن الكوني، يا إلهي كم تبدو مضحكًا، عندما كنت طفلًا…

من عاداتي الغريبة: موجات الضحك الهستيري التي تهجم عليّ، بعد أيّ شيء جاد يحدث لي. ضحكتُ كما لم أضحك منذ أشهر، ثمّ قلتُ له من بين ضحكاتي على الهاتف:

– أقسم لكَ، شكلكَ في طفولتك مضحك جدًا (وأضحك) يا إلهي، لماذا كان شكلك هكذا؟ (وأضحك أكثر، وأنا أنحني لأصفع فخذي) لا أعتقد أن هنالك من لديه وجهًا طفوليًا مضحكًا كوجهك في طفولتك (وتعلو ضحكاتي)..

تعبتُ من الضحك، داهمتني نوبة سعال لأنجو من الاختناق في نهايتها بأعجوبة.

أصغيتُ إليه عبر الهاتف، انتبهتُ لصوته… كان يبكي بهدوء، سرعان ما أجهش بالبكاء.

– هل أزعجتكَ؟ “سألته نادمًا، فأجاب بلا مبالاة”

– لا… وأنا أيضًا حصلتُ منذ قليل بواسطة تلسكوب فوق كوكبي على صورٍ لك ولكوكبك، لكن الزمن من عندي إلى عندك كان معكوسًا، أنا الآن أشاهد صوركَ وأنت بعد ثلاثة أو أربعة عقود.

– وأين المشكلة؟ لماذا تبكي؟

– يا إلهي… كم ستكون حياتك مؤلمة وبشعة وقتها أيها الوحيد…

سقط الهاتف من يدي، انتبهتُ مجددًا لصخبهم، الشباب في الغرفة المجاورة لغرفتي، ما يزالون يدخنون النرجيلة، يضحكون ويستمعون لأغاني هابطة، ويتحدثون عن النساء بشكلٍ غير مؤدب.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق