سلايدرقضايا المجتمع

يوم الأرض.. قصة ثورة لم تنتهِ بعد

في الثلاثين من آذار/ مارس من كل عام، تصادف ذكرى يوم الأرض في فلسطين المحتلة، الذي تحول إلى ذكرى فلسطينية، أضيفت إلى السجل الوطني والنضالي الفلسطيني، في معركة الدفاع عن الهوية والوجود الفلسطيني، في شتى أنحاء فلسطين ودول الشتات الفلسطيني. وقد اكتسب يوم الأرض في الداخل الفلسطيني طابعًا مميزًا وخاصًا، في إبراز الهوية القومية الفلسطينية لأبناء الشعب الفلسطيني المهددين بالاقتلاع، بعد أكثر من ستين عامًا على التراجيديا الفلسطينية.

في يوم الأرض، امتزج الجذر الفلسطيني بدماء أبنائه في مناطق الحلم الفلسطيني عام 1948. بعد أن أقدمت السلطات الإسرائيلية على مصادرة أجزاء من الأرض الفلسطينية المتبقية بأيدي السكان الفلسطينيين، إذ قررت حكومة “إسرائيل”، بزعامة إسحاق رابين، ضم الأراضي المملوكة للأهالي والفلاحين، في قرى عرابة وسخنين ودير حنا المعروفة بأراضي “المل”، إليها ومصادرتها وفقًا لأوامر عسكرية صادرة من جيش الدفاع الإسرائيلي، بذريعة أن هذه الأراضي واقعة في منطقة رقم 9، وهي منطقة خاضعة للجيش بهدف التدريبات العسكرية، وتبلغ مساحة تلك الأراضي حوالي 21 ألف دونم.

لم يكن صدى القرار الإسرائيلي سهلًا على الفلاحين العرب الفلسطينيين الذين خسروا منذ النكبة أكثر من مليون دونم من أراضيهم الزراعية، إضافة إلى مصادرة ملايين الدونمات من الأرض الفلسطينية التي عدّتها الدولة العبرية تخضع لقانون “أملاك الغائبين”، بعد تهجير غالبية الشعب الفلسطيني من أرضه، وطرده عنوة من وطنه، بتواطؤ دولي وأطراف عربية رسمية. ولم يكن قرار مواجهة السلطات الإسرائيلية سهلًا في ذاك الوقت على قيادة الجماهير العربية الفلسطينية؛ إذ استطاعت “إسرائيل” شراء ذمم الكثير من رؤساء المجالس المحلية والمتعاونين، الذين كانوا أبواقًا إعلامية في الشارع الفلسطيني، تحذر من خطورة المواجهة أو الاعتراض على الإجراءات الإسرائيلية، بالترغيب تارة، وبالتهديد بالسجن والاعتقال والمحاكمة تارة أخرى، الأمر الذي جعل قادة الجماهير العربية المخلصين، في اللجنة القطرية للمجالس المحلية، ولجنة المبادرة الدرزية، ولجنة الدفاع عن الأراضي، والحزب الشيوعي (الذي كان له الفضل الأكبر)، يعملون على تشكيل الأطر والجمعيات واللجان المختلفة من أجل المواجهة، فلم يعد هناك ما يخسره الفلسطيني سوي القيد الذي يشتد حول رقبته.

انتشرت في مختلف القرى والبلدات الفلسطينية الفعاليات الوطنية، تهيئ الجماهير الفلسطينية لمعركة الدفاع عن الأرض التي أطلقها الراحل توفيق زياد في صرخته المدوية: “شعبنا قد قرر الإضراب” في وجه الانتهازيين والمتواطئين في بعض المجالس المحلية العربية في الداخل الفلسطيني، لإلغاء دعوة الإضراب التي أعلنها في الثلاثين من آذار عام 1976، وكانت الشرارة التي ألهبت مشاعر العرب الفلسطينيين، في الجليل والكرمل والنقب والمثلث، وجعلتهم يتزاحمون في كيفية إنجاح دعوة الإضراب والتصدي لمشروع المصادرة.

أطل يوم الثلاثاء الفلسطيني، في الثلاثين من آذار/ مارس عام 1976 ليعيد إلى الذاكرة والوجدان مشهد التغريبة الفلسطينية المتجددة تحت أعواد المشانق في مدينة عكا، حين أقدمت حكومة بريطانيا العظمى على إصدار الإحكام الجائرة بالإعدام شنقًا، على مجموعة من مناضلي الثورة الفلسطينية، صبيحة يوم الثلاثاء من حزيران/ يونيو عام 1930، وأقدمت على إعدام كل من محمد جمجوم وعطا الزيري وفؤاد حجازي، وشهد الجذر الفلسطيني مرة أخرى تغريبة فلسطينية جديدة، شهدت مواجهات شعبية وفردية مع أفراد الشرطة والجيش الإسرائيلي، وكان أعنفها في قرى سخنين وعرابة ودير حنا، حيث سقط ستة شهداء في معارك الدفاع عن الأرض وهم: الشهيد خير محمّد ياسين، الشهيد رجا حسين أبو ريا، الشهيد خضر عبد خلايلة، الشهيدة خديجة شواهنة، الشهيد محمّد يوسف طه، الشهيد رأفت الزهيري، إضافة إلى إصابة 50 مواطنًا من جراء إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، واعتقال أكثر من 300 مواطن فلسطيني.

منذ ثلاثينيات القرن الماضي، الجرح الفلسطيني ما زال يصارع الذاكرة التي لا تخبو، ويعيد إلى ذاته مكانته الطبيعية، ومركزيته في ما تبقى من الحلم العربي، مرة بأمجاد الماضي وبطولاته، ومرة بصفحات سوداء تلطخ فيها تاريخه وتاريخ أمته العربية الذي ما زال بعد سنوات التحرر الوطني من براثن الاستعمار الأجنبي، يصنع ماضيه من حاضره، ويتوخى الحذر من تأمل مستقبله ومستقبل أجياله الذي يكتنفه الغموض والخوف وأحلام الضياع، ولم يعد بإمكانه أن يكون “كأننا عشرون مستحيل” على حد قول الراحل الكبير توفيق زياد. هذا الحاضر العربي ما زال يبحث عن وطن وهوية وركن صغير في وطن، لم تهجره الأسلاك والقيود بعد.

إن الروزنامة الفلسطينية مليئة بالذكريات والمآسي والأحداث، فما إن تنتهي معركة حتى تبدأ المعركة التالية من معارك الهوية الفلسطينية والأغنية والحلم الفلسطيني الذي تتزاحم عليه كل الخناجر العربية والدولية، لتصيب هذا الجسد المنهك بالجراح، فأصابت ما أصابت منه من اقتتال الدم الفلسطيني، واختلاف الهدف والموقف والوسيلة، وما زالت التغريبة الفلسطينية -على حد تعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش- تحاصرنا قاتلًا أو مقتولًا، وهذا قدر لا بد منه حتى الحرية. وأضيفت إليها التغريبة السورية التي تجاوزتها ظلما وألمًا، بعد أن كشر النظام السوري عن أنيابه القاتلة، في سبيل كرسيه، فشرد نصف الشعب السوري ودمّر الوطن السوري، حتى أصبحت المأساة الفلسطينية جريمة إسرائيلية عاديّة، مقارنة بالجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري من قبل حكامه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق