مقالات الرأي

الجولان بين الأسد وترامب

بتفاخر ووقاحة قلّ نظيرها، استعرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الحضور وأمام الكاميرات، وبوجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأمرَ التنفيذي القاضي بالاعتراف بسيادة “إسرائيل” على هضبة الجولان، بعد أن زيّنه بتوقيعه. وبألم وغضب مقابل، وشعور قاتل بالعجز، راقبنا -نحن السوريين- المشهد.

وعلى الرغم مما يبدو عليه المشهد من قسوة، وما ينطوي عليه من غطرسة وعدوان، وما ينمّ عنه من استخفاف وازدراء بنا وبحقوقنا؛ فإنني لا أراه إلا تفصيلًا صغيرًا، في قضية الجولان ومصيره، لا يكاد يغيِّر شيئًا على مستوى الواقع أو على مستوى الحقوق.

على مستوى الواقع، الجولان محتلٌ منذ عام 1967. وقرار ضمه صدر عن الكنيست الإسرائيلي منذ عام 1981. و”إسرائيل”، بحكم قوتها وقوة من يدعمها ويحميها، وبحكم ضعف سورية خصوصًا والمحيط العربي عمومًا، تمارس سيادتها المطلقة على الجولان بثقة صاحب الأرض، ولم يعكّر صفو هذه الممارسة شيء، منذ اتفاقية فك الاشتباك الموقعة بين سورية و”إسرائيل”، في أيار/ مايو 1974 بعد حرب تشرين/ أكتوبر 1973.

على مستوى الحقوق، ثمة قرارات ملزمة من مجلس الأمن تُثبت أن الجولان سوريّ، وترفض قرار ضمه إلى “إسرائيل”، أهمها القرار 242 الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 بُعيد حرب حزيران، والقرار 338 الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر 1973 بُعيد حرب تشرين، والقرار 479 الصادر في كانون الثاني/ ديسمبر 1981 بُعيد قرار الكنيست بضم مرتفعات الجولان إلى “إسرائيل”. وقبل يومين، في 27 آذار/ مارس، دان جميع أعضاء مجلس الأمن، باستثناء الولايات المتحدة، في جلسة طارئة للمجلس عُقدت بهذا الخصوص، قرارَ ترامب، وعدّوه لاغيًا بسبب تجاهله للقانون الدولي وانتهاكه للقرارات الدولية.

إذن؛ لن يضيف قرار ترامب إلى قضية فقدان الجولان وصيرورة تكريسه أرضًا إسرائيلية شيئًا، وما قراره إلا إضاءة على هذه الصيرورة. أما أساس المأساة وعوامل استمرارها وتطورها على هذا النحو، ففي مكان آخر، بل في أماكن أخرى، ويجدر باهتمامنا، وبغضبنا، أن ينصرف إلى تلك الأماكن.

أساس مأساة الجولان، وأهم عامل في استمرارها كان، وما يزال، نظام الأسد، حيث بدأت القصة بقيام حافظ الأسد، وزير الدفاع السوري آنذاك، بتسليم هضبة الجولان إلى “إسرائيل”، في حرب حزيران/ يونيو 1967، من دون قتال، عندما أعطى أوامره للجيش بالانسحاب الكيفي من الجولان قبل وصول أي جندي إسرائيلي. واستمرت القصة بحرص حافظ الأسد، ثم وريثه بشار، على حماية حدود “إسرائيل” الجديدة، وأمنها، منذ اتفاقية فض الاشتباك عام 1974 حتى الآن.

كان التخلي عن الجولان، ثم ضمان سيطرة إسرائيلية هادئة آمنة عليه، بعضًا من مجموعة مهمات يبدو أن حافظ الأسد تكفَّل بتنفيذها، ضمن صفقة مشبوهة مع الغرب و”إسرائيل”، ضَمِنَت له ولسلالته الاستئثار بحكم سورية، وتطويع شعبها، ونهب خيراتها من دون منغصات.. ومن تلك المهمات أيضًا، إضعاف عبد الناصر بداية، ثم محاربة الناصرية كمشروع قومي وحدوي على مستوى الوطن العربي، وإضعافها وتحجيمها تاليًا، وإضعاف العرب وتشتيت قواهم، ودفن بذور ومقومات أي مشروع نهضوي، وتصفية القوى التي تحمله، والإمساك والتحكم في المقاومة الفلسطينية.. بعض تلك المهمات ربما لم تكن سوى التقاء مصالح، إذ غالبًا ما تتقاطع مصالح المستبد والمستعمر، ويتشاركان أهدافًا كثيرة، على رأسها تدمير عوامل قوة المجتمع وأسباب نهوضه. نلاحظ كيف يحوز نظام الأسد، عمليًا، رضى الإسرائيلي ودعمه، طالما أنه يمعن في تدمير وإضعاف سورية، وتهشيم مجتمعها.

لم يرشح شيء عن تلك الصفقة، لكن رائحتها كانت تزكم الأنوف، والمؤشرات على وجودها كانت تظهر عند كل محطة تاريخية مرّت بها البلاد في عهد هذه السلالة المباركة. أذكر من تلك المحطات: دخول القوات السورية إلى لبنان عام 1975 وتصفية المقاومة فيه، والسيطرة عليه لثلاثة عقود – وارتكاب قوات النظام لمجزرة حماة عام 1982 – وعملية توريث السلطة لبشار عام 2000 – ودفاع “إسرائيل” عن نظام الأسد، وإنقاذه من السقوط في أزمته الكبرى مع الغرب عقب اغتيال رفيق الحريري عام 2005 – وصمت الغرب عن جرائم النظام الفظيعة بحق السوريين منذ بدء حراكهم الثوري عام 2011 حتى الآن – وارتياح “إسرائيل” اللافت لعودة قوات النظام إلى الحدود مع الجولان بُعيد طرد الفصائل المسلحة من هناك – وأخيرًا بقاء الأسد بحد ذاته، ومحاولة إعادة تدويره رغم كل ما فعله ببلده وشعبه طوال ثماني سنوات.

ثلاث صفات، حسب رأيي، ميّزت حافظ الأسد، ومنحته تلك الثقة الكبيرة لدى “إسرائيل” والغرب، أولها تدني، وربما انعدام، شعوره الوطني أمام رغبته العارمة في السيطرة المطلقة، والاستفراد بالحكم وتوريثه لأبنائه بأي ثمن، وثانيها جرميته وقدرته على استخدام العنف العاري، ضد شعبه وضد كل من يقف في طريقه، وثالثها عقله البوليسي المخابراتي الاستثنائي، وقدرته على توفير كل الصيغ والأدوات اللازمة لتنفيذ مشاريعه السامة، مع الظهور الدائم بمظهر البطل الوطني القومي المقاوم الممانع المنتصر دائمًا على أعدائه..

أما احتلال الجولان فلطالما كان حاجة ضرورية لنظام الأسد، زوده بالذريعة الدائمة لإبقاء البلاد في حالة حرب، ووضعها تحت رحمة قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق يد الأمن والعسكر في طولها وعرضها، وتغييب الحريات وكمّ الأفواه وإلغاء الحياة السياسة والثقافية، وتسخير البلاد والعباد لصالح معركة تحرير مزعومة ما كان لها أن تأتي أبدًا.. والمعادلة بسيطة: تأبيد حكم الأسد يتطلب تأبيد حالة الحرب، وهذه تتطلب وجود أرض تحت الاحتلال..

إضافة إلى الدور المركزي لنظام الأسد في تكريس ضياع الجولان، يمكن الحديث عن عوامل أخرى، منها الحالة المزرية التي تعيشها كل الدول والشعوب العربية، تحت وطأة أنظمة لا همّ لها هي الأخرى سوى حماية نفسها وامتيازاتها وتأبيد حكمها وإخضاع شعوبها. ما أوصل تلك الدول إلى الحضيض، وأفقدها قدرتها وسلب إرادتها ودمّر مناعتها.. وحولها في نظر الغرب و”إسرائيل” وإيران وغيرهم، إلى مجرد أنقاض وهياكل هشة لا حول لها ولا قوة، ولا تستحق بالتالي أن يُقام لها أي وزن.. فما الذي يمنع ترامب، والحال هذه، من الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان؟ والاعتراف بالقدس “عاصمة لإسرائيل”، وبنقل سفارته إليها؟ وما الذي يمنعه مستقبلًا من الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الضفة الغربية، أو إعطاء قطعة من سيناء للفلسطينيين، بدلًا من أرضهم السليبة؟ أو إجبار الأردن على توطين جزء منهم؟ لا شيء يمنع، طبعًا، لأن سقف الأمة هو الشعارات الفارغة والطنين في المكان.

ثم ماذا عن مسؤوليتنا ودورنا نحن، من نسمي أنفسنا معارضة وطنية، أو نُخبًا سياسية أو مثقفة؟ ألا نتحمل جزءًا من المسؤولية غير المباشرة عن ضياع الجولان، عبر مسؤوليتنا المباشرة عن بقاء الاستبداد واستحكامه بمفاصل مجتمعنا؟ أوليس لفشلنا المزمن في التأسيس لأي مشروع وطني وازن، يطرح بديلًا عن نظام الاستبداد، دورٌ في تغول هذا الاستبداد؟ هل منعتنا القبضة الأمنية من ذلك؟ أم منعتنا أمراضنا الذاتية، نرجسيتنا المفرطة مثلًا، وتعلق قياداتنا المرضي بالمنصب مهما كان الثمن، على غرار الطغمة التي نعارضها، وعدم حيازتنا ما يكفي من النضج والوعي السياسي، وعدم تشربنا لما يكفي من قيم ومبادئ الديمقراطية والعمل المؤسساتي، على الرغم من أننا نحشر مفرداتهما في معظم أحاديثنا وأدبياتنا وأسماء تنظيماتنا.

لن يغير ترامب بقراره شيئًا جوهريًا في وضع الجولان، هو فقط، وبسبب نرجسيته وشعبويته ووقاحته، وعدم خبرته، ورغبته في دعم نتنياهو في انتخاباته القريبة، ورغبته في إرضاء اليمين الإسرائيلي والأميركي، وفي إرضاء المسيحيين الإنجيليين الأميركيين، لتعزيز فرصه في فترة رئاسية قادمة… خرج عن المألوف في التعاطي مع القصة، وقدّمها بهذا الشكل الخشن الوقح.

لكن نعم، لقد ارتكب ترامب بقراره هذا جريمة مروعة فعلًا، إنما بحق العالم كله.. فقراره كان ضربة مزلزلة للقانون الدولي وللشرعية الدولية ومؤسساتها، ولكل الأسس التي قام عليها النظام العالمي الحديث، نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية.. قراره تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين… قراره بمنزلة رخصة لكل بلطجي وصاحب قوة في العالم، لأنْ يفعل ما يراه مناسبًا مع من هم أضعف منه… قرار ترامب يُعيد البشرية إلى شريعة الغاب وعصر الافتراس.

لا شيء يشبه مشهد ترامب في توقيعه على قرار الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على الجولان، إلا مشهد ذلك الداعشي الذي يحمل مطرقة ثقيلة يحطم بها قطعة أثريه ثمينة… ترامب هو ذلك الداعشي، وقلم ترامب هو مطرقة ذلك الداعشي، والشرعية الدولية التي يحطمها ترامب هي ذلك التمثال الثمين الذي يحطمه الداعشي… لا تخدعنا أناقة الثياب ونظافة المكان، والفرق فقط في قدرة كليهما على التدمير، حيث يتفوق ترامب بقدرته التدميرية الهائلة، بحكم تبوئه لمنصب رئيس أقوى دولة عبر التاريخ.

أختم بالتساؤل عما يمكننا فعله، كسوريين، بشأن الجولان؟ والجواب هو لا شيء بالتأكيد، فعمل شيء مؤثر يتطلب امتلاك القوة، لأن القوة وحدها هي من يصنع الفروق ويحفظ الحقوق، خاصة في عالم كعالم ترامب، وامتلاك القوة يتطلب بيئة لا توفرها سوى الدولة الوطنية الحديثة ومؤسساتها، دولة الحريات والمواطنة والحقوق، وحتى نجد طريقنا إلى تلك الدولة، لا نملك إلا أن نلعق جراحنا ونلعن قدرنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق