مقالات الرأي

الجولان السوري المحتل والاستبداد الوطني

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 25 آذار/ مارس الماضي، مرسومًا يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل منذ هزيمة 1967، الذي سبق لـ “إسرائيل” أن أعلنت من طرف واحد ضمّه إليها عام 1981.

بغض النظر عن أهمية هذا القرار، بالمعنى القانوني والسياسي الذي سيبقى مفتوحًا لتطورات الحالة السورية أصلًا، فإنه نكأ جراحًا حاول النظام السوري عبر 52 سنة تجاهلها أو التعتيم عليها، عبر كذبة أنه لم يُهزم في حرب حزيران/ يونيو 67، بل انتصر على “إسرائيل” التي احتلت 1200 كم مربع من الجولان السوري، لأنها فشلت في تحقيق هدفها الأساس بإسقاط نظام حزب البعث التقدمي، كما جاء في تعليق إذاعة دمشق: “الحمد لله! لقد استطاعت قواتنا الباسلة حماية مكاسب الثورة أمام الزحف الإسرائيلي، الحمد لله الذي أفسد خطة العدو، وقضى على أهدافه الجهنمية، إنّ إسرائيل لن تُحقق نصرًا يُذكر، طالما أنّ حكّام دمشق بخير!”.

كذبة كبيرة أو مُغالطة بُنيت على منطق أنّ النظام أهمّ من الأرض، والحكّام أهم من الوطن، وهي سياسة النظام السوري المستمرة حتى الآن، حين صاغها بشعار “الأسد أو نحرق البلد”!

لكن أجيالًا كثيرة من السوريين نشأت في حاضنة الديماغوجيا الثورية لحزب البعث، ولم تدرك من تاريخ تلك السلطة إلا “انتصارات” وزير الدفاع الذي حمى منجزات الثورة في حرب 67، قبل أن يصبح رئيسًا لسورية في انقلابه التصحيحي، ويُكرّس نفسه بطلًا للتحرير في حرب 1973، ومن هنا تبرز أهمية استعادة بعض التفاصيل المُغيّبة في حمى الشعارات والأحاديث عن الانتصارات.

الثابت بخصوص هزيمة حزيران/ يونيو، أنّ قرار انسحاب الجيش السوري من الجولان، والبلاغ رقم 66 الذي بثته إذاعة دمشق، صباح العاشر من حزيران/ يونيو 1967، معلنة سقوط مدينة القنيطرة بيد القوات الإسرائيلية، كان بتوقيع وزير الدفاع حافظ الأسد، واتُخِذَ من قِبَلِه دون أيّ علمٍ أو تنسيقٍ مع قيادة الحزب أو الدولة، أو حتى مع رئيس الأركان اللواء أحمد سويدان، أو قائد الجبهة في الجولان العقيد أحمد المير، اللذين فوجئا بالجنود وقطعات الجيش التي بدأت انسحابها من المعركة.

يؤكد الدكتور عبد الرحمن الأكتع، وزير الصحة في نظام البعث آنذاك، أنّه كان يتفقد الوضع في مدينة القنيطرة لحظة سماع البلاغ، ولم تكن قد بدأت العمليات العسكرية داخل المدينة، وتؤكد أغلب المصادر الموثوقة أنّ “إسرائيل” لم تدخل مدينة القنيطرة إلا بعد ما يقرب من 17 ساعة من بلاغ الأسد الكاذب، كما يقول ذلك الرائد خليل مصطفى بريّز، في كتابه (سقوط الجولان)، وهو ضابط أمن من أبناء الجولان، مُضيفًا أنّ الأخطر من ذلك هو الأمر الذي أصدره وزير الدفاع حافظ الأسد لقوى الجيش، بصيغة “الانسحاب الكيفي” وليس “الانسحاب المنظم”، وهو ما دفع العسكريين والضباط إلى الفرار من أرض المعركة، متخلين عن أسلحتهم ورتبهم وشاراتهم العسكرية، وخلق حالة هلع وذعر استدعت بالضرورة فرار المدنيين من المنطقة التي لم تكن قد سقطت بعدُ عسكريًا.

ويروي سامي الجندي، وهو وزير إعلام سابق، وسفير سورية في باريس في ذلك الحين، في كتابه (كسرة خبز) المُفارقة التالية: “فوجئتُ لما رأيت على شاشة التلفزيون في باريس مندوبَ سورية في الأمم المتحدة جورج طعمة، يعلن سقوط القنيطرة عبر البلاغ 66 الصادر عن وزير الدفاع حافظ الأسد، الذي أعلن عن وصول القوات الإسرائيلية إلى مشارف دمشق، بينما المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة يؤكد أنّ شيئًا من كل ذلك لم يحصل”!

ليتساءل: لماذا يُصدر “الأسد” البلاغ المشؤوم، قبل وصول القوات الإسرائيلية إلى القنيطرة بيومين؟ ولماذا يطلب الانسحاب الكيفي من الجيش؟ نافيًا إمكانية وجود مساحة للنيّات الحسنة في تفسير ذلك.

ما حدث في حرب التحرير التي قادها الأسد، في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 1973، قد يلقي بصيصًا من الضوء، ليس على مجريات المعارك العسكرية التي استمرت من خلال حرب الاستنزاف التي انتهت باتفاق الهدنة بين سورية و”إسرائيل”، بل على النتائج العسكرية والسياسية لتلك الحرب، التي اعتبرها البعض حربًا تحريكية أكثر منها تحريرية، لأنها في النهاية وضعت أطر التسويات اللاحقة أو “السلام”، بين “إسرائيل” وجوارها الفلسطيني والعربي، التي بدأها نظام السادات في مصر باتفاقية “كامب ديفيد” عام 1978، ثم “معاهدة أوسلو” مع “منظمة التحرير الفلسطينية “عام 1993، لتليها اتفاقية السلام مع الأردن عام 1994، فماذا عن سورية؟

وفي الحقيقة، كان المسار السوري هو الأعقد في هذه العملية، التي بدأت في 31 أيار/ مايو 1974 بتوقيع اتفاقية الهدنة، أو فضّ الاشتباك بين الجانبين بوساطة أميركية، حيث تقرّر فيها انسحاب القوات الإسرائيلية إلى مواقعها قبل حرب 73، مع تخلّي “إسرائيل” عن مدينة القنيطرة المُدمّرة، وبعض القرى المجاورة لها بمساحة إجمالية تبلغ 60 كم مربع فقط، وإعادتها إلى سورية كجزء من صفقة تتضمن سينوغرافيا صناعة وتكريس الأسد بطلًا للتحرير، وتضمن لـ “إسرائيل” الاحتفاظ بمساحة 1200 كم مربع من الجولان المحتل في حرب 67، وإلزام النظام بإخلاء الشريط الحدودي في الجولان والمناطق التي تمّت إعادتها إلى سورية، من أيّ وجود عسكري سوري أو سلاح ثقيل، كشرط لضمان “أمن إسرائيل” وحدودها مع سورية، على أن تخضع منطقة الشريط الحدودي تلك لمراقبة قوات خاصة تتبع هيئة الأمم المتحدة، عرفت باسم (UNDOF)، لدرجة أنّ على أيّ سوري يرغب في زيارة تلك الأماكن المُحرّرة، أو زيارة أحد الأقارب أو الأصدقاء من السكان القاطنين غرب خط الهدنة، أن يحصل على تصريح أمني، من فرع المنطقة في المخابرات العسكرية بدمشق، ويخضع للتدقيق والمراقبة من قبل حواجز القوات الدولية.

لم ينته العرض هنا، بل تتابعت فصول المفاوضات برعاية أميركية، من عام 1991 حتى انهيارها في اجتماع الأسد مع بيل كلينتون الأخير في آذار 2000، مرورًا بـ “وديعة رابين” التي نقلها وزير خارجية أميركا وارن كريستوفر، في حزيران 1994 إلى الأسد الأب، مُتضمّنة موافقة “إسرائيل” على الانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها في حرب حزيران/ يونيو 1967، مقابل علاقات ثنائية ودبلوماسية كاملة، وضمانات أمنيّة لـ “إسرائيل”، على غرار مصر أو الأردن، وكانت عبارة رابين الشهيرة، قبل اغتياله عام 1995 على يد متطرّفٍ إسرائيلي: “حدود الانسحاب من الجولان تعادل حدود السلام”.

تفاصيل كثيرة وتعقيدات كانت تظهر أو تتبدّل في كل فترة، ومات الأسد الأب منتصف عام 2000، من دون أن يترك إجابة لمعضلة أنه قَبِلَ بتوقيع اتفاقية الهدنة عام 74، ورفض عام 94 “وديعة رابين” التي تعيد له كامل الجولان المحتل، مقابل التطبيع مع “إسرائيل”؟

مع أنّ العقدين الفاصلين بين الحدثين حملا مزيدًا من التفوق الإسرائيلي، عسكريًا واقتصاديًا وعلميًّا، وبشكل خاص بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، والكثير من المنظومات السياسية والعسكرية والأيديولوجية الملحقة به، ممّا أضعف إمكانية المساومة على ما هو أفضل، وإمكانية تغيير ميزان القوى بين سورية و”إسرائيل” تغييرًا يمكن أن يساعد على التحرير، وهذا يؤكد أنّ رفض الأسد ليس من باب الوطنيّة التي ما زال النظام يتشدق بها، بل مخافة أن يفقد سطوة التهديد الخارجي التي استغلها لتطبيق قانون الطوارئ خمسة عقود في سورية، من أجل تأبيد سلطته العائليّة، التي استمر فيها الأسد الصغير للتشبث بكرسي السلطة الدكتاتورية في حربه ضد السوريين.

كل سياسات النظام السوري تؤكد أنّ الاستبداد لا يمكن أن يكون وطنيًا، وعندما تتعارض المصلحة الوطنية مع مصالح الدكتاتور وسلطته؛ فالأولويّة دائمًا لمصالح الحكّام، شاهدنا ذلك في “اتفاقية الهدنة” عام 74، وتكرر في “اتفاقية أضنة” عام 1998، التي تخلّى الأسد الأب بموجبها لتركيا عن لواء إسكندرون وكيليكيا بمساحتها إجمالية تبلغ 5400 كم مربع، أي ثلاثة أضعاف المساحة التي تخلى عنها لـ “إسرائيل”.

نظام الاستبداد لا ينظر إلا بمرآة مصالحه الشخصية، ولذلك قايض الأسد الأب على الوطن، ويتابع الأسد الصغير مسيرة المقايضة مع روسيا وإيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق