مقالات الرأي

تحديات خطيرة تبرز أمام موسكو

منذ انفجار الوضع في أوكرانيا عام 2014، العقوبات الغربية بقيادة أميركية تزداد وتتسع ضد روسيا، حكومةً ورجال أعمال وشركات نفطية وعسكرية ومصارف، وقد طالت أكثر من 500 شخصية. وكبّدت روسيا عشرات المليارات من الدولارات. ومن المنتظر أن تظهر حزمة جديدة من العقوبات، بسبب حادثة تسميم الجاسوس البريطاني الروسي المزدوج في بريطانيا.

تحديات اقتصادية وعسكرية:

برزت في الأشهر الأخيرة، في مناطق مختلفة من العالم، تحديات جديدة وخطيرة تمسّ المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية الروسية، وتلحق بها ضررًا بليغًا. وهذه التحديات جاءت من عدة بقاع: أفريقيا وشمالها، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وأميركا اللاتينية، إضافة إلى أوروبا.

ويناقش الكونغرس الأميركي مشاريع قوانين مختلفة ضد روسيا، وقد قام مؤخرًا بتكليف مدير الاستخبارات الوطنية، بإعداد تقييماته عن نيات وأهداف القيادة الروسية، وهو يتهم موسكو بـ “خوض حرب إعلامية وبالتدخل السياسي في الدول الغربية، بما في ذلك تقويض الأنظمة الديمقراطية واستغلال التوترات الاقتصادية والإثنية في دول الناتو”، ويقترح الكونغرس “الردود المحتملة على تعزيز حضور الولايات المتحدة أو الناتو في أوروبا الشرقية، وزيادة الدعم العسكري الأميركي للحلفاء والشركاء في المنطقة”، ومن ضمن ذلك تقديم معدات عسكرية فتاكة لأوكرانيا وجورجيا. وكذلك زيادة الحضور العسكري، في بولندا ودول البلطيق.

ويجري العمل في واشنطن على تمرير مشروع قانون في مجلس النواب الأميركي، يعالج وضع شبه جزيرة القرم، ومقتل المعارض بوريس نيمتسوف، والتحقيقات المحتملة في دخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وسبق أن قدّم الكونغرس مشروع قانون حول “حماية الأمن الأميركي”، مما وصفوه بـ “عدوان الكرملين” وكذلك ما يسمّى بـ “قانون الشفافية” الذي يستهدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومن اعتبرهم الكونغرس “حاشيته”.

من الجانب الآخر، لم يتوان الكرملين عن الرد على مشروع قانون للكونغرس الأميركي، حول “دخل بوتين”، ووصفه بأنه امتداد لخط رُهاب أميركا المسعور، وقال إنه لا يتوقع من المشرعين الأميركيين تقييمًا رزينًا لكل ما يتعلق بروسيا.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا: “نحن نتفهم جيدًا قلق المجتمع المدني، علمًا أن انهيار معاهدة القضاء على الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، من شأنه أن يوجه ضربة قاصمة إلى الأمن الدولي والاستقرار العالمي، من خلال توريط مناطق بأسرها في سباق التسلح”، لكن الخبراء يرون أن سباق التسلح هذا أو ما يسمى بـ “الحرب الباردة” سيثقل كاهل الاقتصاد الروسي، وهذا يذكرنا بما جرى قبيل انهيار الاتحاد السوفيتي من تدخلاته الواسعة خارج أراضيه، وكذلك إنفاق مبالغ طائلة على التسلح وإهمال التنمية الاقتصادية والمعيشية.

وتشير معطيات وزارة التنمية الاقتصادية الروسية إلى أن إجمالي الحجم المتوقع للخسائر الناتجة عن القيود المفروضة على روسيا من قبل دول أخرى، بلغ 6.3 مليار دولار. وبلغ إجمالي عدد القيود التي فُرضت على روسيا، حتى نهاية عام 2018، نحو 159 قيدًا، فرضتها 62 دولة. كما أن هناك 13 تحقيقًا متعلقًا بالسلع الروسية. ويأتي الاتحاد الأوروبي، ثم أوكرانيا والهند وبيلاروس وتركيا والولايات المتحدة وأستراليا، في رأس قائمة الدول التي قامت بفرض تلك القيود على روسيا.

وجاء في دراسة، نشرها المعهد السويدي للدراسات الدفاعية (FOI) في شباط/ فبراير: “إذا كانت روسيا تولي اهتمامًا أكبر لتطوير مهارات حل النزاعات المحلية الصغيرة؛ فإن التدريبات العسكرية الاستراتيجية المنتظمة للجيش الروسي أصبحت الآن أكثر طموحًا، كما لو أن حربًا شاملة قد تندلع غدًا”. واستشهد المحللون السويديون، على سبيل المثال، بتدريبات “الغرب – 2017” في المنطقة العسكرية الروسية الغربية، التي شارك فيها نحو 5.5 آلاف عسكري روسي، إضافة إلى تدريبات “الشرق – 2018″، حيث شارك فيها نحو 300 ألف عسكري. ولم تُخفِ روسيا خططها الممكنة، كما نشر الإعلام الروسي في ضرب “خمسة مراكز لصنع القرار” في أميركا التي يمكن أن يصلها صاروخ (تسيركون).

تحديات في فنزويلا:

يفيد تقرير صادر عن مركز أميركا اللاتينية الاستراتيجي للسياسة الجغرافية، أن العقوبات الأميركية على فنزويلا، منذ عام 2013، كبدتها خسائر بقيمة 350 مليار دولار. وجاءت الضغوطات الأميركية على نظام مادورو الشمولي الفاسد الذي يشبه أنظمة الممانعة في الشرق الأوسط، لتهدد الاستثمارات الروسية في قطاع النفط التي تقدر بعشرات المليارات، وقد تخسرها روسيا نتيجة تضييق الخناق من قبل إدارة ترامب. ومؤخرًا ظهرت عقوبات ضد بنك (إيفروفاينانس موسناربنك) الروسي، بسبب تعاملاته مع شركة النفط الحكومية الفنزويلية (بي. دي. في. إس. إيه) في إطار جهود أميركية لقطع “شريان حياة” مالي، عن حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. واتهم بومبيو رئيسَ شركة (روس نفط) إيغور سيتشين “بأنه يواصل مد شريان الحياة لنظام الرئيس مادورو”، مضيفا أن الشركات الروسية تشتري أيضًا احتياطيات الذهب من فنزويلا، و”تحولها إلى نقد (كاش)”.

وفرضت الولايات المتحدة، في أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي، عقوبات على شركة PDVSA، وفي إطار هذه العقوبات جمدت واشنطن أصولًا مالية، بقيمة 7 مليارات دولار للشركة الفنزويلية. كما أوعزت للشركات الأميركية التي تشتري النفط الفنزويلي، بتحويل الأموال إلى حسابات خاصة لا تستطيع الحكومة الفنزويلية الوصول إليها، وقدرت واشنطن الخسائر التي ستلحق بفنزويلا في 2019 من جراء عقوباتها، بنحو 11 مليار دولار.

ولم تسلم قناة RT ووكالة (سبوتنيك) من هجمات الوزير الأميركي، فوجّه سهام نقده نحو هاتين الوسيلتين الإعلاميتين الروسيتين، بسبب دعمهما للنظام الحاكم في فنزويلا. وأضاف: “لقد أنفقت روسيا مبلغًا هائلًا من المال في فنزويلا، لدعم العلاقات الوثيقة مع النظام، حيث يقدر مجموع القروض والاستثمارات الروسية في فنزويلا أكثر من 17 مليار دولار.

لكن السلطات الروسية ردت بسرعة، دفاعًا عن هذه الشركة ورئيسها (الكاردينال الرمادي) التي تتمتع بمكانة وحصانة. واعتبرت موسكو تهديدات واشنطن ضد (روس نفط) فارغة. وصرّح السفير الروسي لدى كاراكاس فلاديمير زيمسكى، بأن روسيا سترد “بأشد” الطرق على محاولات حرمان الشركات الروسية من الاستثمار في فنزويلا. وبالفعل أرسلت موسكو مجموعة من الخبراء والمستشارين العسكريين- كما تقول موسكو- بينما أوساط غربية تقول إن روسيا أرسلت قوات عسكرية إلى فنزويلا، ما يعني أن هناك تطورًا خطيرًا في المشهد الفنزويلي.

أما خبير المعهد الدولي للدراسات السياسية والإنسانية، فلاديمير بروتير، فيربط ما جرى في سورية مع الوضع في فنزويلا، معتبرًا أن أميركا فشلت في سورية ونجح الأسد، ويتمنى ألا يستخدم الغرب القوة. ويقول: “إذا لم يستخدم الغرب القوة، فلن نستخدمها إطلاقًا. نحن بغنى عنها، فمن دونها نسيطر على الوضع”، ويهدد الغرب قائلًا: “إذا استخدم الغرب القوة، فسوف يجد ما لا يرضيه”.

لكن الصين التي تتصرف عادة بهدوء وصمت، تخشى على مستقبل مشاريع النفط المشتركة مع فنزويلا، وما يقرب من 20 مليار دولار تدين بها كاراكاس. وأدت هذه المخاوف إلى مفاوضات يجريها دبلوماسيون صينيون مع المعارضة الفنزويلية في واشنطن.

تحديات في الجزائر:

تستثمر روسيا مليارات الدولارات في النفط الجزائري، وتبيع الأسلحة للجزائر. وكل علاقاتها مرتبطة بالرئيس بوتفليقة شخصيًا، كما هي الحال مع بقية الأنظمة الشمولية، حيث تربط روسيا مصالحها برؤوس الأنظمة الشمولية، ولذلك فهي تستميتُ في الدفاع عنهم. واللافت أنه فور تعيين بوتفليقة لرئيس وزراء جديد في خضم الأحداث الساخنة في الجزائر، التي تتغير بسرعة، أرسل رئيس الوزراء الروسي ميدفيدف برقية تهنئة لنظيره الجزائري، وأكد الصداقة بين البلدين. ويعكس ذلك صورة الخوف على الاستثمارات والمصالح الاقتصادية الروسية الضخمة في الجزائر. ومع رحيل “المجاهد” بوتفليقة قد تخسر روسيا كل مصالحها. وهناك تعاون في مجال التصنيع العسكري ومكافحة الإرهاب. وتستورد الجزائر 60 بالمئة من أسلحتها من روسيا.

ويقول خبير روسي في صحيفة (كوميرسانت) الروسية: إن تغيير السلطة في الجزائر سيكون بمثابة اختبار لعلاقاتها مع روسيا. فالجزائر، بالنسبة إلى روسيا، أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين في إفريقيا والعالم العربي. فقد وقعت موسكو والجزائر، خلال اثني عشر عامًا الماضية، عقودًا بلغ مجموعها أكثر من 10 مليارات دولار. ومنذ العام 2015، تضاعف تقريبًا حجم التبادل التجاري بين الدولتين، فبلغ سنة 2017 رقم 4.6 مليار دولار. ويضيف الخبير: “بالنسبة إلينا، من الأهمية بمكان أن يواصل خليفة الرئيس الجزائري مسار سلفه. هذه السوق واعدة، وهناك ما يكفي من الجهات المستعدة لإزاحتنا منها”.

وجاءت زيارة وزير الخارجية الجزائري مؤخرًا لموسكو بدعوة من الجانب الروسي، لتؤكد قلق موسكو، حيث أعلن الوزير لافروف أن موسكو تؤيد سياسة الرئيس بوتفليقة. ولاقت تلك التصريحات نقدًا لاذعًا من المعارضة الجزائرية التي اعتبرت ذلك تدخلًا سافرًا في المشهد الجزائري، ضد إرادة الشعب الذي يطالب برحيل بوتفليقة.

وذهب مدير البرامج في (منتدى فالداي) بوريس بارابانوف، إلى أنه إذا غادر الرئيس الحالي الساحة السياسية، بوصفه رمزًا للاستقرار بالنسبة إلى كثيرين، فمن الممكن أن يبدأ ربيع عربي جزائري. ذلك ما يحذر منه على موقع المنتدى، حيث قال: “الحركة السياسية الإسلامية لم تختفِ، وهي ستكتسب قوة بسرعة كبيرة”.

تحديات في السودان:

شهد السودان احتجاجات شعبية كبيرة ضد نظام البشير الشمولي الفاسد، الذي سارع إلى فرض حالة الطوارئ لكي يخلص نفسه من الضغوطات الشعبية التي ستطيحه لا محالة، وقد سارع نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف إلى زيارة السودان، للاطمئنان على المصالح الاقتصادية في السودان، حيث تستثمر شركات روسية في قطاعي النفط والذهب، وتعمل شركات أمنية خاصة ومستشارون عسكريون في السودان. ومع رحيل “أمير المؤمنين” البشير قد تخسر روسيا مصالحها.

والآن، هل فهمتم لماذا انخرطت موسكو بكل قوتها، في الدفاع عن النظام الشمولي الفاسد في دمشق؟ لأن المصالح الروسية مرتبطة باسم الطاغية بشار الأسد وعائلته الفاسدة منذ 50 عامًا، لذلك ترى روسيا -بنظاراتها المنحرفة والمغبشة- أن مصالح موسكو مع تلك الأنظمة التي تقمع شعوبها وتجوعهم وتنتهك حقوقهم وتقتلهم وتشردهم وتعتقلهم لتعذبهم حتى الموت في السجون. ولكنها لا ترى كل تلك العذابات والإبادة الجماعية والجوع الجماعي والفقر المدقع والتخلف الفظيع والنهب المرعب والفساد، بل ترى فقط رؤوس الأنظمة، كممثلين لمصالحها. ولكن إذا رحلت تلك الرؤوس فماذا ستفعل موسكو؟

استطاعت موسكو أن تبقي الأسد بالقوة العسكرية الرهيبة، ولكن كيف ستبقيه في حالة السلم التي ستحتاج إلى إعادة البناء والتمويل بمئات المليارات، فمن يا ترى سيدفعها لنظام فاسد وسارق؟ متى سيقتنع الروس بأن دعم الأنظمة الدكتاتورية القمعية الفاسدة يعاكس منطق وحركة التاريخ، ويعاكس المصلحة الحقيقية لروسيا وشعبها.

تحديات في سورية:

بعد القرارات الأميركية الأخيرة، التي تهدد أي دولة تتعاون مع النظام السوري بالعقوبات، فإن روسيا أمام تحدٍ بسبب تعثر أجندتها الرامية إلى مساعدة النظام السوري على جذب الأموال للاستثمار في إعادة الإعمار، لأن أغلب دول العالم تربط أي تعاون في مجال إعادة الإعمار بإجراء عملية سياسية تخلق استقرارًا وشروطًا آمنة في سورية، والدليل توقف حملة الانفتاح على دمشق بعد القرارات الأميركية. ولم تحقق زيارة الوزير لافروف إلى دول الخليج ولا لقاءاته مع تركيا ومع الوزراء الأوروبيين حتى اليوم أي نتيجة تذكر، حول إقناع هذه الدول بإعادة علاقاتها مع النظام في دمشق، ولا في تأمين تمويل لإعادة الإعمار في سورية، على الرغم من استخدام ورقة إعادة اللاجئين السوريين ومحاولة العزف على البعد الإنساني. فالجميع يطالبون بتغيير سياسي، قبل أي مساهمة في إعمار سورية. ومن المواضيع المعقدة التي تنتظر الحل أمام روسيا، التعامل مع إيران لإرضاء حليفتها الاستراتيجية “إسرائيل” وكذلك لكسب رضا الأميركيين وإلا؛ فإن مجمل السياسة الروسية في سورية في خطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق