هموم ثقافية

زوال الكتاب

ثمّة شكوى أنّ أحدًا لا يقرأ الكتاب، وأنّ أحدًا لا يروّج له (شكوى تشكوها الكتب)! فصانعوا النظافة يروّجون لتسويق منتجاتهم، عبر وسائل الإعلام، وصانعوا العلوك/ اللبان والأحذية والشوكولاتة كذلك، إلا الكتاب، فلا أحد يطنطن له! فهل هو ولدٌ غير شرعي؟!

الناس التي تأكل وتشرب وتلبس وتتأنق، وتحرص رؤوس الأموال الصانعة لمنتجاتهم الاستهلاكية على إقناعهم بجودة بضائعها، عبر الدعايات التي تقسم وتحلف بكمّ السحر والجمال والفائدة والمتعة والقوّة التي تحتويها، هم بحاجة إلى من يقنعهم بفائدة الكتاب إذا قُرئ؛ إذ كم سيسوّد ويبيّض وجوهًا وأيادي وأقدامًا لرجالٍ ونساء، وكم هو قادرٌ على أن يقنعنا بأنّ القنبلة ليست تفاحة، وأنّ الخيانة ليست كالبطولة وأنّ … وأنّ.

كيف نصنع ثورتنا العقلية؟ وكيف نتخلّص من الأفكار الهرمة، ومن تجّار ومسؤولين مصابين بالشيخوخة الثقافية، يقودون حياتنا من كارثة إلى كارثة؟ فالحياة صارت كارثة، والثقافة في كارثة، والماكياجات التي يضعها هؤلاء المسؤولين الكارثيون لم تعد تنفع، لأنّها لن تعيد إليهم الشباب، وإن عاد، فإنّ الكبر (كبر الأنا وتضخمها) لا يمكن تمويهه. حتى بالجراحات التجميلية، وحمّامات الساونا! كنّا نتمنى أن يتدارك المسؤولون الكوارث، فيقومون بإجراء بعض الجراحات والحمّامات هذه، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة الثقافة/ الكتاب، الذي هو من سمعة البلد.. سمعتنا.

أنا أسأل: لو أنّ صانعي الأحذية (لا صانعو الطرابيش الذين انقرضوا) قرّروا أن يقيموا معرضًا للأحذية.. ترى كم سينجح المعرض، وكم سيكون الإقبال على شراء الأحذية “عظيمًا”! وكم سيحقّق الناشرون الصانعون أرباحًا وأرباحًا؟ لماذا صانعو الأحذية أذكى من صانعي الكتاب؟ أم أنّ المسألة ليست مسألة ذكاء، مع أنّ كلا الفريقين يتعاطى مع منتوجه، إن كان كتابًا، أو حذاءً، أو لبانًا، أو منظّفًا، بصفته سلعة. الكتاب للرأس لباس العقل، والحذاء للقدمين. وإذا كان الحذاء غير مريح يتعرّض هو الآخر للغش كما الكتاب، فيفسد عليك حياتك، فلا تعرف أن تقرأ ولا تكتب ولا تمشي، بسبب سوء صناعة الحذاء الذي يرصّ قدميك أو يسرّب الماء أو…

قد يقول قائلٌ المشكلة ليست في الناشر أو في الصانع، لأنّه لم يروّج للكتاب، المشكلة عند المواطن القارئ الذي لا يملك أو ليس عنده خريطة أو سياسة ثقافية أو سياسة كتابية، ونقول: هذا عذرٌ أقبح من ذنب. أكلّ هذه المدارس والجامعات وبخاصّة (الخاصة) لم تستطع أن تقنع طلابها بضرورة الكتاب، وبأنّه أوكسجين العقل، ولولاه، لكنّا ما نزال نعيش في جاهلية الجاهلية؟

لماذا يتمّ إفساد المعرفة والفكر؟ قراءة الكتاب ضرورةٌ إنسانية، بل هي واحدةٌ من النشاطات التي تعيد للعقل كرامته، فالقراءة، فضلًا عما تضيفه لنا من علوم ومعارف، تقدّم نشوةً فكرية للجسد جسدنا، بعد أن تمتلئ روحنا بغنى الأفكار والمعلومات، وطبعًا ليس أي كتاب، فهناك كتبٌ مثل الروايات والأشعار التي يكتبها المعاقون عقليًا قد تسبّب قراءتها الجلطة، وعلى يديها سيزول الكتاب من على وجه الأرض!

تلك مشكلتنا مع الناشر صانع الكتاب، لكن هناك مشكلة أخطر، فنحن الذين اخترعنا -كما غيرنا- الكتابة قبل اللغة، فأرسلناها إشاراتٍ/ رسمات، لنمدّ جسورًا نحو العلم والمعرفة. كما اخترعنا الفنون، كي نضاعف نشاطنا الحياتي، فنخالط/ نختلط، وليس نخلط، مع أقراننا من البشر، فنعيش معهم حياة اجتماعية. صرنا نشتري الكتب لكن لنكدّسها، ونجلس في الأماكن العامة والخاصة مع هؤلاء الأقران، نمارس فعل الثقافة، وباسمها نرتكب أبشع الحماقات.. نجهل ونجهّل من يجهّلنا. لماذا نشتري الكتب؟ هل لنتزين بها؟

بإمكاننا أن نزرع حبّة قمح، شجرة زيتون، لكن ليس من حقّنا أن نطالبهما بأن تكبرا، فيصير مثلنا مثل من يرمي بابنه الوليد في فم الوحش ويقول له: خلّص نفسك! فالكتب، كما بذرة القمح وغرسة شجرة الزيتون، تحتاج إلى عمليات تخصيب ورعاية، فتخصيب المزروعات، كما تخصيب خصال الفكر، يحتاج إلى الرعاية، إلى القراءة. لا يكفي أن نمسك بالكتاب ونقوم بقراءته، فلا قراءة من دون عاطفة، حساسية، انفعال. وإلا صرنا كما الأخشاب المتيبّسة، تنتظر منشار النجار ليفرمها.. يفرمنا. مع أنّ القراءة بالأساس هي فعلٌ غريزي فطري، ليست ترفًا، ولا امتيازًا، ولا تسليةً، ولا لعبًا. إنّها التأمّل والفرح.

كيف نصير حاملي ثقافة أفرادًا وأمّةً؟ هل بإبقاء الكتب على الرفوف؟ إنّها القراءة والقراءة مع الآخر، فالثقافة من دون هذا الآخر تصير فعلًا وحشيًا؛ لأنّ هذا الآخر يمثّل التضاد، مثلما يمثّل الندّ، فيدفعنا إلى أن نتجاذب (لا نتجادب) معه عمليات تدريب العقل على التفكير، وهي عمليات ليست صعبة، وإلا فسيفسد العقل، عقلنا، ونصير أمّة بلا عقل. ألا يبعث هذا السلوك -سلوكنا بازدراء القراءة- إلى الخجل؟ كيف نربّي جسدنا على الرياضة، بما فيها الرياضات النبيلة، كالفروسية والرماية، مع أنّها تكاد تنقرض، ولا نربّي عقلنا على القراءة!؟ مثلما هناك تربيةٌ رياضية هناك تربيةٌ عقلية، فيصير عندنا جمهورٌ قارئ، ساحاته الكتب والمسارح والمعارض، مثلما عندنا جمهور رياضي ساحاته الأندية والملاعب. هل هذا صعب ومستحيل؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق